تمهيد

لا يغيب عن الباحث في التجربة الشعرية للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله رحابةَ الدلالة في عنوان هذا المقال، التي يمكن أن تثير من بين ما تثيره أمرين أساسيين: الأول في محددات تلقي التجربة الشعرية لديه، والثاني في بعض السمات التي تميز هذه التجربة. ولئن كان من الضروري الوعي بتلك الرحابة الدلالية للعنوان، فإننا سنركز في هذه الأسطر المعدودات على بعضٍ من ذلك، بما يلفت الانتباه إلى المتن الأدبي الخصب لهذا العالم الجليل بالكشف عن منزلته في اللغة والأدب والشعر، فضلا عن الدعوة والتربية، والمعرفة والفكر، والبناء والتغيير… ولمقاربة ذلك، سنعمل على مراعاة ناحيتين: نقدم في أولهما ملمحا عن السِّيرِي الذاتي في شعر الإمام، والثاني يهتم بخاصيتي التربية والعلم اللتين ميزتا هذه التجربة الفنية الفذة.

1 – السِّيرِيِّ الذاتي في تلقي التجربة الشعرية للإمام

أشرنا في مقال سابق 1 إلى أن الإنتاج الأدبي للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله يسير وفق محددات أساسية. وهناك أوضحنا أن الكتابة الأدبية تقع ضمن الإطار العام للكتابة المنهاجية لديه، وهو تبيان المنهاج النبوي التربوي الدعوي الإسلامي، والإقناع بقيمته في البناء والتغيير، وكيف يأتي الأدب خادما شارحا لهذا المنهاج بمزيد من البيان بالإشارة الموحية، والكلمة الشاعرة.

ونود في هذا المقال المقتضب أن نضع بين يدي القارئ الكريم محددا آخر في تجربة الإمام الشعرية، هو السيري الذاتي؛ إذ بالتأمل في دواوينه نعثر في شعره على حس سيري عميق، تتأكد من خلاله فكرة أن الشعر جزء من سير الشعراء، وقطعة من وجودهم، وتعبير عن تجاربهم. ومن خلاله يعبّرون عن معاناتهم، وتنبثق الآمال لديهم ولو من بعيد. يقول أبو القاسم الشابي رحمه الله مخاطبا الشعر:

أَنْتَ يَا شِعْرُ، فِلْذَةٌ مِنْ فُؤَادِي *** تَتَغَنَّـى، وَقِطْعَةٌ مِنْ وُجُـودِي
أَنْتَ يَا شِعْرُ قِصَّةٌ مِنْ حَيَـاتِي *** أَنْتَ يَا شِعْرُ صُورَةٌ مِنْ وُجُودِي
وبالعودة إلى التجربة الشعرية للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، وبدون تفصيل، نجده قد اجتهد –تذكيرا بنعم الله عليه- في عرض جانب من تجربته الشخصية، وما لقيه من شدائد، وما بذله من جهد في هذا السبيل. فمنذ أولى النُّتَف 2 في ديوان “شذرات” 3 يقول:

وَيوم لقاكُم يَا مُنَى الْقَلْبِ مَوْعدِي *** لِطرْحِ حِجَابي وَانْجِلاءِ ظَلَامِـي
رَكَضْتُ جَوَادِي قَاصِدا ذِرْوَة العُلَا *** ودُونَ العُلا بحْرُ المهَالِكِ طَامِـي
تهافتَ جُهْـدِي لاقْتِحَامِ لجَاجِـهَا *** فيا ربّ أسْعْفْنِي وَخُـذْ بِزِمَامِـي
في هذه الشذرة الشعرية تتضافر الصُّور الفنية لتُكون مشهدا بديعا في الإفصاح عن جانب من سيرة الإمام. وفي سبيل ذلك، يضع أمامنا صورةَ فارسٍ يستحث جواده على العدو نحو العلا، المحفوفِ طريقُه بالمهالك وشديد التحديات. وما هذه العقبات إلا بحرٌ طَمَتْ أمواجه، وعَتَتْ مهالكُه. وهي صورة يُسْعف التلقي فيها باستبعاد أي جُنوح في الخيال الشعري، من خلال الإخبار الواصف للجهد بالتهافت بما يَشِي بالتجرد الكامل من الحول والقوة إلا بالله من جههٍ، والاستمرار والإلحاح في الطلب من وجْه آخر…

ولتزداد الصورة إمكانية في التحقق والابتعاد عن الإغراب المذموم في عرف النقد الأدبي، أن يتم عبور تلك اللجاج الطامية على أجنحة التوفيق الرباني، بأن يكون الله عز وجل هو الآخذ بزمام هذا الفارس، والمسعف له على المرور والوصول إلى بر الأمان مهما كان التحدي، ومهما كانت العقبات.

ولا يسعنا المكان في هذه المقال للتفصيل في السيريِّ الذاتيِّ في شعر الإمام رحمه الله، فنكتفي بما ذكرنا. علما أن الموضوع أرحب في شذراته وقطوفه المبثوثة في مجموعته الشعرية، والتي يتحدث فيها عن تجربته الشخصية بباعث التذكير بفضل الله تعالى عليه، عملا بالآية الكريمة وأما بنعمة ربك فحدث 4 ، ولم يكن الحافز الإشادة بالذات تعريفا أو فخرا. على أن الباعث الروحي لم يكن الحافز الوحيد في بث تلك التجربة، وإنما كان موضوعيا أيضا، بدليل تداخل السيري الذاتي لديه بقضايا تربوية واجتماعية ودعوية وعلمية… لا تنفصل عن فكره واجتهاداته بشكل عام.

2 – في خصائص التجربة الشعرية للإمام

إن توظيف الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله للشعر في توصيل المنهاج النبوي، يجسد مرجعيةً تتأكد فيها الوظيفة الرِّسالية لهذا الجنس الأدبي، بوصفه صوتا يخاطب الناس بفنية خاصة. وعن هذه الخاصية الرسالية 5 تنبثق عدة خصائص نركز القول في هذا المقال على اثنتين منها: تربوية وعلمية.

2-1: الخاصية التربوية

تحتل التربية مكانة مركزية في شعر الإمام، بدلالاتها الواسعة. من ذلك معنى التربية بما هي سكينة ورحمة تتنزل على عباد الله عطاء كريما من المولى عز وجل، لقلوب تصافت وتحابت وتذاكرت في الله. والتربية بما هي محضن ينضح بالإيمان ويرشح ماؤه على الجليس الخل الأخ في الله 6 ، اقتداء بالصحابة رضي الله عنهم في شعارهم: “تعال نؤمن ساعة” 7 . وفي هذا السياق، يقول رحمه الله حاثا على مجالس الإيمان والذكر، كما أوصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم 8 :

ابْك بَلْواك واغتنم فضْلَة العمْـ *** ـر لتلقى الجليسَ تَحْمَدُ نَعْتَه
فلنِعْـمَ الجليس نافخ مِسـك *** ولَنعـم التقِيَّ خِـلاًّ تَخِذْتَهُ
مَثَّـلَ الشَّكْل والشَّبيهَ نَبِــي *** هو نورُ الهدى إذا ما اقتبَسْتَه
والتربية بما هي صحبة تبلغ عن الوحي بأمانة، وقدوة ترفع بمثالها الإرادات لطلب ما عند الله عز وجل، وطلب وجهه الكريم. والتربية بما هي ذكر لله، وقرآن يُتلى، وقيامٌ بعبادة الله، وسلوك صراطه القويم، كما أمرنا في كتابه الكريم… وفي هذا يقول رحمه الله 9 :

جاءك النورُ في كتـاب مبيـنٍ *** هو قرآنُ ربّنا، هل قـرأْتـه؟
جاءك الذكرُ في كتاب كـريم *** جاءك الذكـرُ، خُنتَهُ ونسيتـه
جاءك الهَدْي في كتاب حكيم *** للصراط القويم، هَلاَّ سَلكتَـه؟
والتربية كما يراها الإمام صدق مع الله، وكينونة مع الصادقين، تحقيقا لقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين 10 . يقول في إحدى قصائده 11 :

نَسَقَ الصدقِ والتُّقَى فالتزمهْ *** واغتنم ذمة التقي ونعتـه
نعتُه الجَزْمُ واليقينُ بِرَبّ *** صادق الوعد، هل تُراكَ صَدَقتَه؟
واغتنمْ نعتَ مومن صادق الأق *** ـوال ذي ذِمّةٍ إذا ما ائْتَمَنْتَه
وبعد التربية على الصدق، يأتي البرهان، وهو البذل. يقول رحمه الله 12 :

قُم مع الصالحين واغنَمْ دُعاءً *** وسجوداً في ثُلْثِ ليْلٍ سَهَرْتَه
ثُمَّتَ ابسُطْ يداً ببذل كريم *** واكفُل المستعينَ أنَّى لَقِيتَه
بالزكاةِ، الزكاةِ، والبذل شَيِّد *** رُكْنَ بَيْتٍ لدين أنت ارتضيتَه
وبعد البذل تأتي التربية على العلم النافع، والعمل الصالح، والتحلي بالسمت الحسن، وأخلاق التؤدة، والاقتصاد والاستعداد للجهاد في سبيل الله، وكلها خصال أفرد لها الإمام قصائد طويلة للتفصيل في معانيها.

هذه بعض اللمحات التربوية كما بثها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في بعض أشعاره. وهي معانٍ يؤكدها بقوله المنثور: ينبغي أن يكون الأدب الإسلامي وسيلة من وسائل التربية، كلمة لها مغزى، تحمل معنى، تبلغ رسالة. لا أداة تسلية وبضاعة استهلاك. وسيلة تربية وكلمة هادفة تأخذ من العصر وسائله، وتروضها وتتزين بزينة الله، وتتلطف بأشكال المقبول شرعا من أدوات التعبير العصرية كما تلطف مبعوث أصحاب الكهف ليقضي حاجة أصحاب الكهف من سوق كانوا يخشون غائلة أهلها) 13 .

2-2: الخاصية العلمية

عالج النقد الأدبي العربي منذ القديم قضية توظيف المعرفة في الشعر، وتطورت هذه المعالجة إلى تناول البعد المعرفي للأدب. وقديما طرح الناقد الأدبي أبو القاسم الآمدي رحمه الله في الموازنة بين الشاعرين أبي تمام والبحتري قضية (الشاعر العالم). حيث ذهب الأولون إلى أن ما يميز شعر أبي تمام هو توظيفه لمعارفه المختلفة في شعره، مما يستلزم قارئا مدركا لها لاستكمال فهمه لدقائق تعبيره الشعري، وذاك ما ساهم في طرح مشكلة صعوبة شعره على كثير من قرائه وسامعيه الذين سأله بعضهم (لم تقول مالا يفهم؟)، فأجابه (فلم لا تفهم ما يقال؟)، وهذا ما أدى بالآمدي إلى الموازنة ضمن موازناته بين الشاعر العالم، والشاعر غير العالم، منتهيا إلى الميل إلى ثانيهما، لأن إقحام العلم-حسب رأيه- في الشعر يجعل صاحبه عالما أو حكيما وليس شاعرا 14 .

وفي جميع الأحوال فإن الأدب نثرا أو شعرا –باختلاف عصوره وأنواعه وأعلامه- لا يمكنه أن ينفصل عن المعارف والعلوم التي تكون سائدة أو مكتسبة في مرحلة إنتاجه، باعتباره نشاطا فكريا ونفسيا يأخذ مضامينه من ذاكرة الأديب ووجدانه ومعارفه الخاصة والعامة 15 ، وذاك ما يمكن استشفافه حين مطالعة دواوين الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، الذي حرص على توظيف مجموعة كبيرة من معارفه وأفكاره العلمية في سياقات مختلفة. ولعل هذا الأمر يعود إلى شخصيته العلمية والتعليمية التي دفعته إلى أن يتحول إلى معلم للقارئ ومذكر له بمعلومات متنوعة، مما أضفى على شعره مسحة علمية تعليمية.

ولعل أولُ العلمِ –كما يشير في شعره- العلمُ بالله، وما يتصل به من أثر عيني في كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ثم العلوم الكونية التي تنفع إن استعملت لإبطال الباطل وإحقاق الحق. وفي هذا يقول 16 :

أولُ العِلْـمِ يَـا مُسَهَّدَ جَفْنٍ *** يا كَديدَ الفُـؤاد مِمَّا اجْتَرحتَه
أنـهُ عـالمُ الغُيوب شهيـد *** غافرُ الذنـب جل أو كان فلْتَه
وعن الوَحْي -ما له خبر عنه- *** وعـن مُصْحفٍ، إليـه رَدَدْتَه
أسْدِ نصْحاً واتْرُكْ رَحا قَدر اللـ *** ـهِ تَـدُكُّ العصِيَّ مَهْما نَصَحْتَه
إنْ غَوَى وازْدَهى بحِذْقِ عُلـوم *** كَوْنيَّاتٍ لِحِـذْقهن غَبـطتـه
وعن أركان الإسلام، يقول رحمه الله في المنظومة الوعظية 17 :

عَمَد البيْتِ يا أُخَـيَّ صَلاة *** فرضَها والمسنونَ جَزْماً أقَمْتَه
لكِنْ إنْ هُدّ ركن صَوْمٍ وحَجٍّ *** وزكـاة فذا البناءُ نقَضْـتَه
وفي سياق تذكيره بصفحات مشرقة من تاريخنا المجيد، يقول في “شذرات” 18 :

كُنَّا شُمُوسًا فِي سَمَاءِ الْعُلَى *** خَيْـرَ هُدَاةٍ أُخْرِجُـوا لِلأَنـَامْ
فَحِيـنَ أَرْخَيْنَا حِبَـالَ التُّقَى *** قَالَ لَنَا الدَّهْرُ: ارْكُدُوا فِي الرُّكَام
يَا فَتَى الْإِسْلاَمِ قُمْ وَاعْتَـزِمْ *** وَجَـدِّدِ الْوَصْلَ بِعَهْدِ الْكِـرَام
ويقول في “قطوف” 19 في سياق سجالي، باثا للقارئ أسماء ثلة من العلماء المسلمين الأجلاء:

هُـمُ أحاطوا بكلِّ فائِـدةٍ *** إمامُهُمْ في عُلُومِـهِ طُلَعَـهْ
جَمَـعَ كُتْبـاً لَهُ مُعَـدَّدةً *** وبالفتـاوِي أفَـادَ مُسْتَمِعَهْ
فقال: ما النُّعمان مَا مَالِكٌ *** ما الشّافِعِيُّ ما الذين مَعَهْ؟
ما يَصْنَعُ الجهلُ والغرُورُ بِمَنْ *** مَا أَمـرَ اللهُ وَصْـلَهُ قَطَـعَهْ!
هذه النماذج الشعرية وغيرها، وبصرف النظر عن موضوعاتها وسياقاتها، تكشف عن النزعة العلمية للشعر لدى الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله. وهو أمر يحيل على قضية (الشاعر العالم)، أو (الشعر والعلم)، التي برزت قديما وتطورت في النقد المعاصر إلى أفق جديد تبلور في معالجة البعد المعرفي للأدب بتفرعه إلى مستويين: أحدهما يعالج مسألة دور الأدب في إنتاج المعرفة، بينما يهتم الثاني بدراسة استهلاك الأدب وتوظيفه للمعارف المتاحة في مرحلة إنتاجه 20 .


[1] البعد الأدبي في المنهاج النبوي: الشعر نموذجا، عبد الغني العجان: http://www.aljamaa.net/ar/document/50927.shtml\
[2] النتفة لغة: ما تنتفه بإصبعك من نبت ونحوه. والعرب تسمي البيتين والثلاثة نُتفة تشبيها لها بالنُّتفة من الشَّعَر.\
[3] شذرات، ديوان شعر، ذ.عبد السلام ياسين، 1992، (م.س)، ص.7.\
[4] سورة الضحى الآية، 11.\
[5] للمزيد من التفصيل ينطر مقال: البعد الأدبي في المنهاج النبوي، (م. س).\
[6] المنظومة الوعظية، ذ.عبد السلام ياسين، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط.1، ص.22.\
[7] رواه الإمام أحمد بإسناد حسن عن أنس رضي الله عنه.\
[8] المنظومة الوعظية، (م.س)، 38.\
[9] (م.س)، ص.42.\
[10] سورة التوبة، 119.\
[11] المنظومة الوعظية، (م.س)، ص.44.\
[12] (م.س)، ص.46.\
[13] مقدمة المنظومة الوعظية، (م.س)، ص.15-16.\
[14] قراءات في الأدب المغربي الحديث، عبد العزيز جسوس، منشورات زاوية للفن والثقافة، الرباط، الطبعة الأولى، 2006، ص.55-56.\
[15] (م.س)، ص.56.\
[16] (م.س)، ص.50-51.\
[17] المنظومة الوعظية، (م.س)، ص.47.\
[18] (م.س)، ص.49.\
[19] ديوان قطوف، ذ. عبد السلام ياسين، مطبوعات الأفق، الطبعة الأولى، 2004، ص.52.\
[20] قراءات في الأدب المغربي الحديث،(م.س)، ص.56.\