تحت شعار قوله تعالى واجعل لي لسان صدق في الآخرين (سورة الشعراء، الآية 84) عقد المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان دورته السابعة عشرة، يومي السبت والأحد 9 و10 ربيع الأول 1435 هـ الموافق 11 و12 يناير 2014.

وقد حملت هذه الدورة اسم دورة عمر محب) وفاء لهذا الرجل المجاهد، والمعتقل السياسي الجسور، أحد أبناء العدل والإحسان الذي يؤدي وراء القضبان ثمن موقف الحق الذي تقفه الجماعة في وجه الاستبداد، وتذكيرا بمظلوميته التي اتخذها المخزن وسيلة من وسائله الفاشلة في الضغط عليها.

وحضر أشغال هذه الدورة للمجلس القطري للدائرة السياسية (مقدس) مختلف مؤسسات الدائرة وتمثيلياتها المتنوعة، ووفود ممثلة لكل الأقاليم، وفعاليات وخبراء، وضيوف الشرف، وحظ ي بزيارة أعضاء مجلس الإرشاد ومواكبتهم لأعمال الدورة.

وبعد الافتتاح بآيات من الذكر الحكيم، والترحيب بالمشاركين في هذه الدورة، وعرض برنامجها على مدى اليومين المقررين، ذكّر رئيس الدورة، الدكتور محمد سلمي، عضو الأمانة العامة، بتزامنها مع ذكرى المولد النبوي الشريف، داعيا الله تعالى أن تكون دورة فتح للجماعة ولكل الأمة الإسلامية التي تجتاز محنا وظروفا صعبة). كما لم يفت الدكتور سلمي التذكير بتزامن الدورة مع ذكرى تقديم وثيقة 11 يناير المطالبة بالاستقلال شهادة للأوفياء المقاومين للاحتلال المطالبين بالاستقلال).

كلمة الأمين العام

استهلت الدورة بكلمة الأمين العام لجماعة العدل والإحسان الأستاذ محمد عبادي، ذكّر فيها بنفحات ذكرى المولد النبوي وبأنه لا ينبغي أن ننتظر أن يحل ربيع الأول لإظهار الاحتفال، فالأولون عاشوا معه صلى الله عليه وسلم في كل لحظة)، مشيرا إلى أن أمتنا اليوم تعيش ما تعيش من ويلات وأزمات سببها أساسا هو الانحراف عن منهاجه صلى الله عليه وسلم)، مؤكدا أن الإمام المرشد، رحمه الله، كانت حياته وكتاباته ومجالسه تربطنا بالمنهاج النبوي وبالشمائل المحمدية). وبعد أن أثنى على الاختيار الموفق لشعار الدورة ذكّر الأستاذ عبادي المشاركين بوظيفة الدائرة السياسية ودواعي تأسيسها استجابة لمضمون قول النبي صلى الله عليه وسلم: “من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم”، مشددا على مع العمل السياسي نحتاج أن نكون محصنين حتى لا يجرفنا التيار)، معتبرا أنه ما دمنا متمسكين به صلى الله عليه وسلم فنحن في حفظ الله).

وأكد الأمين العام في آخر كلمته أن أمل الأمة معقود عليكم بعد الله تعالى، فشمروا عن ساعد الجد وانطلقوا في مسيرة العدل والإحسان).

كلمة رئيس الدائرة السياسية

ثم تناول الكلمة الأستاذ عبد الواحد متوكل، عضو مجلس الإرشاد ورئيس الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، فحيى المشاركين في الدورة، وحيى وواسي كل من نالهم من الحكم الجائر نصيب من صنوف الأذى والعدوان، ونخص بالذكر الأخ عمر محب)، وسأل الله أن يفرج عن أمة الإسلام، وأن يمن عليها بنصر مبين، وفتح قريب)، كما حيى وشكر كل الهيئات والمنظمات والشخصيات التي تدافع عن حقوق الإنسان وكرامة الإنسان دونما تمييز).

وتطرق رئيس الدائرة السياسية إلى السياق الذي تنعقد فيه هذه الدورة وقد مضى على ما يسمى بالربيع العربي ثلاث سنوات)، وإلى الطروحات الداعية إلى القضاء على الإسلاميين، مؤكدا أن علينا أن نوقن أن إرادة الله فوق الجميع، وأنه منجز وعده لا يخلف الميعاد). ولم يفته أن يذكّر بأن أيادينا ممدودة للجميع)، وأن الحوار في رأينا يقتضي أمورا أهمها الإيمان بجدواه، والثقة المتبادلة، والكف عن اتهام النيات، والبحث عن المشترك، وحسن الإصغاء لما عند الآخر ووجود اقتناع بأن لا وصاية على الشعب).

وفي ختام كلمته تناول الأستاذ متوكل حدث رحيل الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله قبل عام وشهر، ليتساءل: لا أدري كيف كان سيكون حال بعضنا وربما أكثرنا لولا أن الله بفضله وكرمه قيض لهذا البلد رجلا اسمه عبد السلام ياسين)، وأنه من الوفاء أن نذكره في دعواتنا ولا ننساه، وأن نتأسى به وبسيرته ولنتطلع إلى ما يتطلع إليه الصالحون من عباد الله).

الأوراق السياسية

وبعد كلمتي الأمين العام للجماعة ورئيس دائرتها السياسية انخرط المشاركون في الدورة في مناقشة عدد من الأوراق السياسية أبرزها التقرير السياسي للفترة ما بين 8 شتنبر 2012 و9 يناير 2014 الذي قدم قراءة للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي خلال الفترة الممتدة من الدورة الماضية للمجلس القطري للدائرة السياسية إلى الدورة الحالية، مبرزا بشكل مجمل أهم أعمال الدائرة السياسية خلال هذه الفترة)، في ظل تحولات دولية وإقليمية ومحلية غير مسبوقة تلقي بتأثيرها على حال الأمة العربية والإسلامية وعلى بلدنا المغرب). كما تعرض مشروع التقرير للحضور القوي للجماعة في مختلف الأنشطة والفعاليات الداعمة لقضايا الأمة العادلة)، وأكد مشروع التقرير تفاعل جماعة العدل والإحسان مع هذا الواقع بكامل المسؤولية والفعالية والتأثير وعدم التردد في المشاركة أو دعم كل المبادرات الجادة الرامية لمواجهة الاستبداد والفساد والدفاع عن شعبنا ضد السياسات المنتهكة لحرياته وحرماته والحاطة من كرامته والمضيقة على معيشته).

وعرض التقرير بتركيز شديد، معززا بالأرقام لمختلف المجالات التي كانت محط اهتمام الجماعة على المستوى السياسي الذي عرف عودة إلى الاستبداد المطلق)، وعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي حيث تبخرت الشعارات واستمرت الأزمة)، وعلى المستوى الحقوقي، وهو ملف حقوقي ثقيل لم تحجبه المناورات الرسمية الخارجية)، وعلى المستوى التعليمي حيث الدوران في حلقة الاستعجال والارتجال)، وأكد في الأخير على دعوة الجماعة إلى ميثاق جامع يجلس كل الغيورين والفضلاء لصياغة بنوده بكل مسؤولية، لأن في فرقتنا واختلافنا دعما غير مباشر للاستبداد والفساد).

وتطرقت ثاني الأوراق التي ناقشها المشاركون في اليوم الأول للمشهد السياسي المغربي والخيارات الممكنة والرهانات المرحلية. ورامت الورقة تقديم قراءة موضوعية للمشهد السياسي الراهن، عبر تحديد الفاعلين الأساسيين وتحديد التفاعلات الحالية وتوضيحها واستشراف الخيارات الممكنة للجماعة في رسم مساراتها ومواقفها ومبادراتها السياسية المتاحة).

وعرفت هذه الورقة مناقشات مستفيضة أغنتها وسلطت الضوء على مساحات الظل فيها، وأنضجت وشذبت ما تضمنته من أفكار.

ثم طُرحت ورقة أخرى عن التواصل السياسي) تعريفا بأهميته من أجل التعريف والتعارف والدعوة والتربية والاستفادة، ومن أجل تأمين المستقبل بإذن الله، وسد مداخل الاختلاف العنيف، ووضع لبنات الحوار البنّاء، وزرع بذور الثقة، وتوثيق العلاقة مع ذوي المروءات حولنا، بأحيائنا ومدننا، بمعاهدنا ومؤسساتنا، وبكل مكونات المجتمع المدني). وعرضت الورقة أهداف هذا التواصل المطلوب الذي يُكون رأيا عاما مساندا، ويقيم الحجة ويدحض الشبهة، ويعبر عن منفعة عامة، ويجلب الاحترام ويكف الأذى. كما عرضت الورقة الغايات من التواصل، وكيفية التفعيل، والإجراءات العملية، وطبيعة التواصل معهم، وشروطه، وعوائقه، وأسلوبه انطلاقا من دعوتنا التي هي دعوة رفق لا عنف، وصدق لا نفاق، وترغيب لا ترهيب، واختيار لا إكراه).

وتميز اليوم الأول أيضا بتكريم الدائرة لعدد من أطرها التي سبق أن أبلت البلاء الحسن وتحملت العديد من المسؤوليات في مؤسسات الدائرة.

أوراق تنظيمية

وبعد ليل غلب فيه التبتل والوقوف بين يدي الملك المعبود سبحانه دعاءً وعبادة واستمطارا لرحمته وسداده وعونه، افتتح اليوم الثاني من أشغال المجلس القطري للدائرة السياسية، بعرض مفصّل للتقرير التنظيمي لمؤسسات الدائرة السياسية لموسم 2012/2013. وبعد أن تم التذكير بسياق هذا الموسم والذي عرف رحيل الإمام المؤسس الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، والشروع في تنزيل البناء الجديد، تم عرض التقرير التنظيمي في المستويات التنظيمية والتواصلية وإعداد الدراسات واقتراح البدائل. وتوجت هذه المحاور بملاحظات عامة.

وبعد عرض التقرير توالت مداخلات المشاركين في أشغال الدورة، فأبدت ملاحظاتها على التقرير تزكية وتنقيحا وتعديلا وإضافة، في جو من الأخوة والمسؤولية والجدية.

وفي نفس الأجواء عُرضت ورقة أخرى عن روح ومقاصد وجديد البناء الجديد).

رسالة محب والبيان الختامي

وتميزت أشغال الدورة 17 لـ”مقدس” باستضافة الأستاذة المحامية خديجة سيف الدين، زوج المعتقل السياسي الأستاذ عمر محب فك الله أسره، وابنيهما، والذي حملت الدورة اسمه وفاء لجهاده ومصابرته وثباته، وتكريما لثبات عائلته الصغيرة.

وقد كانت لكلمة سيف الدين وقعا بليغا في القلوب والعقول حين جمعت، في كلمتها ورسالة زوجها محب إلى مقدس، بين معاني الصدق والإخلاص والتواضع في عائلة كريمة احتسبت عند الله عز وجل معيلَها و”رب أسرتها” حين طالته أيدي الظلم والاستبداد فقضت في حقه بـ10 سنوات من السجن الظالم، ومعاني الثبات والوفاء والمضي في درب العدل والإحسان وعهد الإمام المرشد مهما كانت التضحيات والابتلاءات لن تثنينا 10 سنوات، ونحن معكم على الدرب سائرون) قالت زوج محب.

ثم كان المجلس على موعد مع جلسة ختامية مفتوحة مع رئيس الدائرة السياسية الأستاذ عبد الواحد المتوكل، ونائبه الدكتور عمر أمكاسو، وعضو الأمانة العامة محمد حمداوي، سيّرها رئيس الدورة الدكتور محمد سلمي. جلسة فتحت مواضيع أخرى ونقاطا جديدة استفسارا واقتراحا وتطويرا لأداء وعمل مؤسسات الدائرة.

لتختتم الدورة السابعة عشرة للمجلس القطري للدائرة السياسية بالبيان الختامي، الذي وقف عند مكامن الاختلالات السياسية التي تسبب فيها وما زال النظام السياسي الحاكم، وشدّد على مضي الجماعة في اختيارها المجتمعي السياسي المنحاز لقضايا الشعب المغربي التواق للحرية، وجدّد دعوة فضلاء البلد والغيورين على مصالحه وأمنه واستقراره لصياغة ميثاق جامع يؤسس لعمل تشاركي تعبئة للجهود واقتساما لأعباء تغيير يعيد للشعب سيادته وقراره في اختيار ومحاسبة من يحكمه، وكيف يحكمه).