قال الله تعالى في كتابه العزيز: طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين هدى وبشرى للمؤمنين 1 .

ها نحن أمة الإسلام نعيش أحداثا ضخمة عظيمة، يراها الماركسيون والاشتراكيون صراعا طبقيا يثور فيه المحرمون والبائسون على المستكبرين حقدا بما ظلموهم وطلبا لما أملوا من إنصاف وكرامة… فما ينتهي الصراع إلا وقد انتصر محرومُ الأمس بطل اليوم على المستبد الشيطاني. ما هذه الأحداث عندهم سوى حلقات متتالية متطورة تمسك كل واحدة بالتي قبلها، تتولد عنها، تطورها أو تناقضها. وتثير عند اللائكيين نارا لظى تسَّعرُ حميةً لما يرون من اكتساح الإسلاميين لميادين لطالما ظلت حكرا عليهم ومن حركيتهم في استقطاب الأنصار وتحرير الإرادات وتنظيم الجهود وهم الفاشلون المنهزمون. ويراها المنصف تعبيرا لاحبا عما اكتنزته الأمة قرونا وتاقت إليه من عدل وحرية ونبذ لغزو الجاهلية وحكمها. فهي بشائر نصر لاح بالأفق المظلم الكئيب، وهي دلائل حق أنه في الأمة لا تزال الضمائر حية، ومن الغثاء يخرج الله عز وجل جند الله المجاهدين منة من مننه سبحانه على عباده، ولكن أكثر الناس لا يعقلون.

في هذا العالم الموّارِ الثَّجاجِ بشتى أصناف البلاء الإلهي والاختبار الإلهي نعيش الفتن وهي كقطع الليل المظلم. المسلمون في دويلات تتحامل بعضها على بعض وتتربص بما حكمتها أنانيات قومية أو فردية، وبما صبغتها حميات عرقية أو مذهبية، وما ذاك إلى لتشتت إرادة الأمة في أيدي من يحكمون على رقابها، المترفين من كل الجهات بعاداتهم الجاهلية والناخرين كالدود في عود ما بقي من وحدتها ومروءتها وإسلامها.

دار المسلمين شبابٌ معطل آيِس مكلوم تأكله نزاعات دموية وحركات مدمّرة لما يرى ما بالأمة من فقر وبأس وتخلف أو ترمي به أنانيته وترفه وجهله بما هو الإسلام على أعتاب النموذج الجاهلي المتطور، فهو المغرَّب المزيف المهجن اللاهث وراء حداثة تنقذه، في زعمه، من إسلام هو واقع المسلمين في نظره.

دار المسلمين نساءٌ هنّ كمٌّ مهمل أو دميةٌ مكدودة، المرأة في واقعنا كمّ مهمل بما أُهملت الأمة وانحطَّت من المقام الرسالي إلى شعوب يُفعَل بها وتُورَث، يأخذها الولد عن والده الملكِ مُلكا عاضا كما يُؤخَذ المتاع من الإرث. فابحث عن المرأة بعد عهد النبوة والخلافة فلن تجدها إلا جارية في القصور أو موصوفة في الأشعار أو سلعة في الأسواق، كمّا مهملا. هي دمية مكدودة لما بشرها وكلاء الاستعمار بُشرى الحرية، فهي حرة في جسدها مفتتنة بمثيلتها الغربية اللائكية منتحلة لنِحلتها، تناضل من أجل حقوقها، وحقها أن تنسلخ من التقاليد، أي الإسلام .

دار المسلمين علماء من أهل الحق لكنهم ساكتون، غُيِّبوا عن ميدان الحكم فغابوا واستُقعدوا في وظائف الوعظ فقَعدوا، آثروا الصراخ من أعالي بروجهم الهنيئة على أهل البدع الصغيرة بدل القيام على أهل الضلالات الكبيرة.

يقول الله جل جلاله: فَبَشِّرْ عِبَادِ * ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ 2 .

فما بشرى القرآن وما هدي نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم ودار المسلمين فقر وضعف وتشتت وفرقة؟ ما البشارة والعالم كله أكلة للجاهلية الرأسمالية، جاهلية مسخت الإنسان دودة لزجة أرضية وجعلته لصيقا بالأرض وقيمها حريصا على حياة، أي حياة، فأصبح حيونا دوابيا ناطقا وأصبحنا غثاء كغثاء السيل؟

البشرى نسمعها من حديث الصادق المصدوق صلى الله عليه وآله سلم وعلى لسانه الشريف إذ قال: “إن أول دينكم نبوة ورحمة، وتكون فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله جل جلاله. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله جل جلاله. ثم تكون ملكاً عاضاً، فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعه الله جل جلاله، ثم يكون ملكاً جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله جل جلاله، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة تعمل في الناس بسنة النبي، ويلقي الإسلام بجرانه في الأرض، يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض، لا تدع السماء من قطر إلا صبته مدراراً. ولا تدع الأرض من نباتها وبركاتها شيئاً إلا أخرجته” 3 .

البشرى أن مصدر الهداية، كتاب الله عز وجل، هو الثابتُ المطلق وسطَ متغيراتِ الإنسان وظروف حياته، فالحق الذي لاشك فيه ولا يأتيه الباطل أن: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ 4 . وأنه: حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ 5 .

هي بشائر إذن. ما سلوك الفرد وما مصير الأمة مجرد تطورات نحو مجهول بل هو قدر مقدور منه سبحانه وتعالى. يجري بنا مراحل، وفتنة الأمة اليوم مرحلة من مراحله، إلى ميعاد.

لا تنسينا بشائر النصر وحياة الأمة من مواتها عن الموت والنفخ والبعث والنشور والحساب والجزاء أو العقاب والوقوف بين يدي الملك الوهاب. بشائر القرآن وهديه تطلب مني، أنا عبد الله وأنا أمة الله، أن تكون لي قضية مع ربي، قضية تبتدأ أول ما تبتدأ بصحبة الذين هدى الله وبِخُلَّة دليل رفيق، عالم عامل، ولي مرشد. مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا 6 . هذا هُدى الله، فالولي المرشد مفتاح الهداية. ومن لم يكن له ولي مرشد فهو عرضة للضلال. بصحبته يهتدي الإنسان لمعنى خلقه ومغزاه وبإتباعه يتيقظ لأم القضايا وهي رجعاه إلى ربه. فهذه الهداية هي هداية قلبية ترفع الإنسان من حضيض دوابيته إلى حقيقة وجوده وأسه من حيث كونه عبدا لله سبحانه وتعالى، بشّره بالسعادة والحياة الطيبة الأبدية، تقف به عند قوله عز وجل وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ 7 . فيتبع، وتذكِّره وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى 8 . فيتذكر ويَذكُر، فإن آمن وصدَّق وعمل صالحا وصَدَق كان ممن سبقت لهم من ربهم الحسنى وإلا كان ممن أعرض عن ذكر ربه فكان له الشيطان قرينا. نعوذ بالله.

هدي القرآن بالصحبة يبتدأ، كما ابتدأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، لكن لا تكون بشائر الحق واقعا نعيشه ولا هدي القرآن اتباعا كاملا للواضحة البيضاء النبوية إن لم ينعقد المؤمن وتنعقد المؤمنة في عقد جماعة مؤمنة مجاهدة وإن لم يكن مصير الأمة تبعا لقضيتي مع ربي. فسلوك المؤمنين فرادى لا يسوقهم إلى ربهم زمرا وجهادهم آحاد لا يدفع الباطل.

إن لنا أمة الإسلام رسالة خالدة هي رسالة الإسلام ولنا مطمح عالمي لغدنا القريب إن شاء الله، يوم نومن ونعمل صالحا فيستخلفنا الله عز وجل في أرضه ويجعلنا أوصياءً على خلقه بالرحمة والحكمة والتؤدة ورجاء توبة العاصي وإسلام الكافر. ف“الخلق كلهم عيال الله وأحب خلقه إليه أنفعهم لعياله” 9 . هذا هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبهذا يوصي ويربي.

دون البشارات الإلهية والموعود الكريم أن يتحلى جند الله تعالى بالرحمة والقوة والأمانة والإرادة المصمِّمة لتنفذ أمر الله وأمر رسول الله، مخلصة مؤيَّدة. فزادنا للجهاد تقوى الله ورتق القلوب الذي لا ينفتق لا إله إلا الله محمد رسول الله.

والحمد لله رب العالمين.


[1] سورة النمل؛ 1-2.\
[2] سورة الزمر – الآية 18.\
[3] رواه مسلم والترمذي وابن ماجة. واللفظ للشاطبي، نقلناه من كتاب “الإسلام غدا” للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى. ص 480.\
[4] سورة النور – الآية 55.\
[5] سورة يوسف – الآية 110.\
[6] سورة الكهف – الآية 17.\
[7] سورة لقمان – الآية 15.\
[8] سورة طه – الآية 124.\
[9] رواه البزار والطبراني في معجمه والبيهقي في “شعب الإيمان” بصيغ مختلفة.\