توطئة

لقد اهتم الإسلام أيما اهتمام بالمسجد نظرا للدور الاستراتيجي والمحوري الذي يلعبه في حياة الأمة الإسلامية؛ إذ يعتبر القلب النابض للدعوة، فمن المسجد تخرج المصلحون والدعاة والقادة والمربون والعلماء المجتهدون، ومن المسجد انطلقت الجيوش والفتوحات، فكان المسجد بحق كما قال الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله: عرين أسود ورياض جهاد ومدرسة جامعة ومقر قيادة أركان الجيش ومجلس شوراهم ذلك أن بيت الله أحق البيوت أن ينطلق منها ويرجع إليها ويتجمع فيها) 1 .

لذا كان منطقيا أن كان أول عمل بدأ به الرسول صلى الله عليه وسلم عند وصوله إلى يثرب بناؤه لمسجد قباء، فكان هو وصحابته الكرام يحملون اللبن وجذوع النخل والنبي صلى الله عليه وسلم معهم يحفزهم وهويقول:

اللهمَّ إن العيشَ عيشُ الآخرَهْ *** فاغْفِر للأنْصار والمُهاجِرَهْ

فجعل الأنصار والمهاجرون يَرتجزون هم أيضًا، ويعملون في بناء الحرم النبوي الشريف بجدٍّ واهتمام، وهم يقولون:

لئن قعَدنا والرسولُ يعملُ *** لذَاك منَّا العملُ المُضَلَّلُ

فماهي إذن الأدوار الدعوية للمسجد؟ وكيف يمكن للمسجد أن يكون منطلقا للدعوة إلى الله عز وجل؟ وما هو واجب الدعاة تجاه المسجد؟

حلق المسجد

إن المسجد لهو الأساس الأول، الذي يجب على المسلمين أن يَبنوا عليه مجدهم وعزَّهم، وسعادتهم في الدنيا والآخرة وهو رمز التوحيد ومناره ومكان القداسة والسجود والعبادة لله وحده قال الله تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا سورة الجن الآية 18.

فالمسجد هو القلب المحرك إلى حمل الدعوة، ونشر العلم والعقيدة، وتوجيه الناس التوجيه الصحيح بالأسلوب الحسن، والوسيلة المناسبة. ويمكن أن نتبين أهمية المسجد في نشر الدعوة من خلال مقولة للإمام الجليل عبد السلام ياسين وهو يحث الدعاة على القيام بمهمتهم بقوله: يفْتَحُ علماءُ الدعوة بابَ التطوُّع، فيُحيُون المساجدَ حتى تكونَ حِلَقُها مدارا لحياة الدعوة، وملتقى للوافدين التائبين، ومُنطلَقا لنشاط التعليم بين العامة، ولمحاربة الأمية الفكرية، في نفس الوقت الذي تحارَبُ فيه الخُرافة، والجهلُ بالله ورسوله وكتابه ودينه) 2 .

ففي المسجد يتم توثيق صلة الناس بالله تبارك وتعالى، وتعميق مفهوم العقيدة الصحيحة في نفوسهم.

وفي المسجد يتم تبليغ سنة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس، وما كان عليه من سيرة حميدة وأخلاق عالية رفيعة ليحذوا حذوه، وينهجوا نهجه. فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “نضَّر الله امرأ سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه، فربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وربَّ حامل فقه ليس بفقيه” 3 .

وفي المسجد، تلقى المواعظ والخطب التي تلعب أهمية بالغة في ترقيق القلوب، وتحبيب النفوس للخير، وترهيبها من الشر والغواية والبدع، وتحذيرهم من الوقوع فيها وذلك بالأسلوب الحسن، وعدم الإطالة على الناس.

المسجد منطلق الدعوة

إن جانب الدعوة والتوجيه وإرشاد الناس هو الجانب الأهم والأعم، وهو واجب الدعاة الدائم واليومي لما في هذه الحركة المباركة من أجر وثواب عظيمين يجنيهما الداعي عند لقاء ربه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم؛ وفي ذلك يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم “والله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم” 4 . وقال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ سورة فصلت الآية 33.

لذا من واجب الدعاة إلى الله أن يتصيدوا ويغتنموا الفرص لمخالطة الناس في التجمعات العامة والمناسبات المختلفة خاصة في المسجد، لأن لب الأمر كله الذي يجب أن تصرف إليه قلوب الدعاة هو ترسيخ أركان ومبادئ الصحبة والمخاللة في المسجد؛ فبالصحبة تتم الممارسة لتعاليم الإسلام ويتشرب المدعو معاني الإيمان والإحسان، والصحبة تحيي في القلوب كل المعاني التي يريد الإسلام أن يربينا عليها ويعلمها لنا من خلال المسجد، وبنورانية الصحبة الصالحة تسري وتقتحم الكلمة الحانية بيسر وسلاسة قلوب الناس ويكون لها الأثر البالغ في نفوسهم. لذا فعلى الدعاة أن يولوا هذه الخصلة الحيز الوافر والقدر الكافي من اهتمامهم، وأن يتيحوا للناس صحبتهم ومعاشرتهم لينعموا ويغرفوا من بركة الصحبة ولا يمكن أن يتم لهم ذلك إلا إذا كانوا دعاة ذاكرين الله كثيرا وصادقين في سعيهم إلى الخلق مخلصين لله في حركاتهم وسكناتهم، وكانوا كذلك أوتادا وعمارا لبيوت الله ملازمين للصف الأول لا تفوتهم تكبيرة الإحرام؛ قال الله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُو وَالاَصَالِ رِجَالٌ لاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَإِقَامِ الصّلاَةِ وَإِيتَآءِ الزّكَـاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مّن فَضْلِهِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ سورة النور الآيات 36 ـ 39. كيف لا والله تعالى وصف دعاة الصدق والحق بالبصيرة حين خاطب حبيبه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم: قل هذه سبيلي أدعوإلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني؟ سورة يوسف، الآية: 108.

هذا بالإضافة إلى الابتسامة الراقية والوجه الباش والسلوك الحسن والخلق الحميد؛ قال الله تبارك وتعالى: ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُو أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُو أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ النحل: 125، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن للمساجد أوتادا، الملائكة جلساؤهم إن غابوا افتقدوهم وإن مرضوا عادوهم وإن كانوا في حاجة أعانوهم، جليس المسجد على ثلاث خصال: أخ مستفاد أو كلمة حكمة أو رحمة منتظرة” 5 .

واجب الدعاة نحو المسجد

إن مصاب المسجد اليوم – في مرحلة الملك الجبري- مصاب جلل؛ فقد غيبت روح المسجد من حياتنا وفقدت بيوت الله دورها الريادي في إحياء معاني الحرية والكرامة والعزة والرجولة، ومقاومة الظلم والفساد والانعتاق من ربقة الفتنة والخنوع والهوان، وأضحت مكانا لتنويم وإضعاف الهمم وتخدير العقول وكبح الإرادات وتثبيط الحركات الدعوية الجادة التي تسعى لإيقاظ الأمة من سباتها العميق، فصار من واجب الدعاة اليوم إرجاع المكانة اللائقة للمسجد وذلك بفضح الخطط الرامية إلى مضايقة المسجد وأهله، وأن يسعوا -إضافة إلى عمارة المسجد ومخالطة أهله- إلى التعبئة الشاملة لتحرير منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخطب الرسمية المقعدة عن الجهاد، المرسخة لعقليات القطيع والممجدة للفاسدين والكاسدين والمهزومين المسطحين. ولله در القائل في حكم الجبر ينبغي أن يكون تحرير المسجد من الإسلام الرسمي مطلبا أساسيا وقبل قيام الدولة ما أمكن) 6 .

إن دعوة الإسلام خالدة وعالمية، وإن حامليها من الدعاة الصادقين لا يجب أن تنتهي مهمتهم بمجرد تحرير المسجد – منطلق الدعوة- بل يجب أن تمتد رحلتهم إلى تبليغ الرسالة المحمدية للعالمين وفي هذا يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله: وإنَّ عطاء الإسلام بعد نهوضنا من كبوتنا إن شاء مولانا القوي العزيز سيكون بحول الله وقوته الخير العميم الذي تحِنُّ إليه نفوس البشر. سيكون هدفُنا الدَّعوِيُّ إبلاغَ الإنسان أينما كان بلاغَ التوحيد، وبلاغَ الأخُوَّةِ بين البشر، وبلاغَ السلام في العالم، وبلاغَ العدل والإحسان) 7 .

خاتمة

وختاما، أتمنى من الله العلي القدير أن ينصر دعوته وأن يكلل جهود الدعاة المخلصين بالنجاح خدمة للمسجد وأهله، وخدمة للبشرية جمعاء لتحريرها من سلطة الهوى والنفس الأمارة بالسوء ومن أغلال وقيود الحضارة الماجنة التي تأسر روح الإنسان وتجعلها عابدة للنزوات المادية لصيقة بالدنيا الفانية مفرغة لها من كرامتها الآدمية.


[1] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص 47.\
[2] عبد السلام ياسين، كتاب إمامة الأمة، الطبعة 1، الصفحة 175.\
[3] رواه أبوداود برقم (3660)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (404).\
[4] متفق عليه من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.\
[5] رواه الحاكم وقال صحيح على شرطهما.\
[6] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص 47.\
[7] عبد السلام ياسين، كتاب إمامة الأمة، الطبعة 1، الصفحة 262.\