طيلة أشهر مضت، وأنا أحاول تجنب الخوض في عدد من النقاشات المثارة في المشهد الإعلامي والسياسي في البلاد، والتي غالبا ما تكون بعيدة عن هموم المغاربة الحقيقية وتطلعاتهم، وفي كل مرة أفشل حتى إنني أجد نفسي وقد انخرطت رغما عني في الحديث عن شيء أدرك جيدا مدى عبثيته وتفاهته، ولكنها سطوة الإعلام ونفوذ السلطة الموجهة له والتي نسلم لها رقابنا دون وعي منا حتى أصبحنا كالميت بين يدي مكفنه.

لا نتحدث هنا عن الإعلام التقليدي الذي كان ولا زال محدود التأثير، لأنه وبالإضافة إلى ضعفه ورداءته، فهو منغلق على نفسه ولا يسمح المسؤولون القائمون عليه بأي نفس تجديدي أو إبداعي فيه، مما يؤدي إلى حرمانهم من كثير من الطاقات الضائعة التي تمني النفس في المساهمة بخدمة الاستبداد ولا تلقى منهم أي اهتمام، لأن أمراض المحسوبية وعجرفة واستعلاء ذوي النفوذ تفوت عليهم فرصة إصلاحه وتطويره. وذلك بخلاف الإعلام الإلكتروني الوليد الذي وجد النظام المغربي فيه ضالته، بفضل القطاع الخاص الموالي له والذي يحسن استغلال الموارد وتوجيهها، فبعد ارتباك المخزن وتخبطه في البداية لسابقة التيارات المعارضة في استخدام الإنترنت حيث كان منبرا خالصا لها، واقتصر تعامله مع هذا الفضاء آنذاك بالقمع ومحاولة لجم نشطائه بطرق عفا عليها الزمن، كحجب بعض المواقع أو اعتقال مدونين أو اختراق حسابات ظنا منه أن ضبطه قد يتم بالمقاربة البوليسية.

عموما لم تطل سيطرة مناهضي المخزن عليه، فقد كانت النقلة النوعية تلك التي تمثلت في دخول رأس المال المخزني على الخط الذي وجد في الإنترنت فرصة للاستثمار والكسب السريع، لا سيما مع ظهور المواقع الإخبارية الإلكترونية، حيث استنفر طاقاته وإمكانياته لإقامة موطئ قدم له في الساحة، وقد ساعده على ذلك ما يتطلبه العمل الصحفي المنظم من تمويل وهو الشيء الذي تفوق فيه على المعارضين له وعلى المدونين الشباب، مما جعل إمكانية إلحاق بعضهم بمشروعه باستخدام المال أمرا يسيرا، فبعض الأقلام المشاكسة التي كان ينظر إليها على أنها بديل مستقبلي للصحفيين التقليديين، لما ظهر منهم من ملامسة لهموم المغاربة وجرأة في معالجة قضاياهم، قد تحولوا إلى موظفين عنده بسبب قابليتهم للاحتواء وإشباع رغباتهم في حب الظهور حيث جعلت منهم هذه المنابر الجديدة مشاهيرا، إضافة إلى ضعفهم أمام الإغراء المادي الذي يوفره لهم بسخاء، لتكون هذه الفئة المدجنة بمثابة النواة الأولى التي سيستند إليها بعد ذلك في إحكام السيطرة على المشهد الإلكتروني. كما أنه وبسبب ضآلة جمهوره قد اعتمد على الرصيد الجماهيري للتيارات المعارضة، فغازلها في البداية ووفر لها مساحات مهمة في منابره إن على مستوى تغطية أنشطتها أو مجال الإتاحة لكتابها بالتعبير عن آرائهم بكل أريحية في استغلال مكشوف لها وللجاذبية التي تحظى بها مواقفها السياسية، وما أن اطمأن إلى تنامي شعبيته حتى بدأ يتخلص منها بالتدريج ويتخفف من العبء والصداع الذي كانت تخلقه له حتى بلغت تلك التغطية حدودها الدنيا لرفع العتب ليس إلا وحتى لا يفقد مصداقيته بالكامل.

سياسة “القطَّارة” في نشر أخبار وتحليلات من لا يدين بالثوابت المخزنية أحدثت فراغا كبيرا سعت هذه المواقع لملئه بإعادة تأهيل بعض العناصر من النخبة التقليدية بعد أن نفضت الغبار عنها ولمعتها وقامت بتسويقها للرأي العام من جديد، كما استغلت بعض المُرَوَضين من المعارضين السابقين. ولم تكتف بذلك فقد عمدت إلى مزيد من الانفتاح على شرائح جديدة مهيئة لقبول بضاعتها وقادرة على التفاعل مع منتوجها وترويجه، فبدأت تتقرب من جمهور “الشات” والإثارة من خلال مواضيع بسيطة مثيرة ولا يهم ما قد يسبب ذلك من إحياء للنعرات والعصبيات الثقافية أو المناطقية أو المهنية بقدر ما يهم ذلك الرواج الذي سيتم خلقه داخل تلك المواقع ومن ثم إبعاد الناس عن همومهم الحقيقية وعن مسبباتها الرئيسية.

نجاح آخر سيكتبه المخزن فيما يسمى بتحرير القطاع السمعي البصري والذي سمح ببروز عدد من المحطات الإذاعية الخاصة، التي عرفت نجاحا وإقبالا واسعا على متابعتها والتي تسير بنفس الخط التحريري للمواقع الإلكترونية، لأن المتحكم فيهما واحد، الشيء الذي بدأ يلمس بشكل مباشر في ظاهرة التوأمة بين المواقع الإخبارية والإذاعات الخاصة.

أما بخصوص برامج البودكاستينغ والتي يفترض أن تشخص الواقع المغربي بعين ناقدة كما يتم في عدد من الدول المجاورة، فقد كشفت “أسوء ما في شخصية الإنسان المغربي”، حيث لا تكاد تجد موضوعا جادا يُناقَش عند جل البودكاستر سوى التفنن في السباب والشتائم بأحط الألفاظ، وحتى عند من يكسر القاعدة في هذا الباب وهم قليلون لا يتطرقون إلا إلى المواضيع التي قد تبدو نقدا، ولا تعدو كونها جلدا للمجتمع المغربي وكشفا لعوراته بشكل مبالغ فيه جدا من غير التعرض للسلطة بتاتا ودورها في فساد ذوق المغاربة. طبعا دون أن نتحدث عن الفضائح الأخلاقية التي يعج بها موقع اليوتوب. حتى إنك ما إن تتصفح اليوتوب لا سيما صفحته الرئيسية المتعلقة بالمغاربة حتى تشعر بالقرف والإحساس بالغثيان.

كل ما سبق يعطي دفعا قويا للمخططات المخزنية وينسجم تماما معها في تخدير المغاربة وتحوير دائرة اهتماماتهم إلى اتجاهات خاطئة، حيث انضاف نجوم اليوتوب إلى باقي تلك النخبة المزيفة المصنوعة على عيني المخزن وأصبحوا مؤطرين وموجهين للناس ورموزا لا يشق لها غبار.

لقد سعى النظام المغربي من خلال تشكيله لهذا الكوكتيل العجيب المتنوع أن يصنع نخبة بديلة للنخبة الأصيلة الرافضة له حتى يسحب البساط منها، لذلك عمل على ضمان تمثيلية مغشوشة لجميع مكونات المجتمع المغربي باختلاف مرجعياتها واتجاهاتها الفكرية والسياسية والمناطقية وقطاعاتها المهنية وفئاتها العمرية وجنسها أيضا، لا يجمع بينها أي شيء سوى الولاء المخزني سواء صرحت بذلك أم أضمرته، فلا تهم جماهيريتها المعدومة على الأرض ما دامت قادرة على توجيه المغاربة بمحاباة الإعلام لها. فالاحتقان السياسي والاجتماعي الخطير الذي يعرفه المغرب والذي يوشك على الانفجار، يعمل المخزن جاهدا كي يبعده عن وجهه حتى ينفجر في اتجاه المجتمع ووحدة نسيجه للأسف الشديد، لذلك كلما حُشِر في الزاوية كلما أحدث معركة وهمية بهاته البيادق قد تمتد إلى شهور تتبعها أخرى، وهكذا حتى يفرغ الغضب المحبوس في صدور مواطنيه ويوجهه فيما بينهم، ويشارك عامة المغاربة فيها بكل حماسة فهم أيضا محتاجون للكذب على أنفسهم وإشفاء غليلهم في قضايا غير مكلفة وذلك للتهرب من أداء ضريبة الكرامة ومواجهة جبروت المخزن وإفساده في الأرض. ومما يؤسف له هو انجراف بعض المناضلين الصادقين إلى هاته المعمعة من باب الحمية فقط، لأن فلان الفلاني ينتمي إلى مرجعيتهم فعليهم نصرته حتى وهم يعلمون ارتباطاته المشبوهة. ولعل هذه اللعبة قد راقت للنظام كثيرا حتى برع فيها، فحاله أضحى كحال من ينشب المعارك بين الديكة حتى تستعر الحرب بينهم ثم يتفرج عليهم بعد ذلك في نشوة عارمة.

قد يجادل البعض بأن ما نطرحه هنا فيه سوداوية مبالغ فيها، وأن النظام المغربي وإن نجح في التأميم غير المباشر لليوتوب والمواقع الإخبارية والإذاعات الخاصة، فلا تزال هناك مساحات كبيرة في مواقع التواصل الاجتماعي كالفيسبوك بالذات خارج سيطرته وتستقطب جمهورا واسعا يعلن العداء الصريح له ولمقدساته المزعومة، وهذا صحيح إلى حد ما، فنحن هنا لا نهون مما أسهم به الفيسبوك من كسر لرهبة المخزن في صدور الكثيرين، وما قضية العفو عن مغتصب الأطفال الإسباني عنا ببعيد، لكن أيضا لا ينبغي المبالغة في تقدير دوره، فالفيسبوك يضم كثيرا من الحسابات العادية التي تتأثر بما يجري خارجه وتنقله إليه حتى أضحى بمثابة رجع صدى للقضايا التي يروجها المخزن، بل ولأنه فضاء تفاعلي فهو يعطي لها زخما لا ينسجم مطلقا مع حجمها، مما يجعل الناشطين الفيسبوكيين الجادين يشعرون بأن الموجة عالية عليهم ولا يملكون في نهاية الأمر إلا التفاعل معها حتى يظلوا في دائرة الضوء، خصوصا أن كثيرا منهم استهوته الأعداد الكبيرة من الإعجابات والتعليقات على مشاركاته.

المعركة إذن هي معركة إعلامية قبل كل شيء، وإن لم يبذل الطامحون للتغيير في المغرب مجهودات مركزة ومنظمة في هذا الباب، فسيحدث التغيير لكن في الاتجاه العكسي وستكون نتائجه مدمرة، لأن ما نلمسه حاليا من آثار للضجيج والفوضى في المجال الإعلامي سيؤدي إلى خلق تشوهات مجتمعية تقسم وتشرذم لحمة الشعب المغربي وتدعم المسلمة التي يروجها المخزن بأن لا أمن ولا استقرار إلا ببقاء النظام المخزني الضامن الوحيد لوحدة المغاربة.