مرحى بالذكرى العظيمة وبصاحب هذه الذكرى العظيمة، بل مرحى بنا نحن في ضيافة ذكرى مولد حبيب الله عليه منه أزكى صلاة وأندى سلام، من أشرقت الإنسانية بنوره فأخرجها من الظلمات إلى النور، ورفعها من حضيض الذل والمهانة والجهل بالله تعالى والجهل على خلق الله إلى ذرى الكرامة والعزة والمعرفة به سبحانه والرفق بعباده تعالى، ودلها على سبيل العمران الأخوي في الدنيا وسبيل السعادة في دار الخلود.

أيام تفكر وتذكر وتدبر واعتبار تتأمل فيها البشرية هذا النبي العظيم الذي تحول بنور النبوة من رجل فرد أعزل، إلاّ من معيته سبحانه، إلى أمة قائمة بالقسط شاهدة على الناس تقود البشرية بنور الوحي الإلهي إلى حيث يستحق الناس أن تسري فيهم نفخة العزيز الحكيم.

ربيع نبوي مبارك تتفتح أزهاره مع يقظة الأمة المباركة بعد أن استيأس الناس وبلغت قلوبهم الحناجر تحت وطأة الظلم الوبيل، وبرقت بوارق الأمل في تجديد الرسالة المحمدية بتجدد العزائم والإرادات والهمم المقبلة على الله السالكة سبيله على بصيرة.

لقد ولد النبي الأعظم والبشرية تتخبط في ما كسبت أيدي الظالمين والمستبدين بالمستضعفين فيها كما لم تتخبط من قبل، فما لقي الله تعالى بعد أن بلغ الرسالة حتى كان دين الله يطرق أبواب الروم والفرس ويكنس فناء أعظم حضارتين في ذلك الزمان من حطام الظلم، وصمد هذا الدين العظيم قرونا طويلة لكل ألوان الحرب والظلم والتجهيل التي ورثت أجيالنا الأمانة وهي في أقصى درجات الضعف والهوان على الأمم… فإن كان من رسالة تحملها إلينا الذكرى ويطلبها إلينا صاحب الذكرى عليه الصلاة والسلام فهي أن نتحسس مواطن قوة الروح المطلوبة إلينا في التأسي بالأسوة الحسنة طلبا لرضا الله تعالى، وأن نتلمس مواطن قوة البناء المرجو في التراص صفا واحدا يؤمنا فيه الحق المبثوث في الوحي.