تعتبر قضية المرأة المسلمة من القضايا التي تشابكت فيها الأقلام والأفهام لقرون طويلة، وصُنّفت فيها كتابات ومؤلفات متعدّدة الألوان والمشارب. من هذه الكتابات من ينظر إلى المرأة بمنظار أسود قاتم؛ فهي أحبولة الشيطان، شريكة إبليس في الإغراء والغواية وناقصة العقل والدين. ومنها من شدّد على المرأة باسم الشرع، فجعل معيار صلاحها قعودها في بيتها، حبيسة الظلم والجهل، فأضحت بذلك حياتها سجنا لا ينفذ إليه بصيص من نور. وفي الجهة المقابلة تجتهد أقلام في دعوة المرأة إلى التمرّد والتحرّر والإباحية المطلقة، في تجاوز سافر لحدود الله والفطرة السليمة والقيم والفضيلة. والمرأة المسلمة بين هؤلاء وهؤلاء تتوق إلى مقاربات تلامس عمق وجوهر قضيتها، تنصفها وتنتشلها من مستنقعات التقليد والتشدّد والتغريب الماسخ.

لقد ظلت قضية المرأة ولقرون ممتدّة قضيةً يختلط فيها الحابل بالنّابل، ويلتبس فيها الحق بالباطل، يُنظر إليها في أحسن الأحوال بعين واحدة إن لم تكن عوراء. قضية لا يضيء لياليها الطويلة الحالكة إلاّ بعض ومضات تظهر بين الفينة والأخرى، هي جهود علماء ودعاة ومجدّدين يدافعون عن المرأة المسلمة بما يحفظ إنسانيتها وكرامتها، ويبرز دورها في صناعة الإنسان وبناء المجتمع، وفق منهج القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.

ويعتبر الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله أحد الدّعاة المجدّدين الذين خصّوا قضية المرأة بقسط كبير من الاهتمام؛ فقضية المرأة وقضية الإنسان من منطلق فكره التجديدي قضية واحدة، واستقرار المرأة واستقرار المجتمع والدّولة واحد، والدعوة إلى إنصاف المرأة وتكريمها وتحريرها من قيود الظلم والاستعباد هو من صميم الدعوة إلى رفع كل أشكال الظلم عن الأمة رجالها ونسائها، تلبيةً لنداء اقتحام العقبة الموجّه للإنسان ذكرا وأنثى.

من هذا المنطلق شغلت المرأة حيزا مهمّا في فكر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله التجديدي، فأفرد لقضيتها بالتصنيف كتابا جامعا أطلق عليه اسم “تنوير المومنات” يبسط فيه قضية المرأة في محنتها وفتنة أمتها، يراجع من خلاله ماضيها، يمحّص حاضرها ويستشرف مستقبلها. كتاب رفض رحمه الله أن يكون مجرد كتاب توعية بقضية المرأة، بقدر ما أراده أن يكون كتابا يوقظ الواسِن ويحرك السّاكن، ويسمو بالإرادة، ويحقق الكمال والسعادة في الدنيا والآخرة.

وإن الدّارس المتأني لكتاب “تنوير المومنات” خاصة، ولباقي مؤلفات الإمام المرشد، ليستشعر إنصافه للمرأة ومدى تقديره لدورها الحيوي في بناء الأمة والمجتمع، فهي شقيقة الرجل تأمر إلى جانبه بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتبني عمران الأخوة المرتكز على العدل والإحسان في تكامل وانسجام، يقول رحمه الله: وهل يتصور بناء دون مشاركة المومنات) 1 .

لقد أنصف الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله المرأة حين قارب قضيتها من جهات وزوايا مختلفة، فاعتبر أن ما آلت إليه أوضاعها نتيجة حتمية لأحداث وظروف وعوامل اشتبك فيها التاريخي والسياسي والفقهي والاجتماعي… يقول رحمه الله: قضية المرأة المسلمة وقضايا المسلمين الأخرى شأن واحد والحديث عن تحرير المرأة وإنصافها، وعن تاريخ بلائها دون ربط ذلك بالسياق التاريخي السياسي الاقتصادي الفقهي الاجتماعي فصل اعتباطي لما لا ينفصل) 2 .

لقد كانت المرأة قبل الإسلام كائنا مشكوكا في إنسانيته، حياتها عار وموتها شرف، ليس لها حقوق تذكر، ودورها مختزل في اللّذة والإنجاب. إلا أن هذه المرأة الممتهنة المسلوبة هي نفسها التي أضحت في زمن الوحي والهدي النّبوي والخلافة الراشدة امرأة مجاهدة مجادلة عن حقها، متفقهة في دينها، فاعلة في مجتمعها إلى جانب أخيها الرجل، بل وساندة له في إطار ولاية تامة كاملة. يقول الإمام المرشد رحمه الله: كنّ الصحابيات رضي الله عنهن يقتحمن العقبة ويسندن الرجل يساعدنه في الاقتحام… كانت المومنة الصالحة تقف في درجة الرجل لكي يسمو بنفسه فلا يتدحرج في خطوات الشيطان. كانت الواحدة منهن تخاف الله وترجو لقاء الله فتقول: يا أبا فلان !أطعمنا حلالا، فإنا نصبر على الجوع ولا نصبر على النّار وغضب الجبّار) 3 .

لقد كان للبيئة الإيمانية أثرها في صناعة نساء نجحن في اقتحام عقبات الشرك والظلم والتقاليد والأنانيات والذهنيات. فمن أخمد تلك الجذوة؟ وأطفأ ذلك النور؟ من هبط بالمرأة من الحياة السامية النابضة بالقوة إلى حضيض واقع الجواري في القصور؟

يقول الإمام المرشد رحمه الله: انحطت المرأة بانحطاط المسلمين. بدأ الانحطاط منذ تدهور نظام الحكم من خلافة على منهاج النبوة إلى ملك عاضّ وراثي بمقتضاه ينتخب الوالد ولده ويعهد إليه أمر المومنين يورثه إياه كبعض ما يورث من المتاع. ولم تلبث المرأة أن أصبحت سلعة وجارية في القصور ومحظية وكمّا مهملا) 4 . لقد تحوّل الحكم السياسي من نظام قائم على الشورى والعدل والإحسان والحكم بما أنزل الله إلى مُلك قائم على الاستبداد والجور والظلم. وإذا كان الظلم مُوذن بخراب العمران) 5 كما يقول العلاّمة ابن خلدون رحمه الله، فإن هذا الظلم إذا تجذر واستفحل وتعددت أشكاله يكون سببا في خراب الهمم والعقول والنفوس. والمرأة في عصور الاستبداد والانحطاط تعرضت للظلم بجميع أشكاله، فأصبحت كمّا مهملا، وضاعت حقوقها مع حقوق الكافّة، فتحولت من عنصر بَانٍ في عهد النبوة والخلافة الراشدة إلى سلعة تباع وتشترى في سوق النّخاسة. يقول الإمام المرشد رحمه الله: لا نجد بعد عهد النبوة والخلافة الراشدة ذكرا للنساء بفضل، وكأن الفتن التي ابتلعت من الرجال أنفة الخضوع للسلطان الجائر عقّمت النساء من الفضائل التي كان يتحلى بها الجيش الباني المشارك الحي من الصحابيات رضي الله عنهن) 6 .

وقد أرسى نظام الاستبداد والحكم الجائر قواعده على سياسة احتكار الثروات وتجويع الناس لإحكام قبضة الاستعباد، فكان لغياب العدل الاجتماعي دور مركزي في تكريس مآسي المرأة التي أصبحت مستضعفة المستضعفين، مُفَقّرة، كادحة، مهضومة الحقوق المالية، مُصادرة الأهلية، والأكثر من ذلك منشغلة عن العبادة لأن الجائع قَلَّما يجد خطاب الإحسان إلى أذنيه سبيلا.

وفي ظل واقع الإكراه والظلم والاستبداد هُمّش الفكر الحر والاجتهاد الحر، واعتقل الرأي، وبدأ التأسيس للمذهب الواحد والاختيار الواحد والرأي الواحد والاجتهاد الواحد الموافق لهوى السلطان، فسكتت كتب الفقه عن سلوك المرأة وجهاد المرأة، واختزلت قضيتها في شكل متون حيض ونفاس وفتاوى تكرّس مآسيها ومظلوميتها، وضيق الفقهاء على المرأة بفقه منحبس، تارة بدعوى كونها فتنة يجب عزلها واتقاء شرها، وتارة أخرى بدعوى حمايتها وصونها من الفتنة والفساد الخارجيين.

لقد وجدت المرأة نفسها على مرّ العصور الانحطاطية سجينة مجتمع أركانه: استبداد، فقر، جهل، وفقه منحبس. فترسخ في داخلها الشعور بالدونية والعجز، وكسرت ثقتها بنفسها وربها، وبُترت فيها حاسة المسؤولية خارج نطاقها الضيق وأشغالها الخاصة وهمومها وآلامها، فباتت تتوق إلى منقذ يخلصها من سجنها. فكان بقدر تنامي عقبتها النفسية، بقدر تنامي قابليتها للتأثر بالاستعمار. يقول الإمام المرشد رحمه الله: حتى إذا جاء عصر اللاييكية عصر وكلاء الاستعمار يبشرها بأنها دخلت عصر الحرية لتكون كمثيلاتها الكاملات في الغرب سيدة جسدها انتحلت المغربات نحلة الغالب، فهن داعيات مناضلات بجنب حقوق الإنسان، أي حقوق المرأة في أن تنعتق من ربقة كانت فيها كمّا مُهملا وسلعة) 7 .

لقد وجدت دعوة المستعمر ووكلائه إلى تحرير المرأة صداها في نفوس النساء المقهورات الرازحات زمنا طويلا تحت نير التضييق والجهل، فافْتُتنَّ بالحضارة المادية وفنونها وأفكارها وفلسفتها ونمط سلوكها. لدى ابن خلدون رحمه الله فصل في مقدمته عنوانه: المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده) 8 . ويضيف الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله إلى مظاهر الاقتداء السابقة والثقافة والسياسة التابعة والاقتصاد الاستعماري وتبرج النساء وتفسخ الأخلاق إلى آخر الأوبئة) 9 .

لقد أنصف الإمام المرشد رحمه الله المرأة حين اعتبر أن مآسيها ومشاكلها الحاضرة من استعباد المدنية، وإهانة البدوية، وأميّة وجهل، وتعدّد اعتسافي وطلاق جائر، يعدّ نتاجا طبيعيا لتراكم مشكلات المرأة منذ القديم وتجاهلها عبر الأزمنة، وأضيفت إليها مشاكل حديثة ومآسي طارئة، والسبب في ذلك كله تقصير الفقهاء وطبيعة نظام الحكم.

وقد أنصفها رحمه الله حين فتح ملفات تاريخية سياسية طويت لقرون طويلة في كمّ النسيان، وحين تصدى بالحجة البالغة لدعاة تحرير المرأة المشكّكين في الدين، الرافعين شعارات برّاقة مُغرّرة بالمرأة كشعار الحرية والمساواة في الحقوق، والذين يلوون أعناق النصوص الشرعية لتخدم مصالحهم وأهدافهم.

وقد أنصفها رحمه الله حين اجتهد في تفسير كثير من النصوص المرتبطة بقضاياها تفسيرا موضوعيا ينسجم مع روح الشريعة الإسلامية ومقاصدها. ومن أمثلة ذلك: درجة الرجل، القوامة، الحافظية، تعدد الزوجات، نفقة وسكنى المعتدة من طلاق، تنظيم النسل، العمل خارج البيت…

ومن إنصافه للمرأة استدراكه على كثير من الفقهاء الذين أساؤوا تأويل نصوص شرعية مرتبطة بقضاياها، من ذلك كون شهادة المرأة نصف شهادة الرجل، وكون النساء ناقصات عقل ودين، وكونهن خلقن من ضلع أعوج. كما استدرك على فقهاء اختلفوا في أحكام مرتبطة بها كحكم توليها لبعض الشؤون العامة والمناصب، كمنصب الحسبة والقضاء، وحقها في العلم والعمل والخروج من البيت. ويلفت رحمه الله انتباه المقلدين الجامدين الذين يتبنّون الفتوى القديمة بغض النظر عن مصدرها الظرفي إلى أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال، كما يعترض على الاجتهاد المتهوّر الذي يقرأ النصوص الشرعية قراءة سطحية حرفية بسيطة، مبينا أن الاجتهاد له قواعده وأدواته وشروطه المعتبرة الضابطة التي هي بمثابة لجام للعابثين بالدين والمتهورين في الدين.

وإذا كان من تمام الإنصاف الابتعاد عن المجاملة، فإن الإمام المرشد رحمه الله يؤكد على دور المرأة نفسها في رفع معاناتها وإنصاف قضيتها، فيقول: لا سبيل إلى إنصاف المرأة وتغيير ما بالأمة إن لم نغير ما بأنفسنا. والخطوة الأولى إلى الشفاء معرفة الداء. وأخت الإيمان معنية بالعملية أول من يُعنَون) 10 .

فعلى عاتق المرأة نفسها تقع مسؤولية فهم وتبنّي قضيتها، بمراجعة ماضيها وتمحيص حاضرها واستشراف مستقبلها. وإن أول خطوة في هذا المسار الطويل اقتحام عقبتها النفسية وبناء ذاتها وامتلاك القوة الإيمانية الإرادية التي تعينها على الرّقي صعدا في معارج الكمال الروحي والعلمي والخلقي والجهادي.

يقول الإمام المرشد رحمه الله: آن أن توقظ المومنات بنات جنسهن ليقدن جهادا مختلف الأشكال متنوع الوجوه، شاملا لكل مرافق الحياة) 11 . يواجه الإمام رحمه الله المرأة المسلمة بحقيقة مفادها أن أبواب الجهاد المفتوحة أمامها لنصرة قضيتها كثيرة ومتنوعة: جهاد لاقتحام عقبتها النفسية، وجهاد لاقتحام عقبات التقاليد والعادات والأنانيات والذهنيات المتخلفة، وجهاد محوٍ للأمية العقلية، وجهاد سياسي واعٍ بأوضاع الزمن، وجهاد لمقاومة غطرسة الرجل الذي يتذرّع بالإسلام وشريعته ليظلم المرأة.

وإذ أن قضية المرأة لا تحلّ إلا في إطار حلّ شامل: سياسي، اجتماعي، اقتصادي، فقهي، قانوني، تربوي، فإن هذا الحل يشارك فيه النساء مع الرجال متزعِّمات لا تابعات في إطار وَلاية عامّة أمر بها الله عز وجل في قوله: وَالْمومِنُونَ وَالْمُومِنَاتُ بَعْضُهُم أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ 12 . وكذا في إطار وَلاية أخصّ وأوثق هي الولاية الجهادية التي توجب التناصر بين المومنين والمومنات بالأموال والأنفس، والتي لفت إليها الله عز وجل في سورة الأنفال في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُم أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ 13 .

إن الطريق أمام المرأة صاعد وعر، والعقبة كؤود. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبها السياسي، وتعبئة الأمة وصناعة المستقبل واجبها المصيري. تساهم المومنات في تنحية أنقاض ماضي الفتنة ونواقض حاضرها، لتبني على الأصول مجتمع العدل، وعمران الأخوة، وكيان القوة والكفاية) 14 . تلبي المرأة نداء الواجب جنبا إلى جنب مع الرجل -شقيقها في الظلم والمعاناة- في تكامل وانسجام، بعيدا عن الاصطدام، ووفق منهج الرفق والحكمة والتدرج.

رحم الله الإمام المجدد عبد السلام ياسين برحمته الواسعة وجزاه عن نساء أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خير الجزاء.


[1] “تنوير المومنات” ج1، ص 55.\
[2] “تنوير المومنات” ج1، ص 22-21.\
[3] “تنوير المومنات” ج1، ص 62-63.\
[4] “تنوير المومنات” ج1، ص 21.\
[5] “مقدمة ابن خلدون” ص 276.\
[6] “تنوير المومنات” ج1، ص 61.\
[7] “تنوير المومنات” ج1، ص 21.\
[8] “مقدمة ابن خلدون” ص 147.\
[9] “تنوير المومنات” ج1، ص 19.\
[10] “تنوير المومنات” ج1، ص 28.\
[11] “تنوير المومنات” ج1، ص 320.\
[12] سورة التوبة، الآية 71.\
[13] سورة الأنفال، الآية 72.\
[14] “تنوير المومنات”، ج2، ص 321.\