في يوم من أيام فصل الربيع من سنة 1975 غادر الحاج إبراهيم الشرقاوي المعتصم مسكنه بالضواحي الراقية لمدينة الرباط، قاصدا مدينة مراكش، موطنه الأصلي حيث ولد وعاش سنوات طفولته الأولى، وحيث لا يزال يحتفظ ببيت والده بالمدينة العتيقة تسكنه أخته السيدة فاطْمة. كان مقصوده من الزيارة صلة الرحم وزيارة الأقارب، ومع ذلك وبالإضافة إلى ذلك، التمتع بربيع المدينة الحمراء، فلهذا الفصل بهذه المدينة نكهة خاصة وطعم متميز. فاعتدال الجو ما بين برد الشتاء القارس وقر الصيف الحارق وانتشار عبير أزهار البرتقال التي تزين أشجاره جنبات الشوارع والطرقات إضافة إلى الحدائق والعرصات، والمشهد الفريد الذي تتجاور فيه الجبال الشامخة وقد تعممت بالثلوج البيضاء مع واحات الصحاري بما تعج به من أشجار النخيل الخضراء، كل هذا لمما يغري بزيارة حاضرة المرابطين وقضاء الأيام ذوات العدد بها.

وعند زيارة ابنة أخته في بيتها، وجد زوجها السي عبد الحميد، مفتش اللغة الفرنسية بالتعليم الابتدائي، منهمكا في قراءة كتاب من حجم متوسط، أبيض اللون تعتريه خضرة، فما أن رآه حتى وثب مستقبلا إياه ومرحبا به. لكن الزائر لاحظ أن صهره وقبل وقوفه قلب الكتاب على ظهره قبل أن يضعه على الفراش الذي كان يجلس عليه، فتبادر إلى ذهنه أن هذه الأمر ربما كان بنية إخفاء عنوانه وموضوعه، فتحرك الفضول في نفسه، لكنه أرجأ استبيان الأمر إلى ما بعد الانتهاء من مراسيم الاستقبال وتبادل عبارات الترحاب. وبعد الجلوس والاستقرار هب السي عبد الحميد لإحضار القِرى. والقِرى في مراكش كغيره من قِرى بوادي المغرب وحواضره، شاي أخضر منعنع. لكنه في مراكش في فصل الربيع، يضاف إليه زهر البرتقال وأعشاب أخرى يدعونها “التخاليط”.

ذ. أبو بكر بن الصديق رفقة الحاج الشرقاوي\

وأثناء قيامه لاحظ الحاج إبراهيم أن صهره اصطحب معه الكتاب الأبيض، فانتقل من الشك إلى اليقين، وتأكد من أن عبد الحميد الحبابي يقرأ كتابا يريد أن يخفيه عن الزائرين.

وبعد عودته عاد ب”صينية” الشاي ترافقه زوجته السيدة زكية تحمل طابقا من حلويات مختلفة. وبعد انبساط في الكلام، توجه الحاج إبراهيم سائلا مضيفه:

– لم أعهدك تقرأ المحظورات، إنما عادتك أن تشرك الزائرين فيما تقرأ وتطالع…

– وكيف عرفت أني أقرأ محظورا؟

– رأيتك تجتهد في إخفاء الكتاب الذي كنت تقرأ، وصحبته معك ولم ترجعه، فأثرت فضولي..

– “تبارك الله عليك” لا شيء يمكن إخفاؤه عنك ؛ نعم بالفعل إنه لكتاب محظور، وموضوعه خطير. إنها رسالة مفتوحة وصلتني عن طريق البريد.

– رسالة مفتوحة؟ من أرسلها وما موضوعها؟

– أما مرسلها فهو السي عبد السلام ياسين…

– عبد السلام ياسين المدير السابق لمركز تكوين المعلمين؟

– هو بذاته صاحب هذه القنبلة؟

– قنبلة؟ عن أية قنبلة تتحدث؟

هذا الكتاب قنبلة من الحجم الكبير !

– الله أكبر، كيف ذلك؟

– إنها رسالة مفتوحة إلى ملك المغرب!

– ملك المغرب؟ الحسن الثاني؟ وماذا يقول له فيها؟

– انتظر، أحضر الكتاب وأقرأ عليك جزءا من مقدمته. فلقد توصلت به وسمعت أن البوليس في مراكش يطوفون على من توصلوا بنسخة منه ليصادروها، وأخاف أن يدلهم ساعي البريد على بيتي، فأنا أسرع لأتممها قبل مصادرتها مني .

– لا بد لي أن أطلع عليها بدوري.

ويحضر عبد الحميد الكتاب/الرسالة.

ويقرأ:

بسم الله الرحمن الرحيم.)إلى المولى الحسن بن محمد بن يوسف حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم المبتلى بالجلوس على «عرش أجداده» في الظروف العصيبة التي يجتازها المغرب خاصة ملكه.)السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.)رسالتي إليك ليست ككل الرسائل؛ إنها رسالة تفرض الجواب عنها فرضاً، وحتى السكوت عنها جواب بليغ. إنها رسالة مفتوحة حرصت أن تحصل في أيدي الأمة قبل أن تصل إليك منها نسختك. لعلك تقرأها كما يقرأ الملوك رسائل السوقة، وعهدنا بالملوك التيه والفيش، لكنك لن تملك إلا أن تجيب عنها بعنف السلطان وجبروته، حين ترفض الوضوح الذي تتسم به النصيحة التي تحملها إليك وإلى المسلمين عامتهم وخاصتهم، أو تجيب عنها بالإخبات إلى الله والرضوخ للحق إن دعاك لذلك النسب الذي شرفك الله به، أو تداركك الله سبحانه وتعالى بنور يقذفه في قلبك تميز به الحق والباطل، وتسمع به الكلمة الطيبة التي جاءك بها بشير هذه الصفحات التي ما خططت فيها حرفاً إلاّ ابتغاء رضى الله ربي، لا عدواناً ولا كيداً، والله حسبي منك ومن العالمين.)وأياً ما كان جوابك يا حبيبي يا حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلن تمنع كلمةَ الحق والصدق التي أصدع بها من غايتها. وسواء برز لي الملك بسلطانه، أو المؤمن عبد الله المسكين بقبول النصيحة، فاعلم أن الله جلت قدرته يقضي ولا يقضي الناس، وأنه تعالى يبعث للأمر المهم أضعف عباده، فيؤيده ويفتح له وبه. وإنني يا أخي المبتلى لذلك العبد الضعيف. وإنني لا أشك في إيمانك لِما بلوت من أخبارك، رغم أعمالك التي لابد أن أحدثك عنها من خارج حتى يتبين لك أي إسلام هو إسلامك، وأي الرجال أنت).

لم يغادر الحاج إبراهيم مراكش قافلا إلى بيته بالرباط حتى استعار نسخة صهره وعكف على قراءتها كاملة.

وغيبت المعتقلات الرهيبة الأستاذ عبد السلام ياسين لمدة ثلاث سنوات ونصف، وغاب الحديث عنه، اللهم ما كان يتداول في بعض الصالونات من ذكر -على تخوف- لرسالته. يفتح المجال للحاج إبراهيم ليتكلم عما قرأه فيها من أفكار ويستمع إلى شهادات الناس في كاتبها، فيكاد يجمع كل من يعرفه أنه رجل يتميز بالاستقامة والطيبوبة وسعة الاطلاع، قبل تعليق الكثير على أنها خطوة غير محسوبة من مرسلها، فماذا جنى من وراء ما فعل إلا أنه ضيع أهله وعياله وحرم الناس من علمه وثقافته؟ كان بإمكانه يضيف المعلقون، كثير منهم، أن يعمل على الإصلاح على مستواه عوض أن يتوجه مباشرة إلى أعلى..).

كان يستمع إلى مثل هذه التعليقات ولا يشاطرهم إياها، فالرجل، وكما يحكي عن نفسه في رسالته المفتوحة التي وجهها إلى الأستاذ عبد السلام ياسين بعد ذلك والمنشورة في العدد الثاني من مجلة الجماعة والتي لنا إليها عودة في هذه الحلقات: عرف المواجهة والصمود أمام المستعمر، وعرف التقلب في الهيئات السياسية الموجودة في البلاد، وشارك في إنشائها، عرف كيف تأسست ثم تفرقت ثم …)

وأنى لمن قاوم المستعمر وتقلب في الهيئات السياسية وعرف التعذيب والاعتقال، أن يتبنى رأي المؤثرين للسلامة وغير ذات الشوكة بأي ثمن، وقد قال في أمثالهم الشاعر:

دعِ المكارمَ لا ترحلْ لبغيتها *** واقعـدْ فإنّك أنـت الطاعمُ الكاسييتبع…