كان الاحتفال بالثورة التونسية في تونس والعالم العربي أيضا هذه السنة باهتا فاترا، وكأن ثورة الياسمين التي ألهمت العالم، وعقدت عليها آمال وأحلام فقدت بريقها وألقها، فحل الإحباط واليأس مكان تطلع الشعوب إلى غد الديمقراطية، وغربت شمس العدالة الاجتماعية والرخاء الاقتصادي.

فلا شيء تحقق، فالاستقرار مفقود والتنمية معدومة، ومكاسب الحرية تتراجع في كل بلدان الربيع العربي، فتونس تخرج من أزمة سياسية لتدخل أخرى، وبمصر سرق الانقلابيون الثورة وصفعوا الشعب على قفاه، وليبيا غارقة في دوامة من الاغتيالات وتجاذبات السلطة بين الثوار وصناع القرار، واليمن فقر وخوف وجوع. أما سوريا فجرح نازف في خاصرة أمة الإسلام، ووصمة عار في جبين إنسانية لم تهز مشاعرها مشاهد إراقة الدماء والجثث والأشلاء.

هذا ما قد يبدو عليه المشهد اليوم، وهذا ما يتم تضخيمه إعلاميا وسياسيا بشكل ممنهج ودراماتيكي، لتكون الرسالة المضمرة “أرأيتم أين أوصلتكم الثورات العربية؟ ألم يكن حريا بالشعوب أن ترضى بقدرها المحتوم وتقبل خانعة بالاستبداد حتى يفتح رب العباد؟ ألا تتحسر الشعوب اليوم على شيوخ الديكتاتوريات العربية بن علي ومبارك وصالح والزعيم القذافي؟ ألم يكن خيار الانتقال الديمقراطي “الممنوح” “السلس” “السلمي” في بعض البلاد أجدى وأنفع وأسلم؟

هذه الروح من التيئيس وازدراء المكاسب وتحطيم الثقة بالذات والإيمان بقدرات الشعوب على تغيير الأوضاع وصناعة المستقبل -التي نجح الربيع العربي في إذكائها- هي ما يراد سلبه اليوم من الشعوب ويراد تبخيسه وطمسه. وهذا ما تشتغل قوى الهيمنة في الغرب التي تلتقي مع الاستبداد المحلي وقوى الثورة المضادة على ترسيخه وتكريسه في النفوس والعقول بشتى الوسائل، لكن بالمقابل ألم يرتكب متصدرو الربيع العربي ونخبه ومثقفوه وسياسيوه ومفجروه الأخطاء؟ ثم أليست هذه المدة والتجربة كافيتين لنقيم الربيع العربي ونتائجه ونتدبر التداعيات والآثار؟ ألم يكن هناك سوء تقدير لكثير من الأمور؟

1- سوء تقدير للاستبداد الدولي ومشاريع الهيمنة

من أكبر الأخطاء التي وقع فيها الربيع العربي أنه راهن على قوى الهيمنة الدولية أي الدول الاستعمارية السابقة، وصدق في فترة من الفترات أنها تريد حقا الديمقراطية والحرية لدول الربيع العربي، وتناسى أنها الداعم التاريخي والراعي الرسمي طيلة عقود لأنظمة الاستبداد والديكتاتوريات في العالم، ولم يدرك أن الحراك العربي كان مفاجأة غير سارة لأنظمة الغرب، راهنت الإمبريالية العالمية على عامل الزمن لاحتوائها وتوجيهها والتقليل من خسائرها، لأن العقل الاستراتيجي الغربي وصل إلى نتيجة أنه إذا لم نتمكن من التنبؤ بالثورات العربية، فإنه يمكن التحكم في نتائجها والحد من تداعياتها) ولهذا تم رسم خطة التحكم وتقليل الخسائر الإستراتيجية على مستوى خارطة النفوذ وعلى مستوى خارطة المصالح. ولو بدعم الأنظمة الديكتاتورية والانقلابات العسكرية.

2- سوء تقدير للتركة الثقيلة

لم تخلف الأنظمة الفارة والمخلوعة والمنهارة تركة ثقيلة من الفساد والإفساد في الإدارة والقضاء والاقتصاد وأجهزة الشرطة والعسكر وحسب، بل خلفت بنية من الفساد والإفساد لم تقتصر على بنية النظام، بل امتدت إلى المجتمع وقواعد الشعب. ولعل من أكبر تجليات الفساد والإفساد فساد الذمم والتسامح مع المفسدين والتعايش معهم والقبول بهم، لأن الفساد استطاع أن يعشش من خلال سياسة التفقير الممنهج ويفرخ في أنفس الفقراء أمراض الانتهازية والأنانية والتربح والإثراء السهل واللامبالاة وعدم المسؤولية والسلبية، ويصيب البنية الأخلاقية والقيمية بأمراض سرطانية مزمنة تلزمها سنوات من إعادة التربية المجتمعية ولا تكفي الهبات الشعبية في اقتلاعها، إذ أن الشعوب استطاعت أن تهزم الأنظمة ورموزها وتسقطها، لكنها لم تستطع تمنيع نفسها من السرطان المستفحل فيها، لأن النخب وطلائع المجتمع –علماء مثقفين سياسين إعلاميين- لم تستطع تهييئتها لهذا اليوم وفق مشروع توعوي وتربوي بعيد المدى.

3- سوء تقدير لطبيعة المرحلة

من أكبر الملاحظات التي يمكن تسجيلها أن مرحلة الربيع العربي وما تلاها مرحلة استثنائية بكل المقاييس، لكن للأسف أدارتها قيادات محافظة بعقليات تقليدية جدا، لم تستطع إدراك مفصلية اللحظة التاريخية، وبالتالي تم التعامل معها بمنطق عتيق وبآليات وأدوات عتيقة، فاللحظة كانت ثورية وانتقالية تصدت لها أحزاب وجماعات وطوائف تشكل وعيها الجمعي بشكل منغلق وفق منظومات فكرية منغلقة، وبالطبع حدث نوع من التنافر بين أطراف الحراك، التي لم تخرج عن إطار الوصاية على الشعب وكرست الفصام بين الشعب والنخب، وتم التعامل مع الشعوب على أنها كتل ناخبة وليس شريكا أمينا على مشروع التغيير، ولم تبتعد كثيرا عن عقلية المعارضة الشعبوية ولغة التجييش والتحريض. وتطور التنازع حول الشرعية من شرعية ثورية أفرزها الشارع وتصر عليه الأقليات، وشرعية انتخابية أفرزتها الصناديق وتصر عليها كتل الأغلبية، وشرعية دستورية تطالب بها المؤسسات، وصولا إلى “شرعية” واقعية فرضها الانقلابيون بعقلية من غلب عليهم بالسيف صار أميرا).

هذا على مستوى إدراك المرحلة والوعي بها، أما تدبيرها فيمكن القول وباختصار شديد بأن القرارات الخاطئة كارثة، والقرارات الصائبة في الأوقات الخاطئة كارثة أكبر، وبالتأكيد لا يستساغ أن يبرر التقصير بقلة الخبرة السياسية.

وبغض النظر عمن يتصدر الواجهة اليوم أو غدا، فإن السؤال المطروح هل كان سينجح الربيع العربي في تحقيق أهدافه أي العدالة والكرامة والحرية وإسقاط الاستبداد والفساد لو قاده غير الإسلاميين؟ هل كان يمكن أن يكون الانتقال الديمقراطي على غير ما نشاهده اليوم وبأقل تكلفة في الأرواح والدماء والجهود؟ وهل كانت قوى الاستكبار والهيمنة العالمية ستسمح لحركة تحرر كوني بالانطلاق دون عرقلة حثيثة؟