يمر المغرب حاليا بأزمة اقتصادية مريرة، فرغم التكتم الشديد الذي يحيط بالحالة الحقيقية للاقتصاد الوطني، ورغم التطمينات التي يرسلها المسؤولون الحكوميون بين الفينة والأخرى، إلا أن الواقع يكذب ما يروج له من ادعاءات كاذبة.

فقد قامت لجنة تابعة لصندوق النقد الدولي بزيارات للمغرب خلال السنة الجارية، للوقوف على حقيقة الحالة الاقتصادية، وتقديم الحلول التي تراها مناسبة، والتي تخدم مصالحها، في أفق منح قرض جديد للمغرب، بشروط قاسية وصارمة، تحسينا للواجهة والأرقام الماكرو-اقتصادية، دون التفكير في تحسين وضعية المواطن المغربي المغلوب على أمره.

لقد أجبرت اللجنة الدولية المغرب بالالتزام الصارم بإجراء إصلاحات اقتصادية جذرية، خاصة أن عجز الميزانية بلغ، حسب بعض التقديرات، 10 %، فالزيادة في ثمن المحروقات بهذه الصفة الاستثنائية والتاريخية، والتي تعتبر خطوة أولى نحو إصلاح نظام المقاصة، وحذف 15 مليار درهم من الاستثمار العمومي، وتخفيض النفقات على القطاع العمومي، ما هي إلا إملاءات من طرف صندوق النقد الدولي كشروط أساسية لاستفادة المغرب من القرض الجديد.

لقد أكد رئيس الحكومة مرارا أن المغرب لن يلجأ إلى الاقتراض الخارجي، ووعد المغاربة بالصبر والتفاؤل، ذلك أن الزيادة في المحروقات ستوفر سيولة مالية كافية، وتجنيب المغرب بالتالي اللجوء للاقتراض، لكنه رضخ للأمر الواقع، فأوقع المغرب والمغاربة في أزمة مزدوجة، مست الدولة بإدخالها في مستنقع الاقتراض، وترك المغاربة مكبلين بظروف معيشية قاسية. وخرج السيد رئيس الحكومة على الشعب المغربي في تصريح آخر، بعد اضطراره للاقتراض، من أن القرض ضرورة في الفترة الحالية وأنه سيكون بدون شروط، ومعلوم عند الخاص والعام أن هذه المؤسسة المالية لا تقدم القروض إلا بشروط تخدم مصالحها.

لقد دخل المغرب مجددا في دوامة فارغة من الديون المكبلة والمتراكمة أصلا، والتي لها تداعيات سلبية وخطيرة على الأجيال المقبلة، وعلى المؤشرات الاقتصادية الحالية، وعلى الميزانية العامة وبالتالي ضرب القدرة الشرائية للمواطن، فقد وافق الصندوق الدولي على منح المغرب قرض بقيمة 6,2 مليار دولار على مدى سنتين، و440 مليون أورو من البنك الأوروبي للاستثمار، و121 مليون أورو من البنك الأفريقي للتنمية، إضافة إلى قرض بمبلغ مليار ونصف مليار نتيجة بيع السندات السيادية.

إن اللجوء إلى هذه الحلول السهلة والسيئة، تجعل المغرب عرضة لمزيد من الرضوخ للمؤسسات الاستكبارية العالمية، خاصة أن الديون من هذه المؤسسات تكون بنسب فائدة مرتفعة مقارنة مع تلك المحصل عليها من بعض الدول، خاصة الخليجية، والتي قد تؤدي إلى نتائج أكثر سوءا في حال عدم سدادها.

إن الحكومة الحالية، وما سبقها من حكومات، قد أخطأت التقدير حينما اعتقدت أن السيولة ستتم فقط بالزيادة في المواد الاستهلاكية والاستغناء عن ميزانية الاستثمار، إلا أن هذه التوقعات كانت لها آثار عكسية، وهذا يدل على افتقاد الحكومة، والمؤسسات المتحكمة في دواليب الحكم، للخبرة الكافية، واكتفائها بالحلول الترقيعية، وافتقادها للرؤية الاقتصادية الاستراتيجية الشاملة، خاصة أن هذه القروض هي فقط لسد العجز الحاصل في الميزانية وليس القيام باستثمارات مربحة تخدم الاقتصاد الوطني.

إن المغرب ألف الاقتراض منذ 50 سنة، لكنه لم يحقق لحد الآن التنمية الاقتصادية التي ما فتئ يبشر بها، وهذا راجع بالأساس إلى فساد النخبة السياسية والنظام السياسي، الراعي للفساد والمفسدين؛ إن المغرب لا يفتقر إلى الموارد الطبيعية والبشرية اللازمة التي تؤهله لأن يكون في مصاف الدول المتقدمة، لكنه يعاني من نهب ممنهج للثروات تحت رعاية النظام السياسي الحاكم.