يستعصي على المحللين والمراقبين إيجاد تفسير “مقنع” لثورات الربيع العربي منذ بدايتها من تونس، خصوصا إذا استحضرنا الحدث الذي أشعل فتيلها وقارناه مع حجم النتائج والتغييرات التي أعقبته والتي تجاوزت الحدود التونسية إلى باقي البلدان العربية الإسلامية. فمنهم من ربطها بالأوضاع الاجتماعية المزرية للشعوب المنتفضة، ومنهم من رأى أن سببها غياب الديمقراطية وشروط العيش في كرامة في البلدان العربية، وآخرون اقتنعوا بأن ما يجري مؤامرة محبوكة من طرف الولايات المتحدة الأمريكية لإعادة رسم خارطة العالم العربي والإسلامي…

وبعد محاولات لإيجاد السياق الحقيقي لأحداث زلزلت أركان الأنظمة الاستبدادية، انطلق الجميع إلى تحليل تفاصيل الثورات وآفاقها دون حسم إطارها العام.

ويرتبط استيعاب السياق العام لهذا الحراك بحجم الضغط النفسي والروحي الذي تخلفه التطورات الميدانية اليومية لدى عموم المسلمين المهتمين بأمور إخوانهم. هذا العامل يستغله معسكر الاستبداد من خلال وسائل الإعلام المتنوعة للتأثير على خصومه ولحشد التأييد لمواقفه ولإضعاف الزخم الشعبي للثورات.

ويعتمد على فصل هذه الأحداث عن بعضها البعض باعتبارها مختلفة من حيث المنطلقات والأهداف من بلد لآخر، لذا يجب التعامل مع كل حالة على حدة. لنجد دولا خليجية تدعم الحراك في سوريا وتحاربه في مصر. كما دعمت إيران الثورة الليبية وما زلت تحارب الشعب السوري في أرضه.

والمؤسف أن تكون بعض من “قيادات” الثورة نفسها تنسج على هذا المنوال وتغلق عن نفسها الأبواب والنوافذ كأنها في شأن داخلي خاص، في وقت يحشد فيه معسكر الاستبداد العالمي كل إمكانياته ويعبئ كل طاقاته وموارده المالية والعسكرية والإعلامية لوأد هذه الثورات ونشر الإحباط في نفوس الشعوب كي تيأس من أي تغيير وتجنح إلى حكم الطغاة وتسلم بالأمر الواقع كما هو ضمانا لاستمرارية الاستبداد.

وهذا ما نلاحظه في البلدان التي شهدت حراكا شعبيا بل وبنفس الأساليب والآليات ما يدل على توحيد صفوف الاستكبار العالمي لإقبار طموحات الشعوب الإسلامية مجتمعة.

إن هذا الواقع يستلزم توسيع زاوية النظر لهذه الأحداث كونها ترتبط بمصير الأمة الإسلامية ككل تم تقسيمه قسرا في مرحلة تاريخية سابقة إلى كيانات ضعيفة ومتنافرة يسهل الإجهاز عليها بأبسط الوسائل.

الآن وقد عاد الدفء إلى جسدها المنخور وتحركت جل أطرافها استجابة لنداء الحق. لابد من العمل الدؤوب لإعداد الأسباب الدنيوية الكفيلة بتحقيق الانبعاث الجديد لأمتنا العظيمة. وليس هذا المخاض إلا أولى المبشرات.

إنها سنه الله في الكون يداول أيامه بين الناس كيف يشاء ولمن يشاء، وهو سبحانه واعد المؤمنين الصادقين المجاهدين الصابرين في البأساء والضراء بالنصر والتمكين لهم أو نيل شرف الشهادة. لكن هذا لن يتحقق إلا بعد مرحلة الابتلاء والتمحيص حتى تبلغ القلوب الحناجر ليميز الله الخبيث من الطيب ويطهر جسد الأمة من نفاق المنافقين من النخب المستوردة العميلة ومن المؤسسات القائمة أساسا لتخريب بنيان الأمة من قواعده وليعلم الناس الرجال المجاهدين الصادقين.

إنها معركة الفصل بين معسكر الحق بقيادة الأمة الإسلامية ومعسكر الشر بقيادة الصهاينة، ومن يدور في فلكهم، لن تكون نهايتها بتعديل وثيقة دستورية أو تغيير حكومة أو نظام ، بل بإعادة انبعاث الأمة من جديد وتخلصها من حراس مصالح الأعداء لتنصرف إلى مهمتها في الأرض والتي من أجلها جعلت أمة وسطا .

بهذا ترتبط قلوبنا، واثقين من موعود الله، أما غير ذلك من تفاصيل الأحداث المؤلمة فقد مرت على أمتنا محن أكثر شدة ولم تنل من وجودها، بل من المحن ينبعث الرجال والنساء القادة الأبطال ممن سيقودون المرحلة القادمة، وتستيقظ القلوب والعقول من غفلتها، والشهداء عند ربهم أحياء يرزقون فرحين بما آتاهم من فضله.