هذه المقولة 1 للإمام المجدد عبد السلام ياسين، رحمه الله ـ سنرجع إلى سياقها بعد حين ـ تفرض الوقوف عندها المرحلة التاريخية التي تقتضي درجة كبيرة من الوضوح على هذا المستوى من النظر لمستقبل حركة الإسلام بعد الذي تعيشه الانتفاضات العربية اليوم في مواجهتها للاستبداد الذي يعلم رواده وأهله قبل غيرهم أنه لم يعد ممكننا امتداده في مستقبل الأمة مطلقا، ولعل درجة الوعي المتنامي لدى شباب الأمة وكل فئاتها مع استعدادها الكافي للتضحيات أهم مؤشر على معالم مرحلة حاسمة في مسارها ومصيرها.

هل “نجحت” الثورة المضادة في مصر؟

بداية هل تعيش الانتفاضة العربية انتكاسة بعد شراسة الثورة المضادة في مصر وبعد حصار زحف الثوار في سوريا وبعد التعثرات في المسار التونسي واليمني…؟

لقد أخطأ الكثير حينما انفعل مع لحظة ثورية جزئية أسقطت رأس النظام السياسي ولم تسقط النظام، واعتبرها ثورة شاملة وما هي إلا غضب لحظة جعلت منه الإرادة الشعبية المشاركة صورة ثورية؛ علما أنه لا ثورة من دون قيادة ثورية ونظرية ثورية ترعى مراحل الزحف وترسخ معاني الصمود إلى الهدف.

لذلك ما يعيشه العالم العربي، بعد الثورة المضادة في مصر، ليس انتكاسة؛ بقدر ما هي عملية تصحيحية هائلة وضرورية لم تكن درجة الوعي السياسي السائدة تسمح بالإحاطة بمضمونها قبل قيام الانتفاضات الشعبية، بل حجم المعانات والشدائد حتم إدراك هذه الحقيقة، ولعل أكبر دليل على هذا أن ما سمي بالربيع العربي لم يكن نتيجة تصعيد فعالية الحركة المجتمعية من خلال حراك قيادة تاريخية، بل إن جل القيادات المعارضة التحقت بعد انطلاق هذا “الربيع” من خلال مبادرات شبابية غاضبة على الظلم. لذلك فأن تتحول “جماعة الإخوان المسلمون” من تنظيم إصلاحي النزعة إلى ثوري الإرادة حدث جوهري في تاريخ الأمة، بل أكثر من ذلك أن يصبح خطاب القيادة متوفرا على هامش جديد وكبير لاستيعاب باقي الفرقاء مهما كان حجمهم يعتبر مكسبا تاريخيا لحركة الإسلام ومطلب الحرية للشعب. علما أنه قد تحدث لحظة تاريخية يكون من الواجب على قوة معينة أن تنهض لإنجاز مهمة الثورة ثم ترعى المراحل الانتقالية وفق ضوابط ومعايير ثورية شورية جامعة.

ما يهمنا هنا أن الحركة الإسلامية بما هي أكبر قوة مؤطرة للحراك المجتمعي في كل أبعاده لم تستطع أن تدير علاقتها مع الحكم من خلال موقع المعارضة وحتى من بعد وجودها فيه بشكل ناجع ـ علما أن الحكم ليس هو موضوعها الكلي وإن كان وسيلة بالغة الأهمية ومصيرية ـ من خلال نظرية ثورية متكاملة نرى اليوم أن بعد مذابح رابعة والنهضة وباقي الميادين وطيلة ستة أشهر استطاع العقل المصري السياسي ومنه الإخواني أن يفكر من خلال تصور ثوري وفق مراحل وأدوات مدروسة مبنية على معنى السلمية القوية التي تضمن قوتها من خلال ما سمي في الثورة الإيرانية بـ”استراتيجية الإغراق”؛ أي حشود كبيرة تغطي الشوارع بما لا يترك أي معنى لبطش العسكر والشرطة حيث الجموع بصدورها العارية تقف أمام الدبابات وفق تكتيكات استنزافية منهكة سلمية تقلل ما أمكن من الخسائر في الأرواح.

هنا يبرز الدرس الإيراني بين يدي ما عاشته وتعيشه تجارب الحركات الإسلامية في العالم العربي؛ سواء من جهة منهجها في التغيير والإصلاح أو من جهة تبنيها للتفكير الثوري الشامل في معالجة مخلفات الاستبداد والفساد وتجذره في بنيات النفس والمجتمع ومؤسسات الدولة.

وقبل أن نقف على سياق ومضمون كلمة الإمام عبد السلام ياسين، يقتضي المقام تقرير ما يلي: إن عظمة الثورة المصرية اليوم، مهما كانت انتقامية الثورة المضادة، تتجلى في كونها جاءت بعد عملية التصحيح المشار إليها أعلاه فأنجزت ثلاث مهام تاريخية، وهي الآن أمام الاستمرار القوي لإنجاز مقتضياتها التفصيلية، أما المهام التاريخية المصيرية فهي:

أ. إنهاء نظرية الحكم الوراثي، وهو مدخل مهم لإنجاز تغيير جذري في الفكر والتفكير السياسيين لدى المسلمين والعرب.

ب. إنهاء نظرية حكم المستولي بالسيف، وهو مدخل هام لإنجاز تغيير جذري في الفكر الاجتهادي الأصولي والمقاصدي.

ج. إنهاء نظرية الانقلاب العسكري للوصول إلى الحكم والاستقرار فيه، والحكم من خلال القبضة الأمنية والعقلية العسكرية، وهو مدخل هام لإنجاز واقع الحرية الحقيقية في حياة المجتمعات العربية والإسلامية.

وهو ما سيفتح أفقا جديدا لمعنى الحرية في الوطن العربي عموما.

مستقبل الإسلام رهين باستيعاب الدرس الإيراني

الدرس الإيراني مع ثورة الإمام الخميني غني سواء من جهة معانيه السلبية أو معانيه الإيجابية، وهي كثيرة جدا، وقد خص الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تجربة إيران ببحوث هامة استشعارا منه بالقيمة التاريخية لحدث الثورة الإيرانية، لكن ما يهمنا هنا المقصود من المقولة عنوان هذا المقال نظرا لمناسبة الحدث التاريخي حيث تلتحم إرادة الشعب مع إرادة القيادة في لحظة تاريخية حاسمة تحتاج إلى عميق نظر وتبصر ومبادرة اقتحامية قوية.

المقولة وردت ضمن الباب الثامن من أبواب الجهاد ضمن كتاب “المنهاج النبوي” هو: جهاد التنفيذ، الذي عرض فيه ثلاثة خطوط سياسية لإنجاز مهمة التغيير السياسي. وسنلاحظ أن الرجل تميز بمنهج دقيق في عرضه لهذه الخطوط، دون أن يعتبرها الحصرية في الباب، مع إشاراته الواضحة للترجيح.

نعرض الخطوط الثلاثة كما عرضها وناقشها الإمام ثم نعرج على علاقة مستقبل الإسلام باستيعاب الدرس الإيراني.

الخط الأول: الدخول في تعددية الأحزاب، والترشيح للانتخابات

وما يقتضي هذا من علنية العمل، والمرونة الدائمة، وطول النفس 2 .

وهناك ثلاث مزايا للدخول في التعددية الحزبية كلما سمحت بذلك الفرص الحقيقية.

الأولى: إن خرق جدران الحصار، الإرهابي منه والقانوني، تحت أنظمة تعلن أنها ديمقراطية، وأن نظامها مبني على الحريات العامة، لا يتأتى لنا ونحن في فترة الإعداد إلا بالدخول في المعمعة التعددية والانتخابية).

الثانية: قبولنا المشاركة في «اللعبة الديمقراطية» من شأنه أن يكشف زيف الدعوى الديمقراطية. وهذا ما حدث في تونس لما قام إخواننا هناك بإعلان نيتهم الدخول في المعركة الانتخابية وطالبوا بحقهم في تكوين حزب). وهو ما حصل في الجزائر وغيرها وما نعيشه في مصر اليوم.

الثالثة: هي مزاحمة غيرنا على كسب الرأي العام، والاستفادة من التسهيلات الرسمية في التحرك. هي مزية التضييق على الإسلام الرسمي وإسلام الأحزاب السياسية التي أصبحت ترفع شعارات الإسلام أعلى فأعلى منذ تيقن العالم، وببرهان إيران وأفغانستان (يقصد انتصارات المجاهدين ضد الغزو الروسي)، أن القومة الإسلامية هي حقيقة المستقبل، وعربونها الصحوة الإسلامية الصاعدة).

وقد قام باستدلال علمي على هذا تلاه باختصار عرضه للخط الثاني الذي لم يقبله نهائيا.

الخط الثاني: خط التميز والقوة، والتمرد، والرفض

ولا نرى للتنظيم العنيف المعتمد على الاغتيال السياسي مبررا ولا مستقبلا. إن هي إلا هزات هذا الكائن المترعرع في حضن تاريخ التجديد، يبحث عن متنفس، وعن وسيلة تعبير عن حيويته) 3 .

الخط الثالث: خط التنفيذ

ويعتبره الإمام نضج الخط الأول وبلوغه الكمال، وهو خط التنفيذ بالقوة بعد أن يتم الإعداد) 4 . والإعداد هو مضمون الخط الأول.

هنا نرجع إلى عنوان المقال بعد أن نؤكد أن كثيرا من الباحثين لم يقفوا بموضوعية على خط الإمام في تحقيق التغيير السياسي حيث خاض في كل تفاصيل مقاومة الاستبداد ومصادره وقرر قواعد هامة ستجعل من تجربة العدل والإحسان نموذجية في الباب، لذلك عند حديثه عن الخط الأول ضرب مثالا بالإمام حسن البنا، وبفكر المودودي، رحمهما الله، أما في مرحلة التنفيذ فقد وجد نفسه أمام تجربة الإمام الخميني لأنه قاد عملية التنفيذ في إبانها، حيث كانت قوة الحركة قد استكملت الإعداد، وكان لها من الحجم والتغلغل في الشعب ما ضمن لها النصر.

أورد الإمام ملخصا مركزا لمراحل الدرس الإيراني نعرضه على طوله نظرا لكونه مركزا بشكل لا يسمح بمزيد اختصاره حتى ندرك سياق المقولة موضوعنا، فمنذ سنة 1906 ميلادية استطاع علماء المسلمين في إيران فرض دستور يحد من تسلط الملكية. كان وراءهم تاريخ مجيد من مقاومة العلماء للحكام. فكان الدستور تتويجا مرحليا لذلك التاريخ.)قبل العلماء تقييد الحكم اللاشرعي بالدستور لأنه خطوة.)وخطوة ثانية حين تحالف آية الله الكاشاني مع مصدق في القضية الوطنية قضية تحرير البلاد من احتكارات النفط الأجنبية.)فلما فشل مصدق وخر بناؤه أمام كيد أمريكا ومؤامراتها، تيقن الشعب بفئاته أن الإسلام وحده يملك العمق في الشعب الكفيل ببعث الثورة وتوجيهها، وتسليحها، وقيادتها للنصر.)وهكذا كان. وما عبقرية الإمام الخميني إلا العامل القيادي الذي حقق عطاء الطاقات الإيمانية، ورفعها إلى ذروة الفاعلية. والله عز وجل من وراء الكل محيط.)نرى أن مستقبل الإسلام رهين باستيعابنا لدرس إيران.)كان للعلماء هناك حرمة تقليدية، وكان لهم استقلال مالي، وكان لهم وجود فعلي كثيف في المساجد والحسينيات (وهي المساجد الصغيرة في الأحياء والقرى) وكان لهم أهم شيء حرمة وتعظيم في الشعب.)ثم إن توفيق الله لإخوتنا الشيعة أن ربطوا غضب الشعب بمثال حي هو مثال الإمام الحسين عليه السلام الذي غضب على حكم يزيد الفاسد، وعرفوا كيف يعرضون قضية الإسلام الآن على شاشة الحساسية الشيعية لمأساة كربلاء.)وكان من توفيق الله -خاصة بعد القومة- أن قبض العلماء على مسار الحركة من عروتها الوثيقة، ألا وهي انحيازهم إلى جانب المستضعفين. وهذا ما أمر الله به وما فعله رسوله صلى الله عليه وسلم.)ما أحوج الدعاة أن تكون لهم حرمة وتعظيم في عين الشعب! خاصة وعلماء القصور خدام الخونة أفسدوا علينا ديننا.)ما أحوج الدعاة للاستقلال المالي!)ما أحوجهم للنزول إلى الشعب ومخاطبته وكسبه!)ما أحوجهم إلى ربط الجهاد في سبيل الله بالجهاد في سبيل المستضعفين، قولا وسلوكا، وارتباطا أخويا صادقاً!) 5 .

الإعداد الواضح والقاصد الذي يستثمر كل إمكانيات التواصل الصادق، دون السقوط في فخ الاحتواء والتدجين، إعداد للقوة المجتمعية ومحاصرة لكل وسائل تقويض مشروع التغيير السياسية والقانونية وغيرها، مع النفس الطويل، لكن ليس إلى أفق مضبب وغامض، بل لا بد من السهر على نضج المراحل التي تتوج بمرحلة التنفيذ الشعبي المسؤول، ولا شك أن من وراء ذلك تاريخا من العمل الدءوب.

هنا يكون الدرس الإيراني بليغا حيث استطاعت فيه القيادة أن ترتقي بالإرادة الشعبية عبر مراحل إلى ذروة الفعالية بما لا يفتح مناسبات الانفلات مع تحقق بناء القوة المجتمعية الواعية ضمن قيادة عالمة صامدة وثابتة.

ولا يخفى أن الثورة، وبما أن القيادة عُلمائية، رعتها اجتهادات علمية تتعلق بتجديد بناء نمط التفكير، لذلك كان الخميني واعيا بأن “نظرية ولاية الفقيه” ستكون الرافعة العلمية التي تنقل الفقيه العامل من واقع الهامش تجاه قضية الحكم إلى موقع المطالبة الشرعية الواجبة به وإقامته في غيبة الإمام.

كما لا ننسى هنا أن ضيق نظرية ولاية الفقيه لم يفتح بابا كبيرا لاستيعاب كثير من التحولات المجتمعية في إيران، وهذا ليس موضوع مقالنا هنا، إذ غالب ما ستواجهه إيران في هذا المستوى إنما مرده إلى ضيق النظرية التي كانت وسيلة فعالة في تعبئة فئة العلماء وطلاب الحوزات للمطالبة المباشرة بالحكم للشعب، إذ انتقال الفقيه من موقع المرجع الفقهي إلى موقع المرجع لحركة الأمة سيختزل حركة المجتمع في بنية الفقيه، لذلك نجد الإمام عبد السلام ياسين أبدع نظرية أكثر عمقا وشمولا وهي نظرية “الدعوة والدولة” حيث الفقيه فيها رجل دولة بما هو راع للأسئلة الفقهية اليومية المستجدة، في حين أن الدعوة كمؤسسة مجتمعية هي ومؤسسات الدولة الساهرة على التدبير اليومي للشأن العام تكونان الجماعة قطب حركة المجتمع.

إلا أن الدرس الإيراني مع ثورة الخميني، رحمه الله، جدير بالتأمل والاستفادة، إذ ما يهمنا هنا أن واجب القيادة رعاية الثورة وعمقها المصيري مع تفعيل توتر الفعالية واستيعاب الشباب وإبداعاته الميدانية بما ينسجم وخط الثورة القوي السلمي والحفاظ على سمو الأهداف والحوافز تجنبا للانهيار الشامل الذي يتمناه العدو الداخلي والخارجي.

إن ما يحدث في مصر اليوم ليس أمرا يتعلق بتكتيكات ثورية جزئية على الميدان يجب إحكامها فقط، وإنما عملية تاريخية ممتدة في المستقبل من خلال رجوع الفكر السياسي الإسلامي إلى معنى الاختيار القوي في بناء استراتيجيات التغيير والإصلاح، لذلك كانت هذه مناسبة لتصحيح العلاقة الحركية والتنظيمية بين القيادة التاريخية وبين فئات الشباب وقطاعات المجتمع، ربما كانت هذه العملية متأخرة كثيرا مما سيفتح مجالات للثورة المضادة التي ستحرص على الانتقام السريع والشامل، لكن من المؤكد أن إرادة الشعوب لا تقهر، إذ حينما ترقى القيادة بالحركة العامة حتى يلتقي عالم الشهادة بعالم الغيب في التجربة الإسلامية ساعتها النصر الكبير والفتح المبين على الأمة والإنسانية. لذلك لا أَمَلُّ من دعوة الناس للوقوف على اجتهادات الإمام عبد السلام ياسين لأنها معاجلة عميقة ورصينة وشاملة ومتكاملة وبصيرة لواقع الأمة ومراحل حركتها في الماضي والحاضر والمستقبل.

كما أريد التأكيد هنا على أن الفكر التغييري خلال السنوات الأخيرة تعرض لهجوم كاسح يدعوه إلى التخلص من “نظرية المؤامرة”، وهي خدعة كبيرة، إذ جميع الأحداث تؤكد أننا نتعرض لمؤامرات علنية وخفية تروم الحفاظ على التبعية والخضوع.


[1] المنهاج النبوي، ص: 419.\
[2] المنهاج النبوي، ص: 412.\
[3] المنهاج النبوي، ص: 418.\
[4] المنهاج النبوي، ص: 418.\
[5] المنهاج النبوي، ص: 420.\