كان رحيل مرشد جماعة العدل والإحسان رحمه الله إلى جوار ربه أواخرَ شهر محرم من سنة 1434 هجرية لحظةً حزينةً عَبَّر عنها أعضاءُ الجماعةِ بحضورٍ مُلفِتٍ للأنظار يومَ التَّأبينِ وعبَّرَ عنه رُموزُ الحركاتِ الإسلاميةِ والأحزابِ السياسيةِ بشهاداتٍ أرَّخَتْ لِمَا كان للرَّجُل من فضلٍ في تجديد الدينِ وإنشاءِ جيلٍ جديدٍ منَ الدُّعاةِ إلى اللهِ يَجمعون ما كان قد تفرَّق بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم: مصيرُ الفردِ مع ربه وهَمُّ الأُمَّةِ وتحريرُها من حُكْمِ الجبْرِ.

يُعَدُّ الوضوحُ وتوازنُ مقصدَي العدل والإحسان مع وحدة الغاية وهي الله، من أهَمِّ سِماتِ مشروعِ الخلافةِ على منهاجِ النُّبُوَّةِ الذي ضمَّن الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله تفاصيلَه النَّظرية في كتاب المنهاج النبوي. يقول رحمه الله في هذا الكتاب الذي يعتبر خطَّةً مُتماسكةً لتحقيق أهداف المشروع: ما ينبغي لنا أن نسكت ويغتنم الأعداء سكوتنا ليتهمونا بالغموض والتخلف الفكري وينسبوا لنا ما شاءوا من تهم الإرهاب والتآمر. وما ينبغي لنا أن نخاف من تبعات الكلمة الصريحة المسؤولة فإنما ذل المسلمون من غياب هذه الكلمة) 1 . فلحجمِ المقصدِ في سياق تاريخ الأمة وهو تحقيق بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافة على منهاج النبوة 2 بعد مرور الأمة بفتن العضِّ والجبْرِ، كان خيار القطع مع كل ما الْتُمِسَ له عذرُ الحِفاظِ على بيْضةِ الإسلامِ منذ افتراقِ القرآنِ والسلطانِ إلى أنْ ضاعتْ في زمانِنا عُرَى الإسلامِ جُلُّها.

دروشةُ الصوفية ومُداهنةُ الحكَّامِ شَكَّلاَ مَرضيْنِ أَنْهَكا جِسْمَ الأمة قرونا حيث صار كِبارُ الأئمةِ والدعاة لا يتصورون عملا في حقل الدعوة خارج الغطاء السياسي الجبري. فالإمام يُعتبر أوَّل من سعى لإعادة كنوز ما حافظ عليه الصوفية إلى عزَّتِه حين كان رسول الله صلى الله عليه و سلم والخلفاءُ الراشدون بعده يجعلون جهادهم اليومي دعوةَ الناس إلى السلوك إلى الله دون قيد أو شرط، فرأينا كيف أن التنظيم المحكم الذي أرسى قواعده الإمامُ رحمه الله يخدُم تلك الغاية العظمى ويستقبل كل وافد عليها فتوفر له محاضن للذكر وصحبة اجتمعت في الله. أُعيدَ لهذا الكنز عزته بدعوة الناس عامة إليه على خلاف ما كانت عليه طرق الصوفية فتجد الرجل يمضي عمره في البحث عمن يضعه على بداية الطريق. هذا إن استوفى شروط الولوج.

لم يمنع الإمامَ رحمه الله همُّ إعادة السلوك إلى الله لأصله، وهو كونه مأدبة مفتوحة للناس كافة، أن يصدع بكلمته في ما آل إليه نظام الحكم فسمَّى الأشياء بمسمَّياتها: جَبْر استوفى كل شروطه وعضٌّ لا خلافة منذ أصبح الحكم إرثا يورث أبا عن جد. نجد كلمة الشيخ الندوي رحمه الله معبرة عن هذه القطيعة التاريخية مع نهج السكوت عن الحق وإن كان قد قالها في سياق تعليقه عن كتابي “الإسلام بين الدعوة و الدولة” و”الإسلام غدا” وما باح به الإمام المجدد رحمه الله في معرضه عن الصوفية: جزاك الله خيرا. صرحت بما لا نستطيع التصريح به) 3 .

إلى هذا التوازن والوضوح نُضيف سمةَ الانضباط في أمر الجماعة كله من العضو إلى أمينها العام، نراه جليا في مسيرات تنظم من حين لآخر نصرة لقضية من قضايا الأمة ويَعيشُه الأعضاء في يومهم وفق برنامج أعده الإمام رحمه الله يجمع فيه شتات العضو بين أمور دنياه وآخرته وأمور أمته. تلك الحشودُ الهائلة في المسيرات لها مواعيد، فرادى وجماعات، من قيام ليل ومناجاة بين يدي الله عز وجل في الثلث الأخير من الليل إلى مجالس ذكر ونصيحة وتعلم، تربي بهذا، الفردَ وتخرجه من غثائيته وأنانيته التي قد تذهب بعمره دون أن يعلم أن وجه الله أعز ما يطلب وأن الخير كله في صحبة خير يفلح بها الصاحب والمصحوب.

الرفق ونبذ العنف طَبَعا مبادئ الرجل وسلوكه إذ لا تكاد تجد موقفا أو توجيها إلا والكلمة اللطيفة أو الإشارة هما أسلوبه المعتمد فلا تحقيرَ ولا ردودَ فعلٍ مهما اشتدَّت حدَّة الموقف. شكلت هذه الخصلة محورا مهما في تواصله رحمه الله بل وكانت مما ربى عليه أجيالا في الجماعة وخارجها. فقد مرَّت البلاد من أزمات كان له الفضل رحمة الله عليه في توجيه الركب نحو أيسر السُّبل وأسلمِها تجنبا لاندلاع شرارة العنف فاستحق لقبه “صَمَّام أمان المغرب”.

اليوم وقد مرت سنةٌ على انتقال الإمام رحمة الله عليه إلى دار البقاء ما زلنا بحمد الله نلمَس في الجماعة أدقَّ معاني الوفاء سارِياً في مؤسساتها وأعضائها. وفاء لعهد الصحبة التي تضمَنُ تماسكَ جسمها ووفاء للثبات على كلمة الحق. فقد لا تتسع حويصلة سياسيٍ ليستوعب مدى اتِّساع مجالات هذا المشروع الذي لا يقحم ميدان السياسة دون الحرص على كل عضو بل كل إنسان أن تثْبُتَ خُطاه في السير نحو نيل أعز ما يطلب وهو وجه الله بدل عدِّه صوتا ثمينا ريثما ينتهي فرز الأصوات وإعلان الفائز فيصير بعدها كمًّا مهملا.


[1] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص 8، الطبعة الثانية.\
[2] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد عنه بسند صحيح: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا عاضا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت).\
[3] عبد السلام ياسين، الإحسان، ج 1، ص: 13.\