عندما كتب الإمام عبد السلام ياسين نصيحته للملك الحسن الثاني سنة 1974 في رسالته الشهيرة: “الإسلام أو الطوفان” ومعه رجلان الأستاذ محمد العلوي والأستاذ أحمد الملاخ، رحمهم الله، ظنت المخابرات المغربية أن من وراء ياسين والأحمدين تنظيما سريا يعمل في الخفاء كما كان حال اليسار السبعيني الذي تبنى الخيار الثوري. قوة الرسالة وبلاغتها جعلت الإمام يقضي ثلاث سنوات ونصف من الاعتقال في مستشفى الأمراض العقلية بمراكش، وخمسة عشرة شهرا لصاحبيه في دهاليز درب مولاي الشريف، المعتقل السري بالدار البيضاء.

خرج الإمام من المعتقل وصعد مباشرة منبر المسجد ليرقى بالنصيحة لعامة الناس، بعدما قدمها لملك البلاد، مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم” 1 .

1. مجلة الجماعة: الصوت المكتوم

فكر الإمام، بعد منعه من منبر المسجد، ولوج بوابة الإعلام لمخاطبة الناس بمختلف شرائح المجتمع. فكانت مجلة “الجماعة” أسلوبا ثانيا – بعد الخروج الأول للمسجد – في تبليغ ما كان يكنه من غيرة على دين الله عز وجل في هذا البلد وفي كل بلد.

في تقويمه لتجربة المسجد وإقدامه على الإعلام مع مطلع سنة 1979، يقول الإمام في العدد الافتتاحي من مجلة الجماعة: هدفنا بالنشر ودخول المسجد أن نخبر الشعب بأسباب مآسيه يقظين لما يراد من تفريق شملنا بتحريض بعض الإسلاميين على بعض) 2 .

هذا التصريح الصريح للإمام في العدد الافتتاحي من مجلة الجماعة إعلان عن ضرورة العمل الميداني لتحقيق وحدة المسلمين، وتنبيه للحركات الإسلامية من الوقوع في فخاخ التفرقة والتشرذم وحمل الرايات العمية… خاصة وأن أصواتا تتعالى هنا وهناك تعمق الجرح التاريخي بين المسلمين.

علما أن هذه الفترة من تاريخ الحركة الإسلامية في المغرب، عرفت بروز الفكر التكفيري التضليلي، الذي يشهر أصحابه هذا السلاح ضد كل توجه سياسي مناوئ للسلطة انطلاقاً مما يعتقدون أنه منهج السلف في السمع والطاعة وحرمة الخروج على الحاكم.

افتتح الإمام العدد الأول من مجلة الجماعة، في ربيع الثاني لعام 1399ه الموافق ل1979م بدعاء، أذكره بعد 34 سنة للتذكير والتذكر: اللهم إني أعوذ بك أن أنكص على عقبي بعد أن أنهضتني إليك، وأعوذ بك من العجز والكسل ومن الجبن ومن غلبة الدين وقهر الرجال. اللهم إني أعوذ بك أن تكلني إلى نفسي فأسكن إلى غيرك لحظة. وأعوذ بك أن أماري في حق وأن أقول ما لا أعلم أو أقعد عن عمل يرضيك. أعوذ بك رب أن تذروني رياح الباطل عن إتباع سنة نبيك أو تستفزني البوائق من حوالي فأطيش عن قصد التؤدة، وأعوذ بك أن أشك في نصرتك للصادقين فأخشى الناس فيك. اللهم افتح لنا) 3 .

دعاء كله تضرع للمولى عز وجل، بكل تجرد واحتساب، وطلب بالفتح المبين، وها نحن اليوم نعيشه بكل معانيه وشهدت على ذلك حشود كبيرة من الناس لحظة وداع الإمام لمثواه الأخير. فإن ما نراه من تمكن الجماعة وسر قوتها في الصحبة الصادقة، وما مهد الله من انتقال القيادة إلى أيد أمينة، ثم ما نلاحظه من ثمار للغرس المبارك للإمام وعمله المثابر وجهاده الصابر والقصد في السير… لأكبر ما يعزينا عن فقد هذا القدوة الرضى. فكما دعا رحمه الله ب”دعاء الانطلاق”، رغبنا نحن أبناء العدل والإحسان في “دعاء الاستمرار” المنطوق بصوته والمكتوب في وصيته، حيث قال: … أوصي أن يدعوَ أحبابي إخواني وأخواتي من جماعة العدل والإحسان ربنا عز وجل أن يمسك وحدة الصحبة والجماعة في جماعتنا كما يمسك السماوات والأرض أن تزولا…).

حدد الإمام رحمه الله لهذا المنبر الإعلامي وظيفة صناعة رأي عام هادف، الذي تتنازعه نازعات التضليل والتكفير.

عدد افتتاحي تميز بمقالين رئيسيين: الأول للإمام يعطي من خلاله عنوان للعمل المنشود) 4 ، والثاني للأستاذ أحمد الملاخ الذي يدعو القارئ في البحث عن موقف) 5 . برر ذلك الإمام بقوله رحمه الله: مجلة حرر موادها رجلان، ما ذلك لأننا نريد احتكار المجلة للدفاع عن قضايا تخصنا، أو لتكون منبرا نستعلي من فوقه على الناس، لكن لأن إخواننا المؤمنين الذين ينتظرون أن يكون للإسلام صوت مسموع في هذه الديار فصلنا عنهم وفصلهم عنا قواطع الصمت الذي كان مفروضا. وقد زالت إن شاء الله تعالى).

رسم الإمام خطا تحريريا واضحا، لا يكتنفه غموض ولا التواء؛ فكان يبحث عن الأقلام الصادقة وأصحاب الهمم العالية التي تسبر في عمق قضايا الأمة من أجل بلورة رؤية واضحة وحلول مناسبة للمشاكل التي تتخبط في مستنقعاتها. ويوضح ذلك رحمه الله، بقوله: هذه مجلتكم أيها المومنون المقبلون على الله الملتزمون بالإخاء والجهاد. والقضية قضيتكم. غير أننا لا نحب أن ننشر الكلمات الخجولة ولا التي تمت بصلة للذهنية المصطنعة. نحب الفكر الهادف الذي ينم عن إرادة ويخاطب الهمم لارتياد التجديد واقتراح الحل الإسلامي لمشاكل أمتنا الإسلامية الكئيبة بما يفرض عليها من استسلام في وجه الصهيونية وقوى الجاهلية، وانحدار في مهاوي التخلف الاقتصادي والنظام الاجتماعي والإلحاد).

خمس سنوات بخمسة عشر إصدارا لمجلة الجماعة، أي بمعدل ثلاثة أعداد في السنة- منذ سنة 1979 إلى متم سنة 1983- يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أشكال: التعريف ثم التأسيس ثم الموقف، تزامن كل شكل منها مع مرحلة من مشروع الإمام في جهاد بناء جماعة المسلمين ورابطتها:

• مرحلة الحوارات التاريخية: (1979- 1981)، مع نخب سياسية ورجال الدعوة.

• مرحلة عرض المنهاج النبوي وتأسيس أسرة الجماعة (1981-1987)، من أجل انطلاق العمل الدعوي تربية وتنظيما وزحفا.

• المرحلة التمهيدية لتأسيس جماعة العدل و الإحسان (منذ1987).

2. جريدة الصبح

أول جريدة للجماعة، اتخذ لها الإمام رحمه الله هذا الاسم، تيمنا بقوله تعالى: إن موعدهم الصبح، أليس الصبح بقريب. صدر العدد الأول والوحيد بتاريخ فاتح صفر 1404ه الموافق ل 7 نونبر 1983م. العدد الذي حدد فيه الإمام الخط التحريري لهذه الصحيفة، حيث يقول: هذه صحيفة إسلامية، فمكان كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وذكر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والتذكير بقضاء الله ورسوله هو المكان الأول).

كما وجه الإمام نداء للقارئ قائلا: نريد أن تصل الدعوة إليك خالصة، صادقة هادئة رقيقة. نريد أيضا أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يحكمنا القرآن، وينتشر في ربوعنا العدل والإحسان، ويزهق من بيننا الباطل والمنكر والخسران…).

جريدة الصبح، أرادها الإمام رحمه الله فرصة اللقاء وإيقاظ الهمم لحمل رسالة الله بدل البقاء مع المتفرجين الراضين بالتنديد اللفظي العاجز بالباطل، والتشفي بسب الواقع وقراءة مثالبه في الجرائد؟

قضى الإمام رحمه الله حولين كاملين بأقذر سجون المغرب: سجن لعلو بالرباط (دجنبر 1983- دجنبر1985)، بسبب افتتاحية الجريدة التي لم تستسغها حويصلة المخزن.

3. جريدة الخطاب

كلما حاول الإمام الخروج من زاوية الحصار والترهيب والتعتيم، ازداد المخزن حرصا على إنكار وجود الجماعة وكم الأفواه وانتهاك الحقوق كمواطنين لهم الحق في إبداء الرأي الحر وعليهم واجب المشاركة.

بعد مصادرة جريدة الصبح، أصر الإمام- وهو مازال في غياهب سجن لعلو يقضي عقوبته الحبسية- على الصمود في الواجهة الإعلامية نظرا لأهميتها في التواصل مع الناس، فأصدر رحمه الله جريدة الخطاب 6 ، تيمنا بقوله تعالى: وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب 7 .

في افتتاحية الخطاب، تساءل الإمام:

• من أوقف “الصبح”؟ ولم أوقفها؟

• في أية كلمة، وفي أية صفحة عثر القامع للحريات من كاتبي التقارير على مقالة حق لم يجد عليها جوابا إلا بالتعسف وخرق قانون الحريات العامة؟

طرحت صحيفة الخطاب أسئلة صريحة على من أراد أن تغيب شمس “الصبح” أول بزوغها كانت تتغيى إبعاد الشعب عن عتمة الظلام.

فما كان جواب قومه إلا الإصرار على استمرار الحصار والاعتقال!!

4. مؤسسة مواقع مدرسة الإمام المجدد عبد السلام ياسين مرشد العدل والإحسان

واكب الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله الثورة الإعلامية الحديثة، وذلك من أجل تطوير التواصل الفعال وبلغات عديدة مع العالم عبر الشبكة العنكبوتية، التي أصبحت وسيلة فعالة وسريعة لإيصال الخطاب بالصوت والصورة لكل الناس، ولتوفير مكتوبات الإمام للباحثين والمهتمين وللشباب نساء ورجالا من أجل اكتشاف علم المنهاج النبوي واقتحام الحصار المفروض على الإمام وفكره التجديدي.

التواصل الإعلامي عبر الشبكة العنكبوتية، تم منذ سنة 2000، بإنشاء مؤسسة مواقع الإمام التي تضم:

موقع مدرسة الإمام المجدد عبد السلام ياسين مرشد العدل والإحسان: www.yassine.net

موقع سراج: siraj.yassine.net، الذي يعرض كل كتب الإمام.

موقع مؤتمرات نظرية المنهاج النبوي: yassineconferences.net

موقع بصائر: مكتبة الوسائط المتعددة للإمام عبد السلام ياسين: www.yassine.tv

5. لقاءات فكرية وصحافية مميزة

مما يجدر ذكره والإشارة إليه تلك الأقلام الغربية التي كتبت استكشافا لفكر الإمام خاصة بعد إصداره لكتاب باللغة الفرنسية: “La révolution à l’heure de l’Islam” كالبروفسور John P.Entelis من جامعة Fordham الأمريكية، أو الكاتبة Julia klander، أو مترجم كتاب “الإسلام والحداثة” للأستاذ عبد السلام ياسين إلى الإنجليزية البروفسور Tomas Magnire، أو السفير الألماني الأسبق في المغرب Wilfried Hofmann، أو Bruno Etienne في كتابه “l’islamisme radical au Maroc”، أو الكاتبة François Soudan في كتابها “la panthère bondissante de l’islamisme”.

أما المقابلات الصحافية، فكان أهمها تلك التي تمت ببيت المرشد رحمه الله، في عز الحصار بتاريخ 10 شعبان 1407ه، الموافق ل 9 أبريل 1987، مع صحيفة “وول ستريت جورنال” 8 الأمريكية في شخص ممثلها بباريس المستر “ريفزن”، الذي صرح قائلا: إنه بصدد إنجاز ملف عن الحركة الإسلامية في العالم الإسلامي لتكوين رؤية صحيحة عنها وتقديمها إلى الشعب الأمريكي، لأنه لا يفرق بين ما يجري في إيران، وبين جماعة الإخوان المسلمين، ولا يفرق بين اتجاهات الجماعات الإسلامية الأخرى).

كما تمت مقابلة لا تقل أهمية عن الأولى مع “فرانسوا بوركا” أستاذ في العلوم السياسية وصاحب كتاب: “L’Islamisme au Maghreb :La voix du sud”. مقابلة دامت ثلاثة أيام، خلصت إلى أن للإمام فكرا وأن للجماعة نبضا حيا وموقفا سياسيا وتنظيما معلنا كتب سلمها التنظيمي قبل الظهور. حقيقة اكتشفها “بوركا” في لقائه مع الإمام ونقلها بأمانة في كتابه أن الإمام يؤمن بضرورة التعامل مع الواقع ومد جسور التواصل مع العالم وبسط الأفكار في الداخل والخارج. إغلاق السمع والبصر والعيش في القوقعة المغلقة والعمل المنغلق لا ينفع الدعوة، بل هو مسار خاطئ يجعل الغرب يخاف منك

إن اهتمام صحيفة عالمية بإجراء مقابلة مع الإمام المرشد بواسطة مدير مكتبها بباريس، ينم عن وعي الغرب بعمق فكر الرجل الذي يحاور الإنسانية كلها بل لا يلغي الموروث البشري بمختلف اتجاهاته ومدى مساهمته في بناء الحضارة الحديثة. كل ذلك فصله الإمام تفصيلا في كتاباته خاصة كتاب “أسلمة الحداثة: Islamiser la modernité” 9 .


[1] رواه البخاري ومسلم.\
[2] العدد الأول من مجلة الجماعة، ربيع الثاني1399ه، الموافق لمارس 1979.\
[3] العدد الأول من مجلة الجماعة – ص 3، ربيع الثاني 1399ه، الموافق لمارس 1979.\
[4] العدد الأول من مجلة الجماعة – ص 27، ربيع الثاني 1399ه، الموافق لمارس 1979.\
[5] العدد الأول من مجلة الجماعة – ص 70، ربيع الثاني 1399ه، الموافق لمارس 1979.\
[6] جريدة الخطاب: صدر العدد الأول بتاريخ 15 ربيع الأول 1404ه، الموافق ل19 دجنبر 1983، الإيداع القانوني: 1983/65. المدير المسؤول: ذ.عبد السلام ياسين. تم توقيفها نهائيا مع مصادرة العدد الأول بتاريخ الشهر 1984.\
[7] سورة ص، الآية 20.\
[8] صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية لها شهرة عالمية وتباع في كل بلدان العالم، وهي ناطقة باسم الرأسمالية، معبرة عن حال الاقتصاد الأمريكي.\
[9] كتاب كتب باللغة الفرنسية، ثم ترجم إلى العربية وهو يقع في 366 صفحة.\