قال الله تعالى يخاطب نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم مبينا المهمة التي جاء بها إلى الناس: ومَا أرْسلناكَ إلَّا كَافةَ للناسِ بشِيرًا ونذيرًا سورة سبأ: الآية 28. تبليغ رسالة الله تعالى للناس كافة هو الغاية التي من أجلها بعث الله رسله عليهم السلام للخلق. وأتباع الأنبياء عليهم السلام يسيرون على نهج أنبيائهم وينشرون رسالاتهم. وكذلك الرسالة الخاتمة التي جاء بها الحبيب المصطفى ينبغي أن تبلغ للناس على الوجه المطلوب والكامل وهذا من تمام الوفاء له صلى الله عليه وسلم.

الدعوة إلى الله تكليف رباني وأمر نبوي ووصية العلماء الربانيين

فضل الدعوة إلى الله ودلالة الناس على الخير وجمعهم على الإسلام وإقامة دولة القرآن ما بعده فضل. يكفي أن حق الدعوة قُدِّم في كتاب الله على حق العمل الصالح. قال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ سورة فصلت الآية: 33. دعوة إلى الله تعالى ومعها العمل الصالح، والمقصود التلازم بين دعوة النفس ودعوة غيرك معا إلى الخير. وإنما قدمت دعوة غيرك إلى الخير لأن خيرها لا ينقطع ما دام نسل الداعية الدعوي، أما العمل الصالح فينقطع بموته.

قال تعالى: ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ سورة النحل الآية: 125. دعوة إلى الله تعالى حكيمة تخاطب العقول، محفزة للقلوب، ومحاورة بأفضل وأرقى وأجدى وسائل الحوار والتواصل. دعوة منطلقها وروحها التوجه الكامل للمولى، وحاديها العمل الصالح. وقاعدتها صحبة حاضنة هي نور الدعوة وسراجها، وجماعة راعية هي قوتها وسندها.

الدعوة إلى الله تعالى تكليف المولى لعباده الصالحين، وأمر المجتبى صلى الله عليه وسلم لأحبابه السائرين على نهجه. عن جندب بن عبد الله قال: “أمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لا يَغْلِبُونَا عَلَى ثَلاثٍ: أَنْ نَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَنُعَلِّمَ النَّاسَ السُّنَنَ”. رواه أحمد والدارمي والبيهقي رحمهم الله. يغلبوننا من هم؟

هم أهل الفساد والاستبداد من فرعون وهامان وجنودهما في كل زمان ومكان، ينشرون الفاحشة في الأمة ويحبون أن تشيع فيها، ويخربون كل المعاني الإنسانية والقيم الفاضلة والآداب الرفيعة. يطمسون الفطرة السليمة، ويُسَّخِرون كل الوسائل الإعلامية والتعليمية والسياسية والفكرية لتحقيق ذلك، من مستكبري بني جلدتنا المتواطئين مع الاستكبار العالمي.

الدعوة إلى الله تعالى عند الحبيب المصطفى مغالبة للباطل ومدافعة للمنكر وتكثير سواد أهل الحق والخير. ومن لم نجعله في برامجنا الدعوية وخططنا التواصلية كان هدفا لأهل المنكر. فلا نستثني أحدا.

أما الفضل والأجر والثواب فمنه ما رواه مسلم وأصحاب السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “منْ دَعَا إِلَى هدًى كانَ لهُ مِن الأجرِ مثل أجورِ من اتبعه لا ينقصُ ذلك من أجورِهم شيئاً”.

تعليم الناس السنن ونشر الدعوة هي وصية الإمام المجدد عبد السلام ياسين تغمده الله برحمته قال: أوصي كل واحد منكم أن يعتبر بنشر الدعوة وتعزيز الصف من أحد واجباته بشرط أن يربط سعيه الدؤوب في الدعوة بسعيه الجوهري في التقرب إلى مولاه، إنها لقربة شريفة أن من أعلى شعب الإيمان بل من أسبق سابقات الجهاد أن تدعو غيرك إلى الله. إنها مهمة الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومهنة المصطفين من عباد الله، فتعست همة لا تطمح هذا المطمح، ولا عاش من لا يحمل هم الأمة، الساكن عن الدعوة ساعة من نهار، وفرصة كل لقاء، مثبط قاعد. تكلموا وبلغوا حفظكم الله. إن إيمانك أخي وأختي له أبواب المزيد مترعة حين يشغل بالك بعد ذكر الله عز وجل الدائم المقيم هم تبليغ رحمة الإيمان لغيرك). (رسالة الدعوة صباح الجمعة 25 جمادى الثاني 1406).

الدعوة إلى الله وربيع الأمة

إقامة الدين في الأمة وتبليغ رحمة الإيمان للعالمين لكل إنسان، يطلب من جند الله أن تكون معنويات الإيمان لديهم عالية، وهمة الإقبال على الله تعالى سنية، والرؤية واضحة، والقدرة على الانجاز مستمرة، والمبادرة المقتحمة لا تنقطع أو تفتر. ومن مطالب بناء جماعة المسلمين إعداد القوة اللازمة، ومنها تعزيز الصف وتكثير العدد وتكتيل الجماعة وتوسيع دائرة التعاطف والتواصل مع الكل. قال تعالى: قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ سورة هود: 91.

إن دعوة الإسلام كل الإسلام دعوة منصورة ومستمرة ما زالت تنتشر وتنتشر بفضل رجال التجديد والإحياء، وإسهامات الجماعات الصادقة البانية في كل الأقطار الإسلامية وخارجها، وتفاني الدعاة وبذلهم. رغم كيد الكائدين وحصار الظالمين ومخططات المستكبرين من بني جلدتنا ومن هم على شاكلتهم. وقد عرفت الدعوة الإسلامية مؤخرا مزيدا من تعرف الناس في القطر وخارجه على مشروعها التجديدي الشامل.

وهذا يتطلب منا أن ننسب الفضل لصاحب الفضل، ولَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ولَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ. رواه أحمد وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا. ويتطلب منا أن نعرف المرحلة التي نشتغل فيها وأن الوقت ليس هو الوقت، فلا نبقى مرهونين لأساليبنا الدعوية في السنوات الماضية وكثير من الناس الآن أضحوا أكثر استعدادا وقابلية لسماع نداء: إن الله يأمر.

بشائر النصر ومعالم التمكين التي بدأت تظهر بوضوح مع “ثورات” الشعوب في العديد من الدول الإسلامية، وانبعاث الإرادة في الأمة، والمطالبة بالحرية والكرامة والقضاء على الفساد والاستبداد، فتحت وتفتح آفاقا واسعة ومجالات خصبة للدعوة إلى الله والتغلغل في الشعب والتواصل مع الناس ينبغي استثمارها. فالدعوة قبل بداية الربيع العربي ليست هي الدعوة بعدها. وهذا يقتضي منا اقتحاما أكثر وبذلا أكبر، وتطويرا للأساليب والوسائل، وتجديدا لفنون الدعوة والتواصل، وإيجاد بدائل وخيارات أخرى، وفتح قنوات جديدة وأساليب مبتكرة، وانخراط الكل في حمل الرسالة.

والدعوة عندنا دعوات ومنها: دعوة للانخراط في العمل الجماعي المنظم وحمل أعباء الجهاد والتربية والتعليم والدعوة معها وهذا لا مناص لها منها، هذه هي الدعوة البانية ونقطة الارتكاز، ودعوة تأييد ونصرة وتعاطف مع مشروع الاسلام التجديدي الجهادي. حتى وإن لم يكن من الصف عضوية فهو مع الصف تقديرا ومحبة ونصرة وإعانة…

حمل هم الأمة والسعي لانتشالها من براثين الغفلة عن الله، والسعي بها ومعها حتى ترشد رشدا كاملا فيتحقق العمران الأخوي، إنما هو من صميم شعورك -أخي- بنعمة الله عليك حين هداك للإيمان وجعلك مع الرجال طلاب الكمال وأهله، فتعبر عن شكرك له سبحانه تبارك وتعالى، بأن تدعو الناس إلى الخير الذي تعيشه والرحمة التي تتفيأ ظلالها وتتنسم نفحاتها. هذا هو الوفاء لواجب الدعوة.

كيف نحقق الوفاء لواجب الدعوة؟

يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى: يبقى جانب الدعوة والتوجيه والإرشاد، وهو الجانب الأهم الأعم. هو واجب جند الله الدائم اليومي. وإنما يمكنهم الوفاء لواجب الدعوة إذا هم اعتادوا الهجومَ الأخويَ الرفيق على الناس، ومبادَأَتَهم بالحديث، والتلطف مع كل بما يناسب عقلَه وحالته، والاستعانة بالكلمة الطيبة، والخدمة، والبذل السخي، على تبليغ الدعوة وتحبيب الدعوة. واجب جند الله الدعاةِ أن ينْبَثـوا في المساجد، والمكاتب، والإدارات، والشوارع، والأسواق. فكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يجلس في بيته حتى يأتيه الناس مسلمين. وكذلك فعل من حملوا إلينا الإسلام، قطعوا الفيافي، ومخروا عُبَابَ البحر). كتاب إمامة الأمة: ص 27.

رحم الله الإمام المجدد رحمة واسعة ورحمنا به.

يمكننا جميعا الوفاء لواجب الدعوة إذا أصبح الهواء الذي نتنفسه هو هم الانشغال بالله ثم الانشغال بهم الأمة.

وإن أسهل الدعوة وأعمقها أن تلقى الناس وفي قلبك كل الخير لهم. وتتمنى لكلِّ من تراه أو تلقاه أن يكون وليا لله مجاهدا في سبيل الله تعالى. ثم تتدرج معهم وتدرج بينهم، فتبتسم في وجوههم. ثم الكلمة الطيبة: “السلام عليكم” على من تعرف ومن لا تعرف، حتى تعرف ويعرفك الجميع فيعرف. والسلام سلام ونشر لمعاني الثقة والأنس والاهتمام. وبعد الإيناس كلمة حكمة تلقيها لعلها تكون بذرة خير تغرسها وتتعاهدها بالري حتى يرتوي. والري معناه التفقد المستمر والسؤال الدائم عن أحوال المدعو المادية والمعنوية، والتوجيه اللطيف، وإشراكه في أعمال الخير، والدخول معه في كل خير، والدعاء له بالثبات والاستقامة. أن يكون صديقا لك وصاحبا حتى يكون شجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. يأتيك خراجها كل حين ولو بعد حين.

وهذا حظ الدعوة الفردية وللدعوة الجماعية حظها وعليها المعول. لأن العمل الجماعي الدعوي المنظم أقوى أثرا، وأكثر عطاء ولا نهون من أعمال الأفراد فهما يتكاملان ويتعاونان. وفقنا الله للحسنيين معا. اللهم آمين.

ويمكننا الوفاء لواجب الدعوة إن كان العمل الدعوي الذي ننشده متزنا ومتكاملا ومنظما. وهذا يطلب تصورا واضحا مع الهمة العالية والطموح الكبير وتبادل التجارب وتنسيق الجهود ووضع الخطط، ومعه الشهود الفاعل والوازن مع الأمة في الأفراح والأحزان، وأن نعيش مع الناس آلامهم وآمالهم. معهم في المسجد، في العمل، في المدرسة، في السوق، في الحي.. مع الحرص على الأجيال الشابة من الطلبة والتلاميذ والفئات المتوسطة -عمدة التغيير وقاطرته- ولا ننسى عامة المسلمين والمسلمات.

الوفاء لواجب الدعوة وقوف فاحص لأدائنا الدعوي وانجازنا التواصلي: أعني كم دعوت هذه السنة؟ كم تواصلت هذه السنة؟ كم من الأشجار غرست وغرسنا؟ هل أحمل هم تبليغ كلمة الله إلى الناس فيكون لي شرف الانتساب إلى الأنبياء والرسل والصالحين المجاهدين الدعاة؟ أسئلة مقلقة محرقة ينبغي أن تكون.

الوفاء لواجب الدعوة تحفز وتحفيز لما أستقبله ونستقبله بمشروع كامل، وتأهيل رجال دعاة فعلة، وإرساء لأساليب المواكبة والمتابعة وتعهد الخير الذي نزرعه ونرجو بركته وثماره. مع الصبر والمصابرة والاحتساب والوقوف بين يدي المولى عبيدا منكسرين خاضعين، رافعين أكف الضراعة، أن يستعملنا تعالى في طاعته ونصر دينه ونشر دعوته، وأن يحقق موعوده فينا وبنا، ونرجوه تعالى أن يفتح قلوبا عميا وآذانا صما وعيونا غفلا، وأن يعز سبحانه الإسلام بمن شاء متى شاء.

جعلنا الله هاديين مهديين، صالحين مصلحين، مبشِّرين مبشَّربن، ميسِّرين ميسَّرين، والحمد لله رب العالمين.