30 دجنبر 1989

في إصرار على مصادرة الحقوق والحريات لمخالفيها الرأي الخارجين في تقديرها عن الإطار المرسوم سلفا للفعل السياسي، وتنفيذا لتعليمات عليا يُتنصل من مسؤوليتها عندما تترتب عليها تبعات محرجة للنظام السياسي، فرضت الأجهزة الأمنية المخزنية عشية يوم 30 دجنبر1989 الإقامة الجبرية على الأستاذ عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل والإحسان، فمُنع من التواصل مع الناس بمن فيهم الأقرباء، في خرق سافر للقانون؛ ذلك أن مثل هذا الإجراء يأتي في الأصل تطبيقا لحكم قضائي معلل يبرر دواعي اللجوء إليه.

لماذا الحصار/الإقامة الجبرية؟

في عرف الاستبداد لا حُرمة لقوانين أو مواثيق دولية، فالاستبداد مكيافيلي بطبعه، والقوانين في “عقيدته” أداة للإخضاع لا التكريم، نشوته، ذروة نشوته، أن يجثوَ العباد/الرعايا بين يديه على الركب. وحيث إن المخزن خَبرَ صلابة الأستاذ عبد السلام ياسين في الحق، فقد جرب معه قبل ذلك أسلوب الاعتقال التعسفي ثلاث سنوات ونصف بين المرضى عقليا والمرضى بداء السل مكافئة له على نصيحته ملكَ البلاد الراحل، وأسلوب فبركة الملفات للزج به في سجن “لعلو” ببدعة/تهمة المس بالمقدسات سنتين كاملتين ثمن ممارسته لحق التعبير عما رآه تغليطا للرأي العام؛ رأى دهاة المخزن أن يُعتقل الرجل هذه المرة في بيته، وتُعتقل بعد أسبوعين قيادة الجماعة ممثلة في مجلس إرشادها في السجن سنتين كاملتين، فيما يصطلح عليه فصل القيادة عن القاعدة، عسى أن يسري الارتباك والتخبط بين أعضائها وتضعف روابطهم إيذانا بذهاب ريح الجماعة.

سُقِط في أيديهم …

خاب الظن وبار المسعى، فمن جهة، لم يمُرَّ قرار فرض الإقامة الجبرية على الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين دون كلفة حقوقية وسياسية. ومن جهة ثانية، لم يُؤتِ المأمول منه: انحسار الجماعة، إن لم يتيسر اندثارها، ذلك أن المحنة استحالت منحة يسّرت ظهور جيلٍ شابٍّ من القادة لم يضمن استمرار الجماعة فحسب، بل أسهم في توسعها وانتشارها كمّاً ونوعا، وهو ما اضطُرت معه الجماعة لترفع شعار: التكوين المتكامل والتوسع المتزن)، غداة مغادرة أعضاء مجلس الإرشاد السجن وانتهاء مدة محكوميتهم.

بعد عقد كامل من الإقامة الجبرية، وما تخلله من مضايقات -ملف طلبة وجدة الإثني عشر نموذجا- مساومة للجماعة على مواقفها، وأمام تعالي الأصوات بين مندد بخرق قانوني للحقوق، وبين محذر/ناصحٍ المخزنَ للتراجع عن قرار أسهم في تنامي التعاطف الشعبي مع الجماعة، أقدمت السلطات على إنهاء الحصار الثابت على لسان صدر المخزن الأعظم، وزير الداخلية الراحل إدريس البصري يوم 15 ماي 2000 واستبداله بالحصار المتحرك الذي ما زال ساري المفعول: إحصاءً للأنفاس، وتضييقا على الأنشطة، ومنعا فجّاً لأي ظهور للجماعة من خلال مؤسسات المجتمع المدني، ولعل تدخل السلطة لمنع بث الندوة الفكرية بمناسبة الذكرى الأولى لوفاة الأستاذ المرشد على قناة “الجزيرة مباشر” يوم السبت 14 دجنبر2013 “أنصع” دليل على استمرار منطق التعليمات تكذيبا لشعارات الإصلاح المزعوم.

وانكسر طوق الحصار

إذا كان يوم 30 دجنبر1989 يؤرخ للحصار على مشروع العدل والإحسان في شخص المؤسس والمرشد، فإن يوم 14 دجنبر 2013 يؤشر لمرحلة الانتشار واستواء مشروع العدل والإحسان تفنيدا للأماني والتكهنات التي راهنت على وفاة الإمام المرشد رحمه الله لينفرط عِقد الجماعة وتذهب ريحها.

وفاءً بالعهد إذن، واعترافا بالفضل، سمّتِ جماعة العدل والإحسان دجنبر شهر الوفاء، فأحيت الذكرى الأولى لرحيل الإمام المرشد رحمه الله، وسطرت برنامج أنشطة على مستوى الأقاليم والحواضر والمداشر في ربوع المغرب للتواصل مع فئات وشرائح اجتماعية تعريفا بقيمة الرجل وبسطا لمشروعه التغييري، مثلما انخرطت فروع مدرسة العدل والإحسان في شتى بلدان العالم للاحتفاء بنفس الذكرى؛ فعاليات محلية ودولية تُوّجت بنشاط مركزي احتضنته أسرة الإمام في بيته تضمن ندوة فكرية لعرض ومناقشة معالم التجديد في مشروع الرجل وحفلا تأبينيا حضرته وجوه وفعاليات أكاديمية وسياسية وحقوقية وإعلامية وفنية وإسلامية من داخل المغرب، كما من خارجه، أجمعوا من خلال شهاداتهم على ما تحلى به الإمام المرشد من خصال وما حباه الله تعالى به من مؤهلات في التربية والعلم والتنظير والتنظيم والتدافع السياسي السلمي وتشبعه بفضيلة الحوار واقتناعه ألا سبيل لمعالجة تركات قرون الاستبداد إلا بالعمل التشاركي اقتساما لأعباء البناء واستئصالا لشوكة الاستبداد. فلا عجب أن تغتنم الجماعة -في شخص أمينها العام الأستاذ محمد عبادي في كلمته بالمناسبة- لتجديد دعوة الإمام المرشد رحمه الله لفضلاء البلد والغيورين على أمنه واستقراره ومستقبله لمد جسور الحوار تأسيسا لجبهة ممانعة تتصدى للفساد وصياغة لميثاق جامع يحدد خارطة طريق المستقبل.

فعاليات الذكرى الأولى لوفاة الإمام المرشد رحمه الله، ومن خلال الحضور كمّاً وتنوعا في المشارب الفكرية والتوجهات السياسية جلّى حقيقة مفادها أن العدل والإحسان تقدم للمجتمع والأمة الإسلامية مشروع تغيير شهد بنضجه وتكامله المهتمون والمتتبعون، ويستحق أن يحظى بالاهتمام والنقاش زيادة في بلورته وبحثا عن آليات تنزيله وتفعيله.

فعاليات الذكرى الأولى لرحيل الإمام المرشد رحمه الله تقول بلسان الحال أن إصرار النظام على إقصاء الطاقات وتجاهل عطاءاتها في شتى المجالات جريمة في حق الشعب وجناية على مستقبل الأجيال. فاعتبروا يا أولي الألباب. والحمد لله رب العالمين.