كلما حلت ذكرى رحيل أهل الفضل علي وعلى أمثالي من أبناء وبنات مدرسة العدل والإحسان، اعتصر القلب أسى وامتلأت العين دمعا وارتعش الجسد وضاقت الدنيا بما رحبت وازداد الشوق إلى دنو يوم اللقاء، يوم التنعم الأكبر برضا الوالد عن الولد.

حدثتُ الوالد يوما في موضوع كتابة مذكراته وتجربتِه التربوية والسياسية والفكرية. أجابني قائلا: … فقدت والدي الطيني وعوضني الله بوالد روحي سيدي عبد السلام ياسين، انتشلني من أوحال الفتن إلى عالم الذكر ومن ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن دركات الدنيا إلى درجات الآخرة. أحمد الله على نعمه ظاهرة وباطنة، ابتليت بالمرض فأقعدني عن الحركة وأفقدني بصري لكن بصيرة قلبي بقيت تنير طريقي وصوت مصحوبي يرن في أذني. إذا حدثتَ الناس عني فحدثهم عن صاحب الفضل علي، إنما أنا نفل والإمام فرض…).

من الموافقات الربانية العظيمة أن رحيل الإمام المرشد يوافق زمنه رحيل صاحبيه المجاهدين، أهل الوفاء: الأستاذ محمد العلوي السليماني والأستاذ أحمد الملاخ رحمهم الله، بفارق زمني معدود بأربعين ليلة.

كتب الله لرجال الله صحبة صادقة في الدنيا ورحيلا متزامنا إلى الآخرة، ولعل في ذلك حكمة ربانية بليغة تؤكد عمق الأواصر القوية الرابطة بين الرجال الثلاث في الدنيا للآخرة إن شاء الله.

إنها ذكرى رحيل رجال الله: الذكرى الأولى لرحيل الإمام المجدد سيدي عبد السلام ياسين والذكرى الخامسة لرحيل الأستاذ المجاهد سيدي محمد العلوي السليماني، والذكرى الثالثة لرحيل سيدي أحمد الملاخ والتي توافق ذكرى مولد خير البرية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. رحم الله جيل التأسيس والمحبة والوفاء، رحمة واسعة ودائمة.

رحل عن هذه الدنيا الفانية إلى دار البقاء، سيدي محمد العلوي عشاء ليلة يوم الإثنين 02 ذو الحجة 1429 هـ الموافق لفاتح دجنبر 2008 عن عمر يناهز 77 سنة، تبعه بعد سنتين سيدي أحمد الملاخ عصر يوم السبت 10 صفر 1432 الموافق ل 15 دجنبر 2011 عن عمر يناهز 70 سنة، والتحق بهما بعد سنتين أيضا الإمام المجدد سيدي عبد السلام ياسين فجر يوم الخميس 28 محرم الحرام 1434 الموافق لـ13 دجنبر 2012 عن سن يناهز 87 سنة، رحمهم الله رحمة واسعة.

كتب الله للأحمدين صحبة صالحة وصادقة للإمام المجدد في الدنيا والآخرة على محبة الله ومحبة رسول الله ومحبة المومنين، فزهدوا في الدنيا وما فيها وعملوا للآخرة وما فيها، وأعظم ما في الجنة النظر إلى وجه الله تعالى.

تحلق الرجال على القرآن وذكر الله ذكرا كثيرا والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والاستغفار الدائم وتجديد التوبة ليل نهار، واكتسبوا العلم بجميع ألوانه، فاستقر بفضل الله الإيمان في قلوبهم وأشع على أبصارهم ونور عقولهم وانفتحت جوارحهم وأنطقهم الله بلسان فصيح: “أن يا أمة القرآن، هلَموا إلى داعي الله” وأن “يا بني اركب معنا”.

ركب رجال الله سفينة الدعوة إلى الله، وانطلقت باسم الله مجراها ومرساها، وبلغوا نداء الرحلة إلى شاطئ النجاة من طوفان بحر الفتنة والغفلة عن الله.

سخر من سخر من مثقفي البلاد وبلغ سخريته إلى العباد بنعت الإمام – قائد السفينة- بالخرّاف لكون الرجل وصاحبيه زهدوا في المنصب والجاه والحظوة حين قصدوا الحاج العباس القادري رحمه الله، بأقصى المدينة، وتربوا على يديه .

امتعض من امتعض من نصيحة الإمام “الإسلام أو الطوفان”، لقوتها ووضوحها وفصاحة مضمونها، فكان جواب قومه الاعتقال والسجن وحصار دعوة العدل والإحسان.

كل ذلك لم ينل من عزمة الرجال على اقتحام الصعاب، ولم يكبح الهمم والإرادات، بل تحولت الإرادة الاقتحامية إلى قوة اقتحامية تخترق أمواج بحر الطوفان. فكانوا رجالا وأي رجال…

رجال الله جبال شامخة، قممها عالية وأسسها راسية، قاومت كل عوامل الإحباط والهزيمة وتصدت لكل نداءات الانبطاح والدنية، فخطت يمين الإمام الطاهرة منهاج الدعوة والتربية، أصبح بفضل الله علما يُهتدى به في مشارق الأرض ومغاربها. علم شامل متكامل للتربية والتنظيم والزحف، وضع المنطلقات وحدد الغايات ورسم الطريق في الكليات والجزئيات. منهاج لتغيير الإنسان وبناء المجتمع على قاعدة الصحبة الصالحة مفتاح مغاليق القلوب وتنوير العقول. مشروع أسسه الإمام وحمله معه الأحمدان دون التفات أو تردد. سيدي محمد العلوي يبسط المنهاج بحاله وسيدي أحمد الملاخ يشرحه بمقاله، فكانا بحق “ترجمان المنهاج”.

رجال الله أسسوا علما نافعا وعملا متقنا وحركة متوازنة، يشهد على ذلك الخصم قبل الصديق.

التف حولهم شباب وجدوا عند رجال التأسيس بوصلة توجه القلب لقبلة الله وترشد العقل لعلم اليقين والجسم لحركة مجتمعية رفيقة تدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة. معادلة دقيقة وضعها الإمام في علم المنهاج النبوي ترتكز على قوة الرجال وعمق الإيمان ومتانة الخلق والدراية والقدرة على الإنجاز.

معادلة مرنة تجنب خلل القلب بدعوى الروحانية وتجنب خلل العقل بدعوى اكتساب المعرفة وتعالج خلل التقصير أو الإسراف في الحركة.

مدرسة الإمام المجدد رحمه الله مدرسة تحقيق التوازن بين القلب والعقل والجسم، أي التكامل في اكتساب الإيمان والعلم والحركة، تجنبا لمزالق ثلاث يعاني منها جسم الأمة اليوم.

اجتمع علماء الأمة ومفكروها وأحرارها في أقصى الأرض وأدناها في ذكرى الرحيل، وأجمعوا على ضرورة سبر الفكر التجديدي للإمام عبد السلام ياسين، وعرض تجربته على الإنسانية جمعاء قصد تجديد دين الأمة على قاعدة المنهاج النبوي.

رحم الله رجال الله، وجعلنا حسنة من حسناتهم، وجعلنا أبناء بررة يحملون رسالة العدل والإحسان بأمانة ووفاء، إلى يوم اللقاء.