1. مقدمة

قال الله عز وجل: لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ووالد وما ولد لقد خلقنا الإنسان في كبد.. إلى قوله تعالى: فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ. فَكُّ رَقَبَةٍ. أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. يَتِيماً ذَا مَقْرَبَة. أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ. ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَة. أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ (سورة البلد).

تعتبر سورة البلد محددا أساسيا في الفكر المنهاجي للإمام رحمه الله، حيث يكتب في كتاب مقدمات في المنهاج:

وأرى أنا العبد العاجز أن التفاهم بيني وبين قرائي الأعزاء أزداد عنه عجزا إن لم أقدم المفاهيم الرئيسية التي تشكل الحبل المنهاجي الحامل لمضمون ما أريد تبليغه بحول الله. رأس هذه المفاهيم العبارة المقتبسة من سورة البلد: “اقتحام العقبة” إلى الله عز وجل. هذه العبارة لم آخذها صدفة، إنما توفيق الله عز وجل سبق، فإذا بالعبارة حبلى بكثير من العلم. فعل الاقتحام سبق ذكر العقبة. يعني هذا كثيرا… عقبة يجب على الإنسان أن يقتحمها ليعرف مولاه وخالقه، وليرضى عنه، وليسعده السعادة الأبدية. جدلية الطبقات الاجتماعية هل يمكن الروغان عنها؟ اقتحام العقبة إلى الله عز وجل ينقلنا من آفاق الثورة الطبقية والاستبداد الطبقي إلى إمكانية الأخوة الإنسانية.اقتحام العقبة إذن تحرك إرادي تتعرض له العقبة فتمانعه ويغالبها حتى يتم الاقتحام. حركة الفرد المؤمن في سلوكه إلى الله عز وجل، وحركة الجماعة المجاهدة في حركتها التغييرية، وحركة الأمة في مسيرتها التاريخية) 1 .

مشروع تجديدي بثلاثة أبعاد:

– الفرد المؤمن.

– الجماعة المجاهدة.

– الأمة.

بين يدي كل بعد يضع الإمام آيات وأحاديث موجهة ومنيرة ومستنهضة، فعلى الفرد المؤمن يقترح حديث سيدنا جبريل عليه السلام في مدارج الإسلام والإيمان والإحسان، وفي البعد الثاني يستقرئ الإمام قوله تعالى من سورة آل عمران: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون، أمة منكم. أمة خاصة من الأمة العامة. جماعة ملتئمة متضامنة ملتحمة، كما تدل على ذلك كلمة “أمة”) 2 ، وفي البعد الثالث يستبشر ويبشر بحديث الخلافة على منهاج النبوة يسد الخلل، ويصل آخر الأمة بالأول) 3 .

يجيب الإمام رحمه الله عن سؤال “كيف” للمشروع العدلي الإحساني من خلال المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا.

الطفولة وموضعها في مشروع الإمام التجديدي

يتناول الإمام موضوع الطفولة من خلال الأبعاد الثلاثة لمشروعه التجديدي، لذا تجده يعرج عليه في جل كتبه، وقد خص الموضوع بفصل كامل من كتاب تنوير المومنات تحت عنوان الأمهات المومنات صانعات المستقبل).

يستهل الموضوع ويبسط بين يديه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتَفَع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له” 4 .

أول علم نستفيده من هذا الحديث الكريم هو أن الولَدَ من عمل الإنسان. الولَدُ خلْقُ الله وعمل الإنسان. الإنسان مسؤول عن ذنوبه يُعاقب عليها إلا أن يتوب فيغفرَ الله له، مجازىً على حسناته إن تقبلّها الله الكريم قَبولا حسنا. )إذا استقر لدينا، والحديث دليـل قاطع، أن الذريَّة -صالحةً أو فاسدةً- هي من عمل الإنسان، لا ينفي كونُها خلقا لله كونَها عمَلاً للإنسان، فقد توجّه أمامَنَا عِظَمُ مسؤولية الإنسان عن ذريته: تصلح إن أصلحها، وتَفْسُدُ إن أساء تنشِئتها. فيترتب على هذا المنطقِ المستنير بنور الوحي ونور التوجيه النبوي منهاج المسؤولية البشرية عن صلاح الأجيال وفسادها. لا يهدي للصلاح إلا الله، لكن الهداية الإلهية يقيض الله لها بشرا يهدون. والغَوَايَةُ تضليل من شيطان جن أو شيطان إنس) 5 .

هذا فيما يخص البعد الفردي المتعلق بالمومن والمومنة وعملهما “الولد”. أما في البعدين الآخرين فيرى الإمام أن على جند الله حوْط عملية إحياء الفطرة، وتغذية هذه العملية، وتقويمها، وتربيتها. رأينا إبليس مع حزبه في مؤتمر، وقرأنا اهتبالهم بمخرب البيوت) 6 . فعلينا رجالا ونساء أن تكون الأسرة المسلمة على اتصال واستمداد بالأسرة التربوية التي تحضن الشباب في جماعات. ولا يفوتنا في نفس الوقت أن نراقب سير الدولة. وللدولة والتقنية والتدبير رجال الخبرة والتجربة. علينا أن نبحث عن هؤلاء الأقوياء، نضعهم تحت إمرة الأمناء على أمر الله. لنفرغ جهدنا أساسا على بناء الرجولة النورانية من قواعدها، من بيوت الله المتصلة عضويا ببيوت المسلمين، ومدارس المسلمين، ومؤسسات المسلمين، وإعلام المسلمين، وحياة مجتمع المسلمين) 7 .

2. منطلقات

الفطرة

روى الشيخان وغيرهما واللفظ للبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ما من مولود إلا يولد على الفطرة. فأبواه يهودانه أو ينصراه أو يمجسانه. كما تُنتَجُ البهيمة بهيمة جمعاءَ.هل تُحِسُّونَ فيها من جدعاء!” الحديث.

ينطلق الإمام من هذا الحديث يستقرئه ويستهدي بهديه بين يدي المشروع التجديدي لأجيال الخلافة الثانية الموعودة: الفِطرة الخِلقة. والحديث يخبر أن المولود الجديد يولد مسلما كامل الاستعداد لتلقي العلم بالله والقَبولِ، إنما تتناوله تربية الأبوين الكافرين فيحرفانه عن الإسلام ويهودانه وينصرانه ويمجسانه. أَستغفر الله العظيم قبلُ وبعدُ: أو يغَوّثانه. قياسا على أن التهويد والتنصير والتمجيس درجة قصوى من تحريف المولود، فالتغويث وهو درجة أدنى، أهوَنُ أن يَنالَ وبالُه المولودَ من فعل الأبوين. ويقاس كل مؤثر تربوي على الأبوين في مَسؤولية الحفاظ على فطرة المولودين أو تحريفها.)في رواية لمسلم: “ما من مولود يولد إلا وهو على المِلة”. والملة الإسلام. )اندرجت مسؤولية المربين، من والدين أساسا، ثم مَدْرسةٍ ورُفقةٍ وجامعة، وهلُمَّ جَرّاً إلى كل ما يخاطب العقل ويناجى السِّرّ من مؤثرات البيئة، في مشيئة الله وقدَره. إن شاء سبحانه قيض علماء أجلاء مربين سماهم في زِمامِ اصطفائه حسن البنا والمودودي والندوي وقطب وسائر هؤلاء الأئمة الرافعين لِواء البشارة بغد الإسلام، المنيرين فجر الإسلام، هذه أشعته في طلعة أجيال الصحوة. تتلوها يقظة إن شاء الله فقومة) 8 .

التغويث

يأخذ الإمام مفهوم التغويث من مثال غثاء السيل الوارد في الحديث النبوي فيعرضه على مفهوم التكثير من حديث المكاثرة النبوي فيخلص إلى ضرورة التكثير النوعي لا الأرنبي. يقول الإمام نوسع من نظرة الفقيه النوازلي لنطالع المسؤوليات السياسية الاقتصادية الجهادية وما يجب على الأمهات المومنات من تكثير نوعيٍّ قويٍّ، لا غثائيٍّ عالَةٍ على أمة متسكعة متسولة) 9 .

الصحبة

يورد الإمام لهذا الركن الركين في مشروعه التجديدي وصايا قرآنية للقمان الحكيم وأخرى نبوية: قال الله تعالى:)ووصينا الإنسان بوالديه، حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين. أن اشكر لي ولوالديك. إلي المصير. وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما. وصاحبهما في الدنيا معروفا. واتبع سبيل من أناب إلي. (سورة لقمان، الآيتان: 14-15).)وانظر عند الشيخين قصة جريج حين قدم صلاته على تلبية حاجة أمه. فهي موعظة لنا ألا نعق والدينا، ولا نقاطع أقاربنا، باستعلاء العابد الذي يحسب أن ركعاته تغنيه عن بر من أمرنا ببره.)أضل ما يمكن أن يكون الأبوان أن يدعوا الولد والبنت لكفرهما. وما أمرك الله عندئذ بالعنف عليهما. إنما أمرك برفض الكفر مع إبقاء علاقات الصحبة لهما بالمعروف. فما بالك بمن يعق والديه المسلمين لبدعة إضافية أو معصية.)واتبع سبيل من أناب إلي: ينبغي للمربي المتبع -أرأيت أن الله عز وجل ما ترك لنا فرصة للحث على صحبة الأخيار إلا خاطبنا بها- أن يقود برفق حركة التجديد في الأسر، لتحبيب الإسلام للناس، وتفادي معصية الله تعالى بتعريض النشء للعقوق. ومتى كانت الأم صالحة فهي أول صحبة نافعة أمر الشارع صلى الله عليه وسلم برعايتها.)“روى الشيخان أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: “من أحق الناس بحسن الصحبة؟” قال: “أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك ثم أدناك أدناك””. أي الأقرب فالأقرب. هذا إن كانوا صالحين وصحبة الأخيار هي المعتمد على كل حال.)علموا الشباب صلة الرحم وصلة القريب) 10 .

الواقع المؤلم

واقع الطفولة في العالم وفي أمة المصطفى صلى الله عليه وسلم باعث على الألم والأمل في نظرة الإمام رحمه الله، يعرض واقع الطفل الفلسطيني والعراقي-ولم يعش رحمه الله ليرى واقع الطفل السوري- فيقول:

والأدهى من ذلك أن الطفولة العراقية تهلِك كل يوم بحيث يعيش خمسة وعشرون في المائة منها، حسب منظمة الصحة العالمية، في حالة ميئوس منها، كما أن ربع الأجيال العراقية القادمة سيعاني من شتى أنواع الإعاقة البدنية أو النفسية.مثال آخر يتمثل في أطفال الانتفاضة الفلسطينية الذين تعرض مأساتهم على شاشة التلفزة باعتبارها ظاهرة سياسية. لم يَعد منظر الطفل الذي صرعته رصاصات الجندي الإسرائيلي يمزق قلب أحد. كما أن وسائل الإعلام لا تتحدث إلا نادرا عن الوضع المخزي الذي تعيشه الطفولة في ديارنا، بينما هي لا تمل من إدانة “التطرف” و”الإرهاب” المفترض أن يكونا دائما إسلاميين) 11 .

فللطفولة من رعاية الإسلام المكانة الحانية. وما أحوج عصرنا، يأيها المسلمون، لمن يَمُدُّ يد الرحمة لأكثرَ من أربعين ألف طفل يموتون يوميا في العالم. الإحصاءُ ووسائل العصر منادٍ للرحمة من خارج، فانهضوا يأيها الأبرار ولَبُّوا بباعثكم القلبي) 12 .

بركة هي هذه الأعداد الهائلة من خلق الله التي تبرزها قدرته سبحانه إلى الوجود. وفي طي هذه البركة ابتلاء.)وإذا الموؤودة سئلت، بأي ذنب قتلت. قتلها الاحتكار الجاهلي لخيرات الأرض، وقتلتها الحضارة المادية التي تردت بالإنسان إلى مرتبة الرقم المحايد، وقتلتها أنانية الرجل والمرأة بعد أن أفسد مجتمع الاستهلاك، وتجمعات الإنتاج الضخمة، فطرتهما) 13 .

فترة مؤسسة لما بعدها

يورد الإمام وصية الإمام الغزالي رحمهما الله: فإن الصبي مهما أُهْمِل في ابتداء نشوئه خرج في الأغلب رديء الأخلاق كذابا حسودا سَروقا نماما لَحوحا ذا فضول وضحك وكِيادٍ ومَجانةٍ. ‘ويعتبر‘ ذكريات الطفولة مؤسسات للشخصية) 14 .

كل مرحلة عمرية تؤسس للتي تليها حتى تكتمل الشخصية المومنة. يقول الإمام: مستقبل الذرية حتى تتعلم وترشُد وتتزوج وتندرج في الحياة. صنع المستقبل السياسي للحركة الإسلامية مصاوَلةً ومطاولةً للمبطلين. صنع تاريخ الإسلام. مسألة أجيال، مسألة قوة أجيال، مسألة كفاءة أجيال، مسألة إيمان أجيال، مسألة تربية أجيال، مسألة تأصيل أجيال، مسألة توصيل أجيال لتستقي من ينابيع الوحي وتستنير بأنواره. والحمد لله رب العالمين) 15 .

هنا يجلي الإمام مجملا سمات أجيال الخير التي ينشدها في مشروعه التجديدي بين يدي الخلافة الثانية على منهاج النبوة، ويضعها منطلقا للجواب عن “الكيف”.

3. المؤسسات المؤثرة

يرى الإمام أن ثمة مؤسسات-يسميها الإمام محاضن- وعوامل مؤثرة في شخصية الطفل تتكامل أدوارها وتتداخل تربية وتدريبا وتعليما:

الأسرة

أول محضن يأوي إليه الطفل ويتشرب من ساكنيه هو أسرته، وأول من يصحب في هذا المحضن أمه، فنجد الإمام يولي اهتماما خاصا بالأسرة حيث يعتبرها منطلقا وبرجا استراتيجيا ومشتلا: من برجها الاستراتيجي الجهادي تبعث المومنة بُعوثا في طليعتها البنات والأبناء، حفاظا عليهن وعليهم على الأقل، إن لم يكن الاستعدادُ ليسبِق الفارِسُ مُجَلِّياً. جيل يتقدم بالدعوة قُدُماً بعد جيل، راسخا علمُه بما هي المهمة، ثابتة أقدامه، متوكلا على ربه. ويَكون برج المومنة مشتلاً لتربية الشجر الطيب، ومنطلقا للبعوث الغازية، لا مجَّردَ ملاذٍ في الأحضان، ومَرْفإٍ للمراكب المنكسرة، ومطعمٍ ومضجع) 16 .

ويعتبر الإمام الأبوين والأم على وجه الخصوص عاملا رئيسيا في معادلة التربية وإحياء الأمة: ما يرفَع المرأة إلى القداسة إلا أمومتها، وما يرفع الرجل إلا أبوته، يُذْكَر حقهما بعد حق الله مباشرة في قوله تعالى: )وقـضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه، وبالوالدين إحسانا. (سورة الإسراء، الآية: 23) وما من أمومَةٍ تستحق اسمها وتنال من الله عز وجل نوالها إن كان العمل فاسدا، إن أنجبت غُثاءً كغثاء السيل، إن أساءت تنشئة نسلها، وأهملته، وأسلَمَتْهُ إلى غيرها مِن وَسَط منحل، وإعلام مفسد، وشارع سائب، ورفقة مُضلة… أمومة مَصُونةٌ مستقرة في بيتٍ مدرسةٍ. أهم ما نُعِد لهم من قُوَّة أمومة مبرورةٌ بَرّةٌ مربية، تصنع مستقبل العزة للأمة… إن الأسرة القوية عماد الأمة القوية، والأم المربية المصلحة عماد الأسرة) 17 .

المدرسة

هي بمثابة المحضن الثاني للطفل، وعلى انسجامها مع الأسرة وأهدافها يتوقف خروج الطفل من الارتباك، ويتعين توسيع آفاقه من إدراك. يقول الإمام: إن إصلاح البيئة الأسَرية تهييء لينشأ الطفل في سنواته الأولى على حَسَن العادات، وليتعَلَّم العلم النافِعَ من الأم والأب والإخوة الكبار، وليستعد للانطلاقة الجدية في المدرسة. الأسرة والمدرسة لكل منهما مهمة تكمل الأخرى. )تعترض الأم الجادة فتسأل: أية مدرسة؟ مدارس التعليم الأساسي التي لا تمحو الأمية الأبجدية إلا عن نسبة قليلة من التلاميذ؟ أم الثانويات المختلطة التي تهضِم في أحشائها المختلطة مراهِقات ومراهقين لتقذف بهم في بوتَقَةِ تخريج المعْطوبين نفسيا، السطحيين معرفة، الـمُخَدَّرين المنحرفين؟) 18 .

يسأل الإمام ويجيب وهو الخبير بواقع المدرسة والتعليم: ينبغي النظر في برامج التعليم للسنوات التسع الأولى من حياة الأطفال لتندرج كلها في كنف القرآن، وتستشهد به، وتستند إليه.)بدل هذه المحفوظات المتصابية التي تحدث الطفل عن سعاد كيف احتضنت دميتها، وعن سعد كيف لعب مع قطته، نقص على الآذان الطرية قصص القرآن. وفي القرآن أحسن القصص. ليس تأتيه الجاذبية من طرافة مواضيعه لكن من نورانية مصدره، وقوة ندائه.)وبدل أن نعلم الحساب في مجردات أو مخشبات لهوية نعلم الحساب في الخمس الصلوات وركعاتها وسجداتها وأنصباء الزكاة. وللمخشبات والمجسدات والصور مكانها خادمة لا مخدومة.)وبدل إسناد دروس الأشياء إلى ملاحظة الظواهر وحدها، نوجه فكر الأطفال إلى تدبر ملكوت السماء والأرض، وما خلق الله من شيء. ولا يتنافى هذا مع تدقيق الملاحظة، ورصد تفاعلات الأكوان.)بدل تعليم مادي يطمس الفطرة، تعليم قرآني يحييها. )وهل فنون البيداغوجية وعلومها، وهي نتيجة تجارب، لا يسمح لها في قانون فاقدي المنعة إلا بخدمة أهدافهم؟)كلا، بل نجند كل هذه العلوم ووسائلها ومشوقاتها لخدمة القرآن والتأهيل القرآني لمعارف الطفل. ونجند بعد ذلك بيداغوجيات التعليم الخاصة لخدمة الأهداف الإسلامية على كل المستويات. لا نعترف لأي كان باحتكار الوسائل العلمية.)ونراقب تجارب الأمم لنستخرج منها الدرس في علاج الخلل الملازم لمنظومات التعليم في بلادنا المتخلفة.)لهم دينهم الثقافي القومي، ولنا ديننا) 19 .

عنوان آخر يطرحه الإمام لمدرسة أجيال بناء الخلافة الثانية: مدارس حية بالعلم والعمل. انتقالا من المدرسة الأجنبية شكلا، وذوقا، ومعلمين، ومادة، وتوقيتا، ونظاما،تعانقُ المدرسة الإسلاميةُ والمعهد والجامعةُ أحوال معاشِ الشعب وهمومَه ومشروعاته المحلية. ترتبط بالحياة العامة، بالعمل في الحقل، والمرافقِ الصحية، والمعمل المحلي، والتخطيط المستقبلي، والدعوة، ومحاربة الجهل. ليكن التلاميذ والطلبة والأساتذةُ بناةَ الإسلام في الصف الأول، وليكنْ الاعتمادُ عليهم مَدْعاةً لشعورهم بالمسؤولية، والافتخارِ بقيادة العمل…… )مدارسُ منتجةٌ في كل المجالات، مستقلة ماليا بما تنتجه، غيرَ عالة على الدولة كما هو الشأن في الكارثة التي يسميها حكام الجبر نظاماً تعليميا. هدفٌ ضروري لمجتمع إسلامي يريد الأمنَ الغِذائي، والتصنيعَ المتكامل، والاستقلالَ الماليَّ عن مصارف اليهود) 20 .

المسجد

منظومة متكاملة الأدوار بين مؤسسات يراها الإمام مبلغة ومربية ومعلمة لأجيال المناعة والقوة، يتوسطها المسجد وحرمته وروحانيته: إن لا يأت إلى المسجد تلامذة المدرسة وطلبة الجامعة، يأت إليهم المسجد. في المدرسة والمعهد والكلية مسجد وقرآن. أول خُطى الطفل إلى المسجد، يأخذ بيده إليه أبوه وعمه وأخوه، مناسبة يُحتفل بها في الأسرة، ويُلْبَس الطفل لباس الأعياد، ويصور ليحتفظ في ذاكرته بحدث مهم في حياته. كان أجدادنا رحمهم الله أفضل مِنا وَلاءً للقرآن، يختِم الطفل ختمة كاملة فيركب فرساً ويُزف كما تُزَف العُرسان، احتفاءً به أن حفظ من آيات الله. ويختم نصف ختمة وربعها وعشرها فيُفعَل به من البِر والاحتفال. ذكريات الطفولة مؤسِّسَاتٌ للشخصية، نربطها بالمسجد والقرآن، لا نترك المناسبات الاجتماعية تنسج ثوبها) 21 .

يضرب الإمام موعدا مشهودا مع الإنسان متى نشأت في الأمة أجيال تخلقت بخلق القرآن، تبلغه بالحال قبل المقال رسالة الإسلام، موعدنا مع الإنسان لنسلمه الرسالة فيقبلها معتزا بنا أن جئناه وقرعنا بابه يومٌ من أيام الله يكون نشأ فيه جيل قرآنيٌّ مَسْجِدِيٌّ. القرآن الرسالة والمسجد عاصمتها. ما أحوجنا إلى المعاهد التكنولوجية ومرافق البحث العلومي. مثلَ الناس نحتاج، وأكثرَ من الناس نحتاج. وقد قدمنا أن التربية العلومية تسري فيها روح الدعوة بما يحملها إليها في شغاف القلب الأمهات الحاضنات، والولد الصالح نشأ في أسرة صالحة فشرب من معين الإيمان. ولا بد للدعوة السارية روحُها مِن موعد لقاء، وبرنامج لقاء. الموعد المسجد، والبرنامج القرآن) 22 .

بين هذه المحاضن وفي ثناياها ملوثات للفطرة ومؤثرات على العملية التربوية يجملها الإمام في وَسَط منحل، وإعلام مفسد، وشارع سائب، ورفقة مُضلة، ويجليها للمصحوبين الأبوين: من هذه الثكنة المختلطة، ووسطَها مشمِّرَةً لتُمسك الواقِع مسكا، تتخذ المومنة برجا استراتيجيا تغزو منه ولا تُغزى، فإن غُزِيَتْ قاومت وصمدت، واستعانت بالله العلي القوي، واستنجدت بحبل أخواتها في الله الوثيق. من موقعها الاستراتيجي ترتِّب المعارك التربوية ليسلَمَ ولَدُها ويخرج من ارتباك. وترتب الزحف السياسي، وتؤسس التغيير التاريخي… لا بد للأطفال واليافعين والشباب من رفقة خارج البيت. في المدرسة وحولها تتألف الصداقات، ونديّ الشيطان والمخدرات متربص في الأرجاء. لا تنكصْ المومنة وتنطبِعْ بطابع الحماة والجدة الحاضنة: أين كنتَ، ولمَ خرجْتِ؟ مراقبة لا بد منها، لكن ما فائدة الردع والزجر إن كان عقل الفتاة ولب الشاب خِلْواً من فِكرة، يتيما من صحبة صالحة؟ زوِّديها وزوديه بفكرة، بمهمة إيجابية يغزو بها الساحة. اجعليها واجعليه طليعة بين الأقران. ذلكِ، وإلا فالتيار جارف) 23 .

4. الخِطَّة العملية

كان الإمام رحمه الله رجلَ عمل لا رجل جدل، بسط خطة عملية لإحياء الأمة وتجديد أمر دينها في كتاب المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، وفصلها في كتبه كما خص منعة أجيال المستقبل بكتاب تنوير المومنات في مجلدين.


[1] كتاب مقدمات في المنهاج -اقتحام العقبة- 15.\
[2] كتاب المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا -الجهاد السياسي-411.\
[3] كتاب المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا- عود على بدء -370.\
[4] حديث رواه الإمام مسلم وأصحاب السنن عن سيدنا أبي هريرة.\
[5] كتاب تنوير المومنات –الولد الصالح- 218.\
[6] روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن إبليس ينصب عرشه على الماء، ثم يبث سراياه في الناس. فأقربهم منه منـزلة أعظمهم فتنة. فيقول أحدهم: ما زلت به حتى زنى! فيقول: يتوب! فيقول الآخر: مازلت به حتى فرقت بينه وبين أهله (أي زوجته)! فيقول: نعم أنت! نعم أنت!”.\
[7] كتاب سنة الله –ناموس الأسباب- 275.\
[8] كتاب تنوير المومنات -تربية خلق جديد– ص 265.\
[9] كتاب تنوير المومنات –الولد الصالح- 224.\
[10] كتاب المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا – الشعبة السادسة: الإحسان إلى الوالدين وذوي الرحم والصديق – 328.\
[11] كتاب الإسلام والحداثة -البر والعدل- 221.\
[12] كتاب في الاقتصاد- تضخم السكان- 118.\
[13] كتاب الإسلام والحداثة -الطفولة التعسة- 195.\
[14] كتاب تنوير المومنات –تربية قرآنية- 259.\
[15] كتاب تنوير المومنات 2 -البرج الاستراتيجي- 243.\
[16] كتاب تنوير المومنات –البرج الاستراتيجي– ص 240.\
[17] كتاب تنوير المومنات –الولد الصالح- ص 225.\
[18] كتاب تنوير المومنات –البناء من أعلى أو من الأساس؟ على أي اساس؟– ص 219.\
[19] كتاب حوار مع الفضلاء الديمقراطيين -تعليم قرآني-157.\
[20] كتاب إمامة الأمة -مدارس حية بالعلم والعمل- 182.\
[21] كتاب تنوير المومنات ج2 –تربية قرآنية- 259.\
[22] كتاب تنوير المومنات -تربية قرآنية– ص 259.\
[23] كتاب تنوير المومنات –البرج الاستراتيجي– ص 240.\