قال الباحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري الأستاذ خالد العسري، في تدوينة له على صفحته في الفيسبوك، بأن توصل فرقاء الجمهورية التونسية إثر توافق واسع إلى دستور الثورة)، توافق تاريخي حول الوثيقة الدستورية التي طال الجدل حول فصولها)، وهو حدث ليس بالسهل لأن الثورات الناجحة هي التي يمكنها أن تخرج بوثيقة دستورية تحوز موافقة الغالبية العظمى من الشعب).

وقد صدق المجلس الوطني التأسيسي في تونس على دستور جديد للبلاد يوم الأحد المنصرم، وهو الأول منذ ثورة الياسمين التي أطاحت بالرئيس السابق زين العابدين بن علي قبل ثلاث سنوات. وحظي الدستور الجديد بتأييد 200 من نواب الجمعية الـ 216.

وتبرز أهمية الوثيقة التونسية، حسب العسري وهو أحد رموز جماعة العدل والإحسان، من خلال ما أسماه سياق ولادة، وآلية تدبير).

أما عن سياق ولادة دستور الجمهورية التونسية فيقول بأنه يتعلق بالمتغيرات الدرامية التي يعرفها مسار دول ثورات الربيع العربي، وهي أحداث جسام غايتها النهائية استبدال الشعوب العربية شعار “الشعب يريد حرية، وكرامة وعدالة اجتماعية” بشعار “الشعب يريد الاستقرار فقط”، وهو الشعار الأثير لدى أنظمة الاستبداد التي طالما رددت “نحن أو الفوضى” الذي قايضوا به تاريخيا -وما يزالون- بين مفهوم الشرعية ومفهوم الاستقرار).

أما آليات تدبير المرحلة الانتقالية في تونس فحبلى بالدروس، حسب صاحب كتاب التربية والشورى والأسئلة الحرجة)، فالنخب السياسية في تونس كانت أكثر حكمة، لعلمها أن أيما فشل في تحقيق التوافق بينها ينتج عنه تصدير الانقسام إلى الشارع، وهو ما يثمر نتائج كارثية. لذلك كانت التسويات في اتجاهات ثلاث: اتجاه فكراني/ إيديولوجي: من خلال صياغة الدستور بنفس “الديمقراطية التشاركية” التي تبتغي التوافق حتى مع التيارات التي لم تسعفها صناديق الاقتراع، ولذلك كان الترحيب به متقاسما بين من في السلطة ومن في المعارضة”. أما اتجاه الثاني فهو “شراكة التدبير الحكومي: وهو ما كان عنوانه البارز تقاسم رئاسة الدولة والحكومة والمجلس التأسيسي بين ثلاث تيارات متباينة”، والثالث “اتجاه التدبير الإجرائي للمسلسل السياسي: ويعنى به أساسا مسار الانتخابات، وقد أبانت حركة النهضة حرصها على المصلحة الوطنية من خلال تنازلها عن رئاسة الحكومة لشخصية مستقلة كانت محط اتفاق).

وفي محاولة لتأسيس اللحظة الراهنة رأى بأنه نتيجة توافقات تاريخية سابقة على الثورة بين مختلف التيارات المتباينة). ومضى العسري يوضح بأن التيارات المتباينة في بلد الزيتونة جمعتها معركة “الأمعاء الخاوية” التي تمثلت في إضراب عن الطعام اشتركت فيه مختلف الأطياف السياسية في عهد بن علي سيىء السمعة، وتطورت إلى حركة 18 أكتوبر التي صاغت بعد حوارات ماراطونية وثيقة تحدد التصور لمستقبل الدولة ما بعد إسقاط الاستبداد، وقد صدرت الوثيقة في دجنبر سنة 2009، أي سنة واحدة قبل انطلاق الثورة التونسية، وهي وثيقة تم تفعيلها ما بعد رحيل بن علي بامتياز)، وخلص إلى أن هذا هو الدرس الأبلغ لمختلف القوى السياسية في المحيط الإقليمي لتونس التي تحلم بغد أفضل يسع فضاءه الجميع).