قال الباحث المغربي في القانون العام والعلوم السياسية الدكتور محمد باسك منار، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، بأن دستور فاتح يوليوز 2011 دستور استمرارية وليس دستور قطيعة)، إذ ظل الاختلال الجوهري على مستوى السيادة قائما)، وليبقى المغرب في وضعية مأسسة منقوصة، تفتقد الجوهر الديمقراطي).

وأضاف في دراسة جديدة له، حملت عنوان دستور سنة 2011 في المغرب: أيّ سياق؟ لأيّ مضمون؟) أصدرها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، رغم بعض الجوانب المتقدمة فيه (الدستور)، ورغم تنصيصه على الاختيار الديمقراطي باعتباره ثابتا من الثوابت، لم تتحقق فيه مجموعة من المعايير الديمقراطية، سواء على مستوى طريقة وضعه أو على مستوى مضمونه).

ومضى العضو المؤسس للمركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات، والمشارك أيضا في المشروع العربي لدراسات الديمقراطية، موضحا استنتاجه ذاك بقوله فبعيدا عن الطريقة الديمقراطية الأساس في وضع الدستور الديمقراطي، التي هي مجلس تأسيسي منتخب، ظل الملك هو مالك السلطة التأسيسية)، وأضاف وبعيدا حتى عن الصيغة التوافقية، التي تقتضيها الديمقراطية التشاركية، كانت وظيفة كل من اللجنة الاستشارية وآلية التتبع السياسية إضفاء الشرعية العلمية والسياسية على المسار الإعدادي للدستور، ولم تكن الوظيفة تحقيق شراكة دستورية فعلية؛ وإذا كان الاستفتاء آلية من آليات الديمقراطية، فقد شابته مجموعة من الشوائب التي أفرغته من طابعه الديمقراطي).

وتوزعت الدراسة، التي تعدت الثلاثين صفحة، على ثلاث محاور؛ الأول بعنوان مفارقات السياق العام لدستور فاتح تموز/ يوليو 2011)، عرج على ثلاث أفكار أساسية هي: حركة 20 فبراير والاحتجاج المنزوع الفتيل، والأحزاب السياسية وتسليمها بامتلاك الملك للمبادرة السياسية، والمؤسسة الملكية واستمرارها في التعالي. أما المحور الثاني فعنوانه مظاهر إشراك في طريق غير ديمقراطي)، تطرق فيه لـ: اللجنة الاستشارية ومحاولة إسباغ الشرعية، وآلية التتبع واستصدار التزكية السياسية، والاستفتاء واستصدار التزكية الشعبية. والمحور الثالث حمل عنوان النّص الدستوري في ميزان المعايير الديمقراطية)، الذي عرض لـ: الشكل الدستوري والاختلالات التي تكشف إرادة التكيف الظرفي، ودراسة مضمون الوثيقة الدستورية وتهافت المقارنات التجزيئية، والمضمون الدستوري والمقايضة المغلوطة بين السيادة والحقوق. ثم خاتمة ركز فيها أهم خلاصة توصل إليها في بحثه.

نعرض فيما يلي مقدمة الدراسة، على أن يرجع موقع الجماعة نت إلى مزيد من التفصيل حولها وأهم أفكارها ومراميها وخلاصاتها من خلال حوار خاص مع صاحبها الدكتور محمد باسك منار.

مقدمة بحث دستور سنة 2011 في المغرب: أيّ سياق؟ لأيّ مضمون؟)

ظهرت في المغرب، على امتداد ما يزيد على سنتين، مجموعة من الإشكالات المرتبطة بتأويل الدستور وتفعيله. في هذه السياق، تأتي هذه الدراسة التي تهدف إلى التحقُّق من مدى استجابة دستور فاتح تموز/ يوليو2011 لمعايير الدستور الديمقراطي: إعدادًا، وشكلًا، ومضمونًا؛ على اعتبار أن عمليتي التأويل والتفعيل ترتبطان بالإمكانات المتاحة على مستوى النَّص، كما ترتبطان بطريقة وضع الدستور التي تعكس طبيعة ميزان القوى المؤثِّر في المسار الدستوري. ستبحث هذه الورقة السياق الذي أفرز الوثيقة الدستورية، وستتتبَّع طريقة إنتاجها، ليكون التساؤل الأساس موضوع المعالجة في هذه السطور هو: هل حدث فعلًا، على إثر “حركة 20 فبراير”، تغيير بنيوي في ميزان القوى أدى إلى منعطَف دستوري قطع فعلًا مع الجوهر غير الديمقراطي للدساتير السابقة، المتمثل أساسًا بهيمنة المؤسسة المَلَكية على مختلف المؤسَّسات، أم إن استمرار الاختلال في ميزان القوى جعل الأمر لا يعدو كونه تكيُّفًا ظرفيًّا لا يُغيِّر في الجوهر كثيرًا؟

لمقاربة هذا التساؤل، يمكن الانطلاق من فرضيتين متقابلتين: الأولى هي أن انتقال شرارة الربيع العربي إلى المغرب عن طريق “حركة 20 فبراير” أحدث فعلًا تغييرًا بنيويًّا في ميزان القوى، وأن ما حدث من تغيير، سواء على مستوى طريقة وضع الدستور أو على مستوى مضمونه، يُشكِّل انعكاسًا لذلك، وفي المقابل، فإن ما حدث من سلبيَّات أو تعثُّرات في مسار التعديلات الدستورية، لا يخرج عن كونه أخطاءً في التَّصرُّف، وليس نتيجة اختيار معيَّن. أمَّا الفرضية الثانية فهي أن “حركة 20 فبراير”، وإن كانت قد دفعت النظام السياسي إلى إحداث بعض التغييرات في التوازنات، فإنها لم تستطع، بالنظر إلى مستوى الحشد الشعبي واختيارات الفاعلين السياسيين، فرض الاستجابة لمطلبها في تحقيق دستور ديمقراطي: شكلًا، ومضمونًا؛ وبالتالي فإن ما حدث من تعديلات دستورية، لا يخرج عن إطار التَّكيُّف الظَّرفي المضبوط للمؤسسة المَلَكية، الذي تفرضه الظروف من حين لآخر، لتكون النتيجة تعديلات دستورية في إطار استمرار خصائص السُّموِّ والهيمنة والتحكُّم نفسها التي كانت تحظى بها المؤسَّسة المَلَكية في السابق.

يمكن الإعلان، منذ البداية، عن تبني هذه الفرضية الثانية، التي سنحاول التحقُّق منها باستعمال مفاهيم أساسية وفرعية؛ من قبيل: الدستور، والدستور الديمقراطي، والمؤسسة المَلَكية، والحزب السياسي، والتغيير البنيوي، والتغيير في التوازنات، والاستفتاء، وسيادة الشعب، وسيادة الأمة، والقانون المقارن… وذلك من خلال ثلاثة محاور كبرى؛ هي:

أولًا: مفارقات السياق العام لدستور فاتح تموز/ يوليو 2011.

ثانيًا: مظاهر إشراك في طريق غير ديمقراطي.

ثالثًا: النّص الدستوري في ميزان المعايير الديمقراطية.