قصة قصيرة: مهداة إلى منقذ البشرية محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

مرت برهة من الوقت وهو ينظر إليها تائها في خضم أفكاره. كمن توقف به الزمن لفترة وجيزة أو كمن أصيب بموت سريري للحظة معينة؛ لكن المؤكد أن العمق النفسي يعمل وبالسرعة النهائية القصوى. تذكر البحر وهدوء سطحه واضطراب أمواجه وتياراته في العمق، وتذكر ما درسه في الكلية عن عالم البحار والمحيطات ومخلوقاته ووحوشه، تبسم من قلبه بمرارة تماما كمن تذكر شيئا فاته. أو كمن هاجت به الذكريات إلى عوالم لا يريد استرجاعها. فالأكيد أن فترة الكلية في بلداننا المتخلفة -في جانبها القاتم وهو الأغلب وللأسف- تترك في النفس شروخا ومتاهات يستحسن تجاوزها والقفز عليها، بل بشكل أدق التعايش معها..

أجال بصره حوله ليتأكد إذا ما زال وحده في المشهد أم أن أحدا ما استجد.. فلقد كانت تلك البرهة التي تطول أحيانا لساعات أحد خصوصياته التي دأب على التمتع بها وحده.

رجع إلى النظر إليها مرة أخرى.. ضحك ضحكة عريضة لتذكره حديث: النظرة الأولى لك والثانية عليك. قبل أن يثبت عينيه عليها بشكل آلي كعادة رهبان الشاولين أو أباطرة اليوغا.

وفجأة اعترته رعشة وأحس في جسمه ألما كذاك الناتج عن وخز الإبر أو النحل، حك جوانبه وهز كتفيه ليتجاوز آلام الذكرى واللحظة. تذكر نفسه وهو ساقط إلى الأرض أيام كان يافعا وقد تجاوز العشر سنين بقليل. استحضر أيضا وزنه وخوفه الزائدين عند أول وآخر -لحد الساعة- محاولة لتسلق أقدم وأطول نخلة… تلك التي وقف الآن يتأمل امتدادها وشموخها وعلوها وإغراءها.. تماما كما استرجع بخيبة فائقة ثقته وخبرته الناقصتين ودعم أقرانه وتفاعلهم الباهت الشامت…

لم ينتزعه من تأمله ذاك إلا حبة بلح طرية ناضجة حاورها عصفور ما فسقطت على رأسه.. التصق بعضها بشعر رأسه فعالجها قدر الإمكان وفحصها بعينيه قبل أن يقذفها بين فكيه الجائعين وأضراسه القوية. امتزجت بلعابه ووجد لها حلاوة خاصة تماما كما يجد كل حاكم فاسد لذة لغرور الأنا المستعلي ولإغواء السلطة المستكبرة.. تنهد بعمق وقلَب رأسه في الاتجاهين كمن يستبدل صفحة بأخرى أو كمن يعوض معنى بضده. وابتسم بسمة راضية مطمئنة لرمزية التمر في الأفراح والأعراس والمناسبات. ولحضور النخلة المركزي في حياة قبيلته وفي حياة كل مولود جديد؛ رغم أنها تكون في كثير من الأحيان مأوى لكثير من الهوام والطفيليات ومصدرا للحرائق المهولة بنفس القدر الذي تشكل فيه سببا للنزاع والاقتتال بين بني جنسه وقومه، وتخيل نفسه عندما حنكه أبوه بالتمر عملا بسنة المصطفى عليه الصلاة والسلام. كيف كان شكله؟؟ كيف كان حجمه؟؟ ما الإحساس الذي ولده لديه حينئذ طعم التمر اللذيذ، ومرت بذاكرته كالطيف الجميل عبارات والده التي دأبت الأسرة على إسماعها إياه في ليالي السمر والأفراح وهو يصف بكثير من الدعابة واللطف شكل شفتيه عندما حنكه وحركات يديه الصغيرتين الطريتين التي كانت تعبر عن الرغبة الملحة في المزيد من التمر… وعن التشبث بمصدر اللذة.

دفعته هذه الفكرة أيضا وبسلاسة -والأجواء عطرة بذكرى المولد النبوي الشريف- إلى تمثل دور النخلة في حياة ودعوة ومسيرة وجهاد النبي عليه الصلاة والسلام. أو ليس من بين أول ما كُتِبَ عليه الوحي سعف وجريد النخل؟ أو ليس النخل أبرز ما بني به أول مسجد في الإسلام؟؟ أولم تبن أول غرفة عمليات [العريش] في جهاد النبي الأكرم من جريد النخل؟؟ أوليس النخل وثمره حاضرا بقوة في نصوص القرآن الكريم والسنة الشريفة وحياة النبي العظيم؟؟

بل ألم يكن جذع النخل -كأول منبر لرسول الله- أعرقَ منبر لقيم الدين الحق والعلم والحكمة والتعايش والتواضع؛ ومحاربة الغش والاحتكار والاستفراد والاستغلال والإفساد والريع؛ والانحياز بدل ذلك كله لجانب الضعفاء والمحرومين وخدمتهم. بصدق وبإخلاص متجردين وبدون مزايدات انتخابية، مصلحية، أو انتهازية سلطوية: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرً‌ا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّـهِ لَا نُرِ‌يدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورً‌ا إِنَّا نَخَافُ مِن رَّ‌بِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِ‌يرً‌ا. (الإنسان 8-10)..

أو ليس بين الدين الإسلامي والنخلة قواسم مشتركة من مثل القوة الهادئة المتجذرة المضادة للأعاصير، والصمود أمام الجفاف والتصحر، والنفع العميم للخلق، جميع الخلق، والشموخ، ودلالات السمو والرقي والارتباط بالسماء…

انتفض متفاجئا من على كرسيه المتحرك على وقع رنات الهاتف المحمول. نعم لم يكن راغبا بعد في إنهاء لذة التأمل هذه والمونولوج الداخلي هذا الذي طالما شكل له جسرا لعبور واقع الإعاقة إلى فسحة الأمل والراحة النفسية كأحد أهم عناصر الشفاء كما أوصاه بذلك طبيبه النفسي كما الطبيب الخاص بالترويض. والذي هاتفه والده ليذكره بموعديهما بعد أن تأخر عن موعد الانطلاق.. حيث ما زالت تنتظرهما مسافة طويلة ليقطعاها قبل الوصول…

استجمع قواه، وألقى نظرة الوداع الواثقة على النخلة في أمل لقاء قريب. وارتسم على وجهه تعبير الاستغراب والحيرة المُقَنَّعَة: فما أعقد الظاهرة الانسانية؟

أن يكون سبب الداء هو هو نفسه مصدر الدواء!؟؟

أن يكون سبب الإعاقة هو هو عينه وسيلة العبور!؟؟

داس على زر كرسيه المتحرك حتى لا يتأخر على والده، وعرجت خواطره على أطلال وبقايا درس السلطة والغير من مادة الفلسفة. في ذهنه.. لم تفارقه بعد نبرة الاستغراب والحيرة من كون السلطة مبدئيا ضرورية لتنظيم حياة الناس والتوافق العقلاني على التداول التشاركي والتعادلي للامتيازات والمصالح وراس المال وأدوات الإنتاج.. في نفس الوقت الذي تُشَكِّل فيه عمليا مصدر تشويش وصراع، ومبررا لاستقواء الأقلية على الأغلبية الصامتة؛ وآلة لقمع الحريات والحقوق وللتجهيل والتفقير ولإرهاب الدولة.. حك رأسه بشدة تحت وقع هذا الإشكال المعقد!

… وهو في الطريق نحو المصحة، تأثر بشدة لسماع نبأ على مذياع السيارة لأحد الوكالات الأجنبية؛ مفاده أن مجموعة من الأساتذة المقصيين من الترقية يخوضون إضرابا بالرباط. وأنه تمت مواجهتهم بأصناف من القمع والتنكيل والتهميش والحرب النفسية.. ولفت انتباهه أكثر تركيز التقرير الاخباري على تصريحات بعض ”المسؤولين” والمحسوبين على التيار الاسلامي -كما يؤكد التقرير- من قبيل ”الأساتذة المتجولون بالرباط”.. أدار زر المذياع على الإذاعات الوطنية واحدة تلو الأخرى لكنه وعوض أدنى تغطية للخبر لم يجد إلا سيلا من الأغاني ووصفات الطبخ والتجميل!!!

تساءل في خاطره دون انتظار أو رغبة في الجواب: أهكذا تتعامل أمة متخلفة مع مهندسي وسائقي قاطرة التنمية؟؟

وكيف يتحول البعض ب 180° من الوعود الانتخابية البراقة الحالمة والمخَدِّرة إلى القيود الاستقرارية اللاذعة بعد التسمية في المنصب؟؟

اندفع إلى الأمام تحت تأثير فرامل السيارة.. لتتوقف أفكاره في ذاك الاتجاه بالتزامن مع توقف السيارة. تلقفته المصحة بمستنقع آخر من الهواجس والأفكار والتخوفات. على إيقاع الإعداد لعملية أرادها الأطباء مستعجَلة وأجلها هو مرة ومرات بحجة الاستعداد النفسي والمادي والبدني واستكمال الشروط الموضوعية لنجاح العملية. “مائة تخميمة وتخميمة ولا ضربة بالموس” هكذا قال لنفسه وبسمة الرضا والثقة تعلو مُحَيَّاه..

بعد انتهاء حصة الترويض عاد إلى بيته ليجد في استقباله عند عتبة البيت وكالعادة أمه بحضنها الجاهز الدافئ وببسمتها العريضة الحانية وكأنه مهاجر عاد لتوه من غيبة طويلة.

جلس معها هنيهة يحكي لها مجريات الفحص والترويض ومستقبل العملية. وطمأنها على حاله مؤكدا لها أن الطبيب أخبره أن وضعه الصحي في تحسن مستمر. ثم عقب ذلك وبعد تناول وجبة العشاء واستعمال الدواء استسلم لنوم عميق.

وفي الصباح الباكر قام وصلى الصبح وبعد تناول حبات تمر مع “زليفات” من الحساء الشهي الذي اعتادت أمه أن تصنعه بيديها، توجه إلى المروج ليستقر به المقام في النهاية في محرابه المفضل قرب بل أمام النخلة الشاهقة؛ جليسه الصامت ومصدر إلهامه.

ابتعد منها مرات واقترب. وغير في مناسبات عدة زوايا النظر: ألقى ببصره إلى الأرض في حركة لا إرادية حول جذع النخلة فأبصر ركاما من التمر التالف مما عسفته أقدام الدواب والبشر ومما نقره الطير وشوهه ثم ابتعد أكثر ليرفع بصره إلى أعلى النخلة: حيث العروش الممتلئة والنَّضِرَة والشهية. أفاق من هول هذه المقارنة ليخلص منها إلى فوارق أكثر. حملق بجد أكبر وهو ينتشي بهذا البعد الجديد الذي اكتشفه. نظر إلى ساق النخلة وجذعها الطويل المهترئ فوجده يابسا متموجا وكأن نتوءاته وجه شيخ طاعن في السن أنهكته تجاعيده وأشرف على الموت؛ وقد يكون عربونا على مفارقة الحياة له من أمد بعيد. ثم رفع مجال الرؤية إلى الأعلى ليجد كل معاني الحياة وخصائصها: من شباب وفتوة وخضرة وثمار واهتمام رواد الفضاء وأطياره. تساءل مع نفسه مندهشا ما هذا التفاوت الكبير؟؟ ما هذا التناقض الصارخ بين أسفل النخلة وأعلاها؟؟ ما هذه الفوارق في التوزيع؟؟

.. لم يوقِفْ هذا السيلَ الجارفَ من الأسئلة الاستنكارية إلا خشخشة غير عادية على الأرض؛ رمق بناظريه إلى مصدر الصوت فإذا بمجموعة من ”عفاريت” السناجب تتسلق النخلة بكل رشاقة وهمة حتى إذا بلغت الثمار في الأعلى أهوى بعضها ببعض ورمى به إلى الأرض لينفرد بالكعكة وحده؛ وإذا بالطيور تتقاتل في الهواء ويمنع بعضها بعضا عن الوصول إلى الطعام: تساءل من جديد ما هذه الأنانية ولم كل هذه الانتهازية وعلى ماذا كل هذا الصراع وما ينتجه من ضحايا؟؟

ولماذا يفضل البعض العيش على الفتات في الأسفل؟؟ ولماذا كل هذا الحرمان لمن لا يستطيع تسلق النخلة؟ ولماذا تفضل الأغلبية الصمت الهامش والاستقالة غير المشروطة من التمسك بالحق ومن المطالبة بالعيش الكريم؟ ومن ممارسة حقها الطبيعي والمشروع في الحياة والمساواة والحرية والتعايش المشترك؟

ظن للحظة -وبحكم تخصصه- أن المشكل تقني محض. وأدار في مخيلته أنه لو استطاع المهندسون الزراعيون البحث عن نظام زراعي بديل يتيح للجميع الاستفادة من النخل وتقريب التمر من المواطنين عبر إنتاج جيل جديد وفصيلة مهجنة من النخل تتمدد على الأرض تماما كالتوت الأرضي بدل الارتقاء في الأجواء والتمنع في الأعالي لحلت المشكلة بكاملها.

لكن صوت ارتطام طائر بالأرض. وما تبعه من دوي اصطدام سنجاب مسكين ونواحه وعويله وهو تلتهمه ”التماسيح”.. كل ذلك أعاد إلى صاحبنا الذاكرة والتمييز. وجعله يستنتج السبب الحقيقي والمباشر للأزمة ألا وهو طبائع الاستبداد والصراع اللامتكافىء وأمراض النفس من جشع وطمع وأنانية…

ليس العيب إذن في الموارد ولا في الإمكانيات بل ولا حتى في الإعاقة بل المشكل الأساس في المتصرف ذاته في تلك الموارد من حيث الإرادة في التغيير أو عدمها، ومن حيث محبة الخير للغير أو فقدانها، ومن حيث النزاهة والصدق من عدمه..

صرخ بملء فيه وعانق جذع النخلة بكل ما أوتي من قوة كأنه يشكرها على كل هذه الإيحاءات.

على الأقل اكتشف الحلقة المفقودة ونقطة الانطلاق الضرورية: ألم يبدأ النبي محمد صلى الله عليه وسلم يتيما ثم صادقا أمينا ثم قائدا لأكبر دولة تحررية في تاريخ البشرية أساسها المساواة والعدل.. كل ذلك في وقت قياسي؟؟! ولم يعقه لا يتمه ولا ضغوط الفساد عن بناء ذلك النموذج الرائع. والذي كان من أحد مخرجاته على سبيل المثال لا الحصر عمر بن الخطاب رضي الهض عنه الرمز الفذ الذي يتغنى القاصي والداني بعدله ورشاد حكمه.

عاد صاحبنا إلى بيته الأصيل، ولعل الأصح أنه عاد إلى نفسه وخلص إلى أن أفضل احتفال بالمولد النبوي الشريف هو إعادة قراءة السيرة بأبعادها الحقيقية والالتزام الكامل بنهج النبي المصطفى والاقتداء التام به في كل شأن من شؤونه الخاصة والعامة وتعبئة الناس على ذلك: الصعوبات جمة، والمسار طويل، لكنه ما دام على خطى الحبيب فالنجاح مضمون أكيد، نعم: مضمون أكيد ولو بعد حين وجيل. هكذا قال لنفسه وهو يودع محرابه إلى ميدان العمل والبناء.

أحباب المصطفى وأتباع الرسول. أينما وُجِدتم؛ كلَّ مولود وأنتم بألف ألف خير وعزم.