ذات صباح، وبعد أن ركن الحاج إبراهيم سيارته، وبينما هو متوجه إلى متجره بشارع تمارة بالرباط، إذا به يصادف في الطريق السي أحمد الملاخ، الذي التقاه وتعرف عليه عند أحد معارفه بمراكش، وقد كان آنذاك حديث عهد باعتناق الحرية، بعد أن قضى قرابة سنة ونصف معتقلا، مقيد اليدين ومعصوب العينين، في المعتقل السري الرهيب بدرب مولاي الشريف بالدار البيضاء ، وهو أستاذ بالمركز الجهوي لتكوين الأساتذة بمراكش، وقد كان ثاني اثنين شاركا الأستاذ عبد السلام ياسين في طبع رسالته الشهيرة إلى الملك الحسن الثاني المعنونة بـ”الإسلام أو الطوفان” وتوزيعها .

بعد العناق والسلام ها هو يدعوه ليجالسه في متجره -المختص ببيع قطع غيار السيارات- هنيهة ويحتسيا معا قهوة الصباح. وبما أن السي أحمد كان قد وصل لتوه من مراكش، ولغرض آخر في نفسه، فقد قبل الدعوة شاكرا صاحبها، وجلسا يتجاذبان أطراف الحديث. سأل الحاج إبراهيم ضيفه عن السي عبد السلام ياسين، وهل ما زال في الاعتقال، فأخبره أنه أفرج عنه سنتين بعد الإفراج عن شريكيه في رسالة الإسلام أو الطوفان.

– حمدا لله على إطلاق سراحه وهنيئا له الحرية. وما أخبار صحته؟

– الحمد لله، في تحسن، فلقد كانت ظروف الاعتقال في مشفى الأمراض العقلية ثم بعد ذلك في مشفى الأمراض الصدرية صعبة للغاية، ولولا ما من الله عليه به من قوة اليقين وحسن التسليم لأقدار رب العالمين، لما استطاع الصمود طيلة هذه السنين.

– وكيف هي معنوياته؟ … وما هي مشاريعه؟

– أما معنوياته فلم ينل منها التعسف والاعتقال ولو مثقال حبة خرذل، وأما مشاريعه، فهي سبب وجودي هنا في الرباط، ولعلي أجد عندك عونا.

– أفصح وأَبِنْ، وإن احتجت إلى مساعدة، وكان بإمكاني مد يد العون، فسأكون سعيدا لو أتيح لي أن أقدم شيئا للأستاذ ياسين. فلقد قرأت رسالة الإسلام أو الطوفان وأحسست الصدق والإخلاص ينبعان من كل كلمة من كلماتها، وأكبرت الرجل، إنه كان بحق للملك ناصحا أمينا…

– لقد عقدنا العزم على إخراج مجلة نريدها بعون الله أن تكون مجلة العاملين للإسلام في هذا البلد. ومد يده إلى حقيبته، واستخرج مخطوط العدد الأول من المجلة وهو يقول: إنها مجلة “الجماعة”، وأقرأ عليك -إن رغبت- فقرة مما كتب السي عبد السلام ياسين ليُنشر بعددها الأول إن كتب له الصدور وعثرنا على من يقبل طبعها، ويقرأ:

فهذه مجلتكم أيها المومنون المقبلون على الله الملتزمون بالإخاء والجهاد، والقضية قضيتكم غير أننا لا نحب أن ننشر الكلمات الخجولة ولا التي تمت بصلة للذهنية المصطنعة. نحب الفكر الهادف الذي ينِمُّ عن إرادة ويخاطب الهمم لارتياد التجديد…)… وإن أول وظائف مجلة هادفة هي صناعة رأي عام هادف. فهدفنا بالنشر ودخول المسجد أن نخبر الشعب بأسباب مآسيه يقظين لما يراد من تفريق شملنا بتحريض الإسلاميين على بعض!).

– الهدفان نبيل كل منهما، هدف إشعار الشعب بمآسيه وهدف جمع شمل الإسلاميين،…. تسمح لي بالتصفح؟

– طبعا، طبعا، تفضل خذ.

ويتصفح الحاج إبراهيم مخطوط المجلة قبل أن يضيف:

– الآية التي تتصدر مشروع غلافها، قوية جدا يا أخي، وذات دلالة واضحة، إنه تحد كبير للمستكبرين ووعد من الله بالإمامة والتمكين للذين استضعفوا في الأرض وبوراثة الحكم من الفراعنة والهمامنة وأجنادهم!

– هذه الآية يرغب السي عبد السلام ياسين في أن تبقى ثابتة بكل أعداد المجلة، حتى وإن تغيرت ألوان أغلفتها ليتمايز بعضها عن بعض.

– نعم!… لكن قل لي، لم قلت: “إن كتب له الصدور وعثرنا على من يقبل بطبع العدد الأول”، وكأن المطابع قليلة بهذا البلد؟

– لا، المطابع كثيرة، لكن أعياني البحث بمراكش والدار البيضاء، وها أنا حضرت للرباط لعلي أعثر على من يقبل طباعة المجلة. فبمجرد ما يتصفح أرباب المطابع المخطوط ويعلمون من هو مدير المجلة، يسارعون ليصرفوني عنهم بلطف واعتذار، وأحيانا بجفاء واكفهرار.

– إن لي صديقا يمتلك مطبعة، وغالب ظني أنه لن يتوانى في القيام بالمهمة، وسأكون سعيدا إن وفقت في إقناعه وقدمت لك وللسي ياسين هذه الخدمة.

– أكون لك والسي عبد السلام ممتنين إن فعلت.

– أسيدي، خير البر عاجله، أكلمه حالا، فإن كان بالمطبعة نذهب إليه بعد استكمالك شرب القهوة، فقد تركتَها تبرد، أنساك الحديث عن مشروع مجلتك احتساء قهوتك…

آلو. السي محمد؟ السلام عليكم… الشرقاوي معك. أنت بالمطبعة؟ اطلب لي “براد” شاي، أريدك في أمر هام ، وسأكون عندك إن شاء الله بعد 10 دقائق. حياك الله. السلام عليكم.

وبعد أن سلما مدير مطبعة الساحل بحي المحيط بالرباط المخطوط، واتفقا معه على ثمن الطبع وأجل التسليم والطريقة التي سيتم بها التصحيح قبل سحب الأعداد الثلاثة آلاف، لم يفت الحاج إبراهيم أن يطلب من صديقه المطبعي أن يسلمه نسخة من المخطوط، ليقرأها، فهو لا يتحمل الانتظار إلى أن تصدر.

ودع الزائر مُضَيِّفَه بمحطة القطار بعد أن تسلم كل منهما رقم هاتف الآخر، فقد أدى المهمة التي قصد الرباط وهو يرجو أن يوفقه الله لإنجازها. وعاد الحاج إبراهيم إلى متجره وشرع في قراءة مخطوط المجلة يقرؤه بشغف واهتمام. لقد رأى في المقالات المطولة للأستاذ ياسين بالمجلة وهو يخاطب قراءها، استمرارا للروح التي بها خاطب الملك الحسن وقراء رسالة الإسلام أو الطوفان، دعوة للتوبة إلى الله والتوكل على الله والعمل والتحزب لكي تكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين لله، كل هذا مصحوبا بالثقة المطلقة في الله والاطمئنان إلى نصر الله المقرون بشرط واحد، شرط الإيمان الفردي والجماعي المتبوع بالعمل الصالح: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. النور 55.

يتبع…

ملحوظة

هذه السلسلة التعريفية بالفقيد الحاج إبراهيم الشرقاوي، صيغت على شكل سرد قصصي، يحبب إلى النفس قراءتها. لذا، فإذا كانت الوقائع المعروضة بها حقيقية في مجملها سمعها الكاتب من الفقيد مباشرة أو قرأها فيما نُشِر، وهي بذلك تؤرخ فعلا لسيرة الفقيد تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جنانه، فإنه لا يخفى على القارئ اللبيب أن بعض التفاصيل الدقيقة وإن كانت واقعية (بمعنى أن احتمال وقوعها وارد)، فهي ليست حقيقية (من قبيل الحوار الذي دار مع السيد أحمد الملاخ قبل أن يسلمه مخطوط المجلة، على سبيل المثال) وإنما تصور الكاتب وقوعها ليفي بالشكل الأدبي الذي اختار الكتابة به. فالمعول على فطنة القارئ للتمييز.