بعد أن مرت موجة الربيع العربي الأولى بالمغرب (بسلام) وتنفس النظام المغربي الصعداء، وثب يرصع أركان هيبته التي كادت تطيح بها حركة 20 فبراير، وخرج منها مستلهما الحكمة الخادمة لهيمنته من جديد. فعمل النظام على بسط سيطرته و”هيمنته الحكيمة” على مجتمع مدني كاد يتفلت عن الحدود والخطوط المرسومة له بعناية، فتفتقت عبقرية المخزن عن سياسة تشاركية للاحتواء الشعبي، من خلال تنزيل وتفعيل المقتضيات الدستورية الرامية إلى تفعيل المجتمع المدني، من خلال إقرار قانونية العوارض الشعبية، الوطنية والمحلية، والملتمسات التي ستعمل على تقديمها جمعيات المجتمع المدني، لينتقل بذلك الاحتجاج الشعبي المتنامي، والذي تنبأت جهات عدة بإمكانية حدوثه ثانية بالمغرب، من الاحتجاج الشعبي الحر والعفوي إلى الاحتجاج المقنن، عبر الاشتغال في إطارات مجتمعية قانونية، تخول للمواطنين المطالبة بحقوقهم وانتظاراتهم عبر وسائل (حضارية) وديمقراطية.

قد نثمن هذه المبادرة في شكلها التقني التي تدفع بالمجتمع المدني وجمعياته إلى مزيد من المسؤولية العامة والتجاوب مع كل المبادرات الوطنية والمحلية… غير أن انعدام الثقة السائد في المجتمع والذي كرسه المخزن بنفسه وعن إصرار وترصد، والوقائع اليومية والانتكاسات المتتالية التي تبين على أن لا جديد ينتظر من حكومة تشتغل بنَفَسِ المخزن وحدود نظرته، يجعلنا نقر أن لما وراء شعارات الحوار الوطني حول المجتمع المدني والانتفاضة الفكرية التي استلهمتها الحكومة من خطاب الملك، هدفا وغرضا آخر.

ويمكن القول باختصار على أن عبقرية هذا المشروع وأبعاده المضمرة، تكمن في سياسة الاحتواء الممنهج للمشاريع الاحتجاجية المنظمة في إطارات جمعوية، والتي جاءت الفصول رقم 12، 13، 14، 15 من الدستور المغربي لتنظمها، ولتؤسس لثقافة الاحتجاج الشعبي عبر العوارض والملتمسات في إطارات جمعوية ومؤسساتية، تنخرط فيه الشرائح الشعبية المتضررة والمطالبة بحق من حقوقها لأجل الترافع أمام السلطات المعنية بغية تحقيق مطالبها، بحيث يضمن هذا الانتظام والتأطير للدولة سهولة معالجة إشكالية الاحتجاجات عن طريق الاستيعاب والاحتواء الذي يتقنه ويتفنن فيه المخزن الذي استطاع ترويض جزء من خبراء السياسة من الاشتراكيين، وجزء من نزهاء السياسة من الإسلاميين، وجعل منهم بين عشية وضحاها إطارات خادمة ومنافحة عن سياسات المخزن.

فلا ريب أن المهمة ستكون سهلة بالنسبة لجمعيات مدنية حديثة العهد بالممارسة والتنظيم، يُفتح أمامها بقصد كل أبواب التغرير والانتهازية من خلال الاستفادة من موارد الدولة المادية واللوجيستيكية، واكتشاف عوالم المنح والتمويلات والمشاريع الجمعوية التي تجعل من الجمعيات رهينة بين يدي الطمع في كعكة المنح وبين التوجس من فضح التقارير المالية والعثرات القانونية التي تتقن مؤسسات الدولة ترصدها وتوثيقها، إلى أن تغدو الجمعية والاحتجاجات الشعبية المؤطرة والقانونية شكلا من أشكال الديمقراطية، ورقما مهملا يضاف إلى مجموع مؤسسات المجتمع المدني الخادم لمشروع المخزن.