مقدمة

أصبحت المرأة وما يرتبط بها رهانا في سوق السياسة التي اتهم فيها الإسلام بأنه عدو للمرأة، وأن الأصوليين يشكلون تهديدا لمستقبل المرأة، وتتهم الحركات الإسلامية بافتقارها لمشاريع مجتمعية، وغياب رؤية واضحة للقضايا الآنية ومن ضمنها قضية المرأة.

أضحت قضية المرأة محل تجاذب وخلاف بين أقلام غربية أو مغربة تريد تعميم نموذج المرأة الغربية المتحررة دون اعتبار لخصوصيتها أو هويتها أو دينها، والعقول الفقهية المتحجرة التي لا تعترف بمظلومية المرأة وترى تكريمها في حبسها بين الجدران، وبين إسلاميين حاولوا تكييف شرع الله ليتلاءم مع المفاهيم الحداثية التي أصبحت عنوانا للتحضر.

ويتساءل الأستاذ عبد السلام ياسين: ما بالنا نتزين بلباس الإيمان خفية ثم نخف لنخلعه عندما نجلس إلى مائدة الحضارة المستكبرة الفاسقة لنتنصل من وصمة الغيبية؟). 1 .

إن عبد السلام ياسين في جل مؤلفاته يرى أن أي حديث عن المرأة المسلمة يجب ألا يجردها من معناها الوجودي مجاراة للماديين وانزلاقا إلى منطقهم طوعا أو كرها، ولا يجب أن يبنى على اجتهادات لها ظروفها، بل يجب ان يتم الاجتهاد بالعودة للنبع النبوي دون إهمال فقه الواقع. فكيف وازن بين ثوابت الدين ومتغيرات الواقع من خلال تناوله لقضية المرأة؟ وكيف تعاطى مع مظلوميتها؟ وكيف يرى طريقها نحو الخلاص؟ هذا ما سأحاول الإحاطة به من خلال مبحثين أخصص الأول منهما للحديث عن مظلومية المرأة تاركة الحديث عن إنصافها للمبحث الثاني.

المبحث الأول: مظلومية المرأة في الفكر المنهاجي

عانت المرأة وما زالت من الظلم بمختلف أشكاله، تارة تتقاسمه مع أخيها الرجل وأحيانا كثيرة تتفوق عليه، ولذلك نجد المرأة في صلب اهتمام رجل كرس نفسه لرفع الظلم عن العباد تحقيقا للعدل وطلبا للإحسان، وقد استفاض في الحديث عن مظلومية المرأة مستنكرا ظلمها مسائلا ظالميها. إلا أنه وقبل الخوض في ذلك تقتضي الضرورة المنهجية التطرق للمنطلقات الأساسية التي تؤطر قضية المرأة في فكر الاستاذ عبد السلام ياسين.

المطلب الأول: منطلقات أساسية

ـ تعتبر قضية الإنسان مع ربه أم القضايا حيث يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله: متى أصبحت قضيتي مع ربي أهم القضايا عندئذ تأتي القضايا الأخرى في مرتبتها حيث تخدم الوسائل الغاية، وحيث يلتحق الفرع بالأصل، وحيث لا تطغى الشروط على المشروط) 2 . يجب أن يكون الهم الأول لكل مؤمن ومؤمنة نيل رضى الله تعالى، فلا عبرة بامرأة تضع على شعرها خرقة وفي قلبها مثاقيل النفاق) 3 حسب الأستاذ عبد السلام ياسين، لذلك يستعمل في حديثه عن المرأة مصطلح “مؤمنة” وهي كلمة قرآنية تشمل كل معاني الارتباط بالله عز وجل.

ـ اشتراك المرأة والرجل في حقيقة التكريم الإلهي، فالله عز وجل كرم الإنسان وسخر له كل المخلوقات رجلا كان أو امراة، وكلاهما مناديان في القرآن على السواء للعمل الصالح والجزاء الوفاق في الدنيا والآخرة 4 ، مصداقا لقوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوأُنْثَىٰ وَهُومُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 5 .

ـ اشتراك المرأة في مشروع الجماعة ضرورة ملحة ومطلب محوري في التفكير المنهاجي، فالمؤمنات لهن دور في المشروع التجديدي لإعادة الخلافة على منهاج النبوة. المرأة في دعوة العدل والإحسان تقف جنبا إلى جنب مع أخيها الرجل يتعاونان في إطار مبدأ الولاية لأجل تربية الأمة وصناعة غدها.

ـ المرأة المؤمنة كالرجل المؤمن نصيبها من المسؤولية السياسية مثل نصيبه 6 ، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسؤولية مشتركة بين الرجال والنساء.

ـ يريد الأستاذ عبد السلام ياسين للمرأة أن تكون نموذجا مناقضا تمام المناقضة للمرأة “الحرمة”، ذلك الكائن الساكت يمر من الحياة كأن لم يمر منها 7 ، وألا تكون نسخة من المرأة الغربية. يريد أن تنهل المرأة المسلمة مباشرة من المدرسة النبوية مدرسة السلوك الجهادي.

ـ يعتبر الأستاذ عبد السلام ياسين قضية المرأة المسلمة وقضايا المسلمين الأخرى شأنا واحدا، والحديث عن تحرير المرأة وإنصافها، وعن تاريخ بلائها دون ربط ذلك بالسياق التاريخي السياسي، الاقتصادي، الفقهي والاجتماعي فصل اعتباطي لما لا ينفصل 8 .

هذه باختصار أهم المنطلقات التي تؤطر قضية المرأة في الفكر المنهاجي لذا لا يمكن الحديث عن المرأة إلا باستحضارها.

المطلب الثاني: مظلومية المرأة الأسباب والتجليات

انحطت المرأة المسلمة بانحطاط المسلمين، بدأ الانحطاط منذ تدهور نظام الحكم من خلافة على منهاج النبوة إلى ملك عاض وراثي بمقتضاه ينتخب الوالد ولده ويعهد إليه أمر المسلمين يورثه إياه كبعض ما يورث من المتاع. ولم تلبث المرأة أن أصبحت سلعة في السوق وجارية في القصور ومحظية وكما ومهملا، حتى إذا جاء عصر اللائكية عصر وكلاء الاستعمار يبشرها بأنها دخلت عصر الحرية لتكون كمثيلاتها الكاملات في الغرب سيدة جسدها انتحلت المتغربات نحلة الغالب فهن داعيات مناضلات بجنب حقوق الإنسان، أي حقوق المرأة في أن تنعتق من ربقة كانت فيها كما مهملا وسلعة) 9 .

هذه الكلمات جعلها الأستاذ عبد السلام ياسين على غلاف الكتاب نظرا لأهميتها وحدد من خلالها مسؤولية الانكسار التاريخي الذي أحدث شرخا واضحا في الأمة، فـلم تنحط المرأة وحدها بل انحطت بانحطاط المجتمع وانحط المجتمع بانحطاط الحكم وانتقاض عروته، وانحبس الفقه وسد باب الاجتهاد، ودارت الفتوى في حلقة ضيقة مقلدة رابط في أركانها المركنة جهابذة العلماء للحفاظ على سائر عرى الإسلام أن تنتقض، ولصيانة الحياة في دائرة الشرع) 10 .

ـ الحكام والاستعمار والفقه المنحبس الأسباب المباشرة في انحطاط المرأة، لكن هذه المظلومية لها جذور تاريخية ضاربة في القدم، المجتمع ساحة مفتوحة للنهب أول منهوب فيها مظلوم وأول المظلومين المرأة.

كانت المرأة توءد ثم تسبى ثم تهدى، واعتبرت عند فلاسفة اليونان ملكا مشاعا بين الرجال، وعند اليهود لعنة، وعند بعض القديسين شرا لا بد منه، ومدخل الشيطان إلى نفس الإنسان، وظلت القوانين الغربية كالقانون الإنجليزي تتيح للزوج بيع زوجته حتى سنة 1805 بثمن حدده القانون 11 .

بعدما كرمها الإسلام انحطت لتصبح مع مئات الجواري والأربع الحرائر التي يستبدل بقديمهن الجديد كما تستبدل الأحذية 12 .

المرأة المسلمة كانت وما تزال وهي زميلة الرجل المسلم فيما تعانيه أمس وهي سجينة أمية، واليوم بين نار الدعوة التغريبية ورمضاء المخلفات الانحطاطية… استعباد المدنية، والمعاملة المهينة للبدوية والأمية الأبجدية والجهل والأجور البئيسة، واستغلال الصبيات في معامل تأكل عرقهن البطون الحرامية، والتعدد الاعتسافي والطلاق الجائر وإكراه الفتيات على الزواج والتحايل على نصيب المسلمات من الإرث والقائمة طويلة 13 .

عبد السلام ياسين يريد إنصاف المرأة، كل النساء وليس النخبة لذلك عدد تجليات المظلومية التي تشترك فيها أغلب النساء هذه الحقوق يجب أن تكون أولوية قبل الحقوق السياسية التي تركز عليها النخب.

وقد ذكر الكثير من الخرافات والأقوال المكذوبة التي تسفه المرأة وتهمشها، ومن ذلك النساء لعب فتخيروا)، زينوا مجالس نسائكم بالمغزل)، صوت المرأة عورة)، لولا النساء لعبد الله حقا حقاّ) 14 ، هذه أمثلة على سبيل المثال لا الحصر للدلالة على أن تهميش المرأة في المجتمع هوتحصيل حاصل ناتج عن الموروث الفكري. تظلم المرأة ويساء بها الظن وتؤول الأحاديث للحط منها، فمن العلماء من رأى أن الحل المنطقي ليس التعليم والتربية لكن السد والغلق والخنق والجدران والحبس 15 ، أمثال تقي الدين الهلالي من فقهاء المغرب المعاصرين.

قال الله تعالي: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ 16 ، ما مضمون الدرجة؟ أهي براءة تمنح للرجل تفويض لكي يدوس المرأة تحت قدميه أم هي مسؤولية رعاية أمينة وقيادة رحيمة؟ 17 هذه استفهامات إنكارية طرحها الأستاذ عبد السلام ياسين ملفتا الانتباه إلى أنه في آيات معدودة يذكر الله عز وجل المومنات مع المومنين تأكيدا لمعنى يخشى أن يسبق لفهم الرجل المعتز بذكوريته أن المرأة منقوصة الحظ منه 18 .

وأما قول الله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ 19 فهو تكليف للرجل بمهمة القوامة والنساء بمهمة الحافظية.

مبدأ تقسيم الوظائف بين المتخصصين مبدأ فطري عقلاني 20 ، لا تنازع الحافظية القوامة بل يعيش بعضها في كنف بعض، القوة أخت الأمانة والقوامة قرينة الحافظية، هكذا يوازن الأستاذ عبد السلام ياسين بين القوامة والحافظية لذلك استنكر العديد من مظاهر الظلم التي تتعرض لها المرأة باسم القوامة والدرجة، أذكر منها العنف والتعدد على سبيل المثال. فقد اعتبر الأستاذ عبد السلام ياسين من يعنف المرأة رجلا عاريا من المروءة ناقصا في الدين 21 ، أما عن التعدد فقد قال: تعدد الزوجات في شريعة الإسلام حل استثنائي لحالات استثنائية، ما هو أصل وقاعدة… التعدد ضرورة لحل مشاكل خاصة، ضرورة لوقاية النشء وكفالته 22 . للمرأة المسلمة حقوق سلبتها إياها التقاليد الرجعية. فهي حرة في اختيار زوجها وإلزام خاطبها بشروط تضعها هي (بما فيها عدم التزوج بأخرى) وطلب الطلاق، والعمل، وتحمل عدة مسؤوليات اجتماعية ومهنية، وكذا التصرف باستقلالية في مالها 23 .

نخلص من كل ذلك إلى أن الانكسار التاريخي والفكر والعادات والفقه المنحبس هي العقبات التي رسخت في المرأة على مر العصور، الانحطاطية والشعور بالدونية والعجز وكسرت ثقتها بربها، بترت منها حاسة المسؤولية خارج نطاقها الضيق، وأشغالها الخاصة وهمومها وآلامها وأهميتها 24 ، لكن آن الأوان أن تجد المرأة طريقها نحو الخلاص.

المبحث الثاني: الطريق نحو الخلاص

إن الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله يرى أن طريق المرأة نحو الإنصاف يمر بالضرورة عبر إنصاف المجتمع ككل، أي لا يمكن حل قضية المرأة إلا في ظل حل شامل يتقاطع فيه ما هو اقتصادي بما هو سياسي بما هو اجتماعي، فإذا حل عدل الله على أرضه ألقى بظلاله على كافة خلقه.

ولا يمكن أن يتحقق ذلك ما لم يكن الهم الأول لكل مؤمن ومؤمنة نيل رضى الله، فالمرأة المؤمنة مطالبة بتحرير إرادتها للقيام بالمهام المنوطة بها لرفع الظلم عن نفسها ومجتمعها قدوتها في ذلك خريجات المدرسة النبوية، النماذج الكاملة من النساء، فكما أن شرع الله انتشل من قبل المرأة العربية في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم من غياهب القهر والمعاناة، أصبح من العاجل اليوم أن تستنقذ المرأة المسلمة المعاصرة ـ التي فاقت اختها الجاهلية سقوطا ـ من براثن الظلم والإهمال 25 .

المطلب الأول: الاقتداء بنساء الإسلام

إلى النماذج الكاملة من بني البشر تشرئب أعناق المومنات 26 ، الاقتداء بالنساء الصادقات الكاملات من الصحابيات الجليلات منهن تتعلم المومنات، ومن ضمن ما أكده الأستاذ عبد السلام ياسين أن الصحابيات كن محررات الإرادة، يجالسن المومنين ويؤاكلنهم ويستضفن ويصحبن رسول الله، ويشمرن ساعة الجد يطلبن العلم ويأخذن المبادرة، عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: “… فلما كان يوما من ذلك والجارية تمشطني، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أيها الناس، فقلت للجارية استأخري عني، قالت إنما دعا الرجال ولم يدع النساء، فقلت إني من الناس…” رواه مسلم.

وكن يشتكين من ظلم أزواجهن فقد سمع الله شكوى خولة بنت ثعلبة من فوق سبع سماوات، قال الله تعالى في سورة المجادلة: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ.

وقد مارست المرأة الرقابة على الحكام، يروى أن خولة بنت ثعلبة وهي عجوز قالت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: كنت تدعى عميرا ثم قيل لك عمر ثم قيل لك أمير المومنين فاتق الله يا عمر فإنه من أيقن بالموت خاف الفوت ومن أيقن بالحساب خاف العذاب) 27 .

ونأخذ درسا من الصامدة في وجه الطاغوت أسماء الصديقية التي أوصت ابنها عبد الله بن الزبير أن يصمد ويقاتل لتقر عينها بنصره، أو يموت كريما فتحتسبه، ونهته عن قبول الصلح مع العدو وهي تلبغ من العمر مائة عام والحجاج ليس أي عدو. وبعد أن صلب الحجاج ابنها طلب منها الحضور فامتنعت ثم هددها فامتنعت فاضطر للذهاب إليها فنعتته بالمبير/الفتاك، ولم يراجعها ومن ضمن ما قالته له: رأيتك أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك) 28 .

ونقرأ حرص أم عمارة الشجاعة المجاهدة على أن تخص النساء بالذكر في الوحي، حيث قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرى كل شيء إلا للرجال وما أرى النساء يذكرن بشيء فنزل قول الله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (الأحزاب 35).

وقد حرصت النساء على ألا يسلب منهن حق أقره كتاب الله، حيث اعترضت امرأة من قريش عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو حاكم بعد خطبته التي حدد فيها مهر النساء محتجة بقول الله تعالى: وآتيتم إحداهن قنطارا فصعد عمر المنبر بعد استغفاره من خطأه ثم قال: أيها الناس إني كنت قد نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب).

فلم تترك الصحابيات بابا من أبواب الجهاد إلا وطرقنه حتى الجهاد بالسيف، ويكفينا أن صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلت عدوا في الإسلام حين عجز حسان بن ثابت عن ذلك وأن أسماء بنت يزيد قتلت تسعة من الروم في اليرموك بعمود خيمة 29 ، وغيرهن كثير.

ونقرأ مشاركة أم سلمة يوم الحديبية بالرأي السديد لنتلقى درسا في غناء المرأة المؤمنة وكفاءتها في المواقف السياسية الحرجة حين رفض الصحابة شروط الصلح واعتبروها مجحفة فلم يطيعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمرهم بالحلق والنحر، لكن حين عمل برأي أم سلمة فنحر وحلق دون أن يأمرهم بشيء فعلوا مسرعين 30 .

لم تكن المرأة حبيسة الجهل والاستقالة من الحياة، كانت تمارس السياسة في أكمل مظاهرها تناهض الوضع القائم 31 ، دون أن ننسى أنها شاركت في البيعة وما حققته لم تستطع المرأة الغربية أن تحقق الكثير منه إلا في تاريخ متأخر. فكيف تحيي المرأة اليوم هذه الإرادة وتترجمها إلى أفعال لتعود عالية الهمة وصاحبة المبادرة بدل الاقتيات على موائد الغير؟

المطلب الثاني: مهمات المرأة في صناعة مستقبل أفضل

لا سبيل إلى إنصاف المرأة وتغيير ما بالأمة إن لم نغير ما بأنفسنا، فالمؤمنة الصالحة مدعوة لكسب الفضائل ومقاومة الرذائل، وامتلاك القوة الإيمانية الإرادية للترقي صعدا في معارج الكمال الروحي والكمال الخلقي والكمال الجهادي 32 ، فالقوة الذاتية شرط في تنزيل نصر الله.

ـ على المومنات جهاد لاقتحام عقبات الفكر، العادات، الفقه المنحبس… فإذا كانت المرأة الغربية انتزعت بعض الإنصاف بنضال وتطور اجتماعي فالمرأة المسلمة لا تقل عنها كفاءة.

ـ يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: حقوقك التي كفلها الشرع تنتزعينها من تعسف الرجل، وتتقدمين عليه بالعلم كي لا يحتكر هو الجهاد ويميل به إلى سوء استعمال الدرجة، ثم واجباتك في صد العدوان على الدين مما يليك علما يشرق في القلوب إيمانا وتصديقا وفي العقول تدبيرا وتطبيقا) 33 .. العلم سلاح ضروري لخوض معركة التغيير.

ـ إن الأسرة القوية عماد الأمة القوية، والأم المربية المصلحة عماد الأسرة 34 ، الأم المريدة وجه ربها الخائفة منه المتشوقة إلى لقائه، الواثقة بوعده، المتعلمة، العالمة بما لها وما عليها مما رسمته لها شريعته العاملة على ذلك، هي الأس ومنها البناء 35 ، لذلك على المومنة واجب ألا تضع غثاء، ولا تتسبب في التكثير الأرنبي بينما غيرها يربي صقورا ونمورا 36 ، وموقعها الاجتماعي بصفتها أما مؤمنة يلزمها العمل على تربية أطفالها نفسيا وعقليا ليتأهلوا في مهنة الاندماج الاجتماعي، ومهنة الإنتاج الاقتصادي 37 .

تصنع المؤمنة أجيالا كثيرة العدد عالية النوعية علينا واجب تغذيتها ورعايتها الصحية وتعليمها وربطها ربطا وجوديا بالقرآن والنموذج النبوي، ثم تعبئتها في جهاد مستمر لتبني من بعدنا مستقبل الأمة الشاهدة بالقسط 38 .

ـ مهمة المرأة الحفاظ على الفطرة السليمة والمساهمة بشكل فعال في التنشئة.

ـ لكي تأمن المرأة زوجا ومطلقة على غدها وغد أبنائها لا بديل في الأفق القريب عن تمكينها من استقلالها الاقتصادي.

ـ للمومنات دور في المشروع التجديدي لإعادة الخلافة على منهاج النبوة، فموقع المؤمنة السياسي وانتماؤها للحركة الإسلامية يحتم عليها العمل على إنجاح المشروع الإسلامي، ما يفيض من الوقت والجهد الأساسي التربوي تصرفه المؤمنة إلى مجال التعبئة العامة في مجال السياسة الآنية.

ـ إزاحة الباطل من مواقعه قدما قدما ثم بناء الحق لبنة لبنة، صبر وجلد وتحمل وطول نفس، ورفق مع ذلك لا عنف، آن أن توقظ المومنات بنات جنسهن ليقدن جهادا مختلف الأشكال، متنوع الوجوه، شاملا لكل مرافق الحياة، جهاد التعليم والتتويب والتوعية ومحو للأمية العقلية والسياسية، المسؤولية السياسية تلزم المرأة بالعمل الدؤوب لتحقيق العدل، فإذا ساد العدل عم الإنصاف الرجال والنساء وتغيرت العقليات وولد الإنصاف ولادة طبيعية من رحم المجتمع.

إن تحقيق التوازن بين الوظيفة الرئيسية للمرأة وحضور اهتمامها بأمور المسلمين مهمة سامية غير يسيرة، تحتاج إرادة حرة وهمما عالية والأخذ بزمام المبادرة. أورد الأستاذ عبد السلام ياسين قصة عمر بن الخطاب في حديثه عن نساء الجاهلية ونساء الإسلام فمن ضمن ما قاله رضي الله عنه: لو رأيتنا يا رسول الله، وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم). تعلمت النساء كيف تنقل نفسها من حال إلى حال أفضل. فمعركة المرأة اليوم ليست ضد الرجل بل هي ضد الظلم والفقر والجهل والتهميش وعليها كسبها رفقة أخيها الرجل لتحقيق الحرية والعدالة والكرامة.

خاتمة

بناء على ما تقدم أستطيع القول إن الأستاذ عبد السلام ياسين شخص وضعية المرأة تشخيصا دقيقا، ولم يذخر جهدا في الدفاع عنها وتحميل المسؤولية للحكام والفقهاء والاستعمار لإيصال المرأة إلى ما وصلت إليه اليوم من انحطاط، وما العقلية الذكورية التي تحكم المجتمع اليوم إلا نتيجة طبيعية لهذه الأسباب وليست سببا في حد ذاته، وقد خصص للمرأة مكانة متميزة في تفكيره المنهاجي حيث نجدها حاضرة في كل كتاباته منذ تأسيس الجماعة، وما يميز رؤيته لقضية المرأة أنه لا يريد أن يكون جهد المرأة نضالا تحقق به مكاسب أرضية فقط ـ رغم أهميتها ـ بل يريده أن يكون جهادا تحقق به إنصافا دنيويا دون أن ينقص ذلك من أجرها الأخروي شيئا، لذلك أراد من المرأة أن تجعل قضيتها مع ربها أم القضايا ثم تأتي القضايا الأخرى بعد ذلك، وهذا ما تفرد به الاستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله؛ فهو لا يريد أن تظل المرأة إنسانا مهمشا من الدرجة الثانية، وبنفس القدر يرفض أن تجرد من معناها الوجودي وأن يطغى حظها من الدنيا على حظها من الآخرة.

الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى يريد نموذجا نسائيا فاعلا في مجتمعه مرتبطا بربه.

رحم الله رجلا أنصف المرأة.


[1] تنوير المومنات، عبد السلام ياسين، مطبوعات الافق الطبعة الاولى، 1996 الدار البيضاء، الجزء الثاني، ص 258.\
[2] نفس المرجع، الجزء 1 ص 6.\
[3] المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا،الطبعة الثا نية، ص 15.\
[4] العدل، الاسلاميون والحكم، عبد السلام ياسين، مطابع افريقيا الشرق، الطبعة الأولى 2000 الدار البيضاء، ص .255\
[5] سورة النحل الآية 97.\
[6] تنوير المومنات الجزء 2 ص 304.\
[7] تنوير المومنات الجزء 2 ص 355.\
[8] تنوير المومنات الجزء 2 ص .26\
[9] تنوير المومنات الجزء 2 ص 25.\
[10] نفس المرجع ص 25.\
[11] نفس المرجع ص 102 ـ 109 بتصرف.\
[12] نفس المرجع ص 33.\
[13] نفس المرجع ص 53.\
[14] تنوير المومنات الجزء 2 ص 151 ـ َ152 بتصرف.\
[15] نفس المرجع ص 173.\
[16] سورة البقرة الآية 226.\
[17] تنوير المومنات الجزء 1 ص 55.\
[18] كتاب العدل ص 263.\
[19] سورة النساء الآية 34.\
[20] تنوير المومنات الجزء 1 ص 219.\
[21] نفس المرجع ص .219\
[22] تنوير المومنات الجزء 2 ص 189.\
[23] الإسلام والحداثة، عبد السلام ياسين، مطبوعات الهلال، الطبعة الأولى 2000، وجدة، ص 210.\
[24] تنوير المومنات الجزء 1 ص 18.\
[25] الإسلام والحداثة، مرجع سابق، ص 209.\
[26] تنوير المومنات الجزء 2 ص 287.\
[27] نفس المرجع ص 27.\
[28] نفس المرجع ص 54.\
[29] نفس المرجع ص 299.\
[30] نفس المرجع ص 352.\
[31] نفس المرجع ص 350.\
[32] تنوير المومنات الجزء 1 ص 15.\
[33] نفس المرجع ص 213.\
[34] تنوير المومنات الجزء 2 ص 220.\
[35] نفس المرجع ص 229.\
[36] نفس المرجع ص 228.\
[37] نفس المرجع ص 295.\
[38] نفس المرجع ص 84.\