في موكب جنائزي مهيب، شيع عدد كبير من عائلة وأبناء جماعة العدل والإحسان ومحبي الحاج ابراهيم الشرقاوي المعتصم جثمانه الطيب عصر يوم الجمعة 24 صفر الخير 1435 الموافق لـ27 دجنبر 2013.

وانتقل الحاج الشرقاوي إلى عفو الله ورحمته صبيحة الجمعة، عن عمر يناهز 89 سنة، بعد معاناة شديدة مع مرض جعله غير قادر على الحركة لمدة أربع سنوات.

وقد وري الثرى بمقبرة الشهداء بباب الدكالة بمدينة مراكش، حيث ألقى الأستاذ نور الدين الملاخ كلمة مؤثرة ذكّر فيها بمناقب الرجل الذي أقبل على الدعوة يوم أدبر الناس، وحفّز على نصرة الإمام يوم خاف الناس، وفتح باب بيته يوم أغلقت الأبواب وطبع مجلة الجماعة في مطبعته يوم أُمر أرباب المطابع بعدم طبع حرف من كلام الإمام عبد السلام ياسين…

وفي حفل تأبين الراحل ذكر الدكتور عبد الصمد الرضى الحاضرين بقدر الرجل ومكانته الاجتماعية ووزنه السياسي ومسيرته الطويلة من البذل والعطاء والجهاد، في مراحل مقاومة المستعمر الأجنبي إذ كان من جيل المقاومة والتحرير، وفي مراحل بناء دولة وطنية تخدم مجتمعها وفق مرجعيته الدينية والثقافية.

والحاج ابراهيم الشرقاوي المعتصم، من مواليد مدينة مراكش سنة 1924. قدر الله له أول لقاء مع الإمام المجدد عبد السلام ياسين، رحمهما الله، بمدينة مراكش في نهاية سنة 1979. جاء الرجل من عالم الأموال والأعمال لنصرة دعوة الله وحمل أعباءها بالاصطفاف مع الإمام رحمه الله، وهو الذي كان يعلم علم اليقين ثمن هذه الصحبة المباركة التي دفع ثمنها حين أغلقت مطبعته وضيق على أعماله وتجارته. إلا أنه احتسب كل ذلك في سبيل الله ونيل مرضاته سبحانه.

الحاج إبراهيم الشرقاوي -يسار الصورة- مع الإمام رحمهما الله\

ويرجع له الفضل بعد الله تعالى في نشر مجلة الجماعة وطباعة الكتب الأولى للمرشد، فكان “نِعم الرفيق” حسب وصف الإمام له. وقد وفد على الإمام من عالم المال، وعبر للإمام عن رغبته القوية في الإسهام في إخراج المشروع المحاصر إلى الناس، علما أن جل مطابع المغرب لم تستطع طباعة ورقة للإمام بعد رسالة الإسلام أو الطوفان، بسبب التخويف والتهديد المخزني.

الإمام ياسين، وعلى الرغم من حاجته لمن يمول هذا المشروع الإعلامي الدعوي الناشئ، اشترط على السيد الشرقاوي ألا يكون له تدخل في الخط التحريري للمجلة، إذ كان يرفض أن تخضع المجلة، وهي لمّا تولد، لسلطان المال وما يكون مع المال من أهواء وميولات، ولذلك فقد قالها الإمام صريحة للسيد إبراهيم الشرقاوي: “… إذا أردت أن تساعد على إخراج هذه المجلة فمرحبا بك، لكننا، قبل ذلك، نشترط عليك أن تكتب رسالة تبين فيها نيتك وعزمك، وتعطينا عهدا على أن يكون تمويلك خالصا لوجه الله دون أن يكون لك أي غرض شخصي وراء ذلك”.

وفعلا، كتب الحاج إبراهيم الشرقاوي رسالة نشرت في مجلة الجماعة- العدد الثاني، 1979- قال في مطلعها “ربما يتساءل البعض لم أكتب إليكم على صفحات هذه المجلة وقد تعرفت عليكم أخيرا، ولعل الجواب واضح لمن يعرف قراءة ما بين السطور. إن الوضوح والصراحة التي تنادون بها في مجلة المسلمين المغربية، تفرض على كل وطني مخلص مثلي عرف المواجهة والصمود أمام المستعمر، وعلى كل سياسي مثلي عرف التقلب في الهيئات السياسية الموجودة في البلاد، وشارك في إنشائها، عرف كيف تأسست ثم تفرقت ثم اندثرت أو ستندثر وعلى كل ميسور مثلي اكتسب ماله من حلال وحاز ثروة لا بأس بها… على كل هؤلاء أن يخرجوا من الصمت الذي كان مفروضا عليهم، وأن يعبروا عن انتمائهم لحركة إسلامية جادة ودرجة إيمانهم وتعلقهم بتلك المبادئ التي كانت منطلقا لعملنا بالأمس البعيد والقريب والتي خانتها بعض الشخصيات ممن عرفنا وبلونا أخبارهم واطلعنا على نياتهم”.

مضت أربع وثلاثون سنة على كتابة هذه الرسالة طرق فيها الحاج إبراهيم يومئذ باب الإمام سائلا عن الإنقاذ، ووجد طِلبَته عند المرشد الذي أرشده قائلا: “من هنا الطريق، من هنا البداية”. استقرت محبة الرجلين، وركب الصاحب سفينة الإمام صبرا ومصابرة، حملا وتحملا.

رحم الله الحاج إبراهيم الشرقاوي، وأسكنه فسيح جناته ورزق أهله وأحبابه الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.