إن محبة آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسري في قلوب أولياء الله عز وجل؛ وإن الوصايا المتواترة عن رسول الله صلى عليه وسلم في أهل بيته المطهرين، وتذكيره المسلمين الله فيهم، مما يجعل العلماء الكمل يحفظون هذه الوصية النبوية في العترة المطهرة، وقد كان الإمام المجدد رحمه الله ممن حفظوا هذه الوصية وتعهدوا بالانتصار لورثة سر النبوة، شرفه الله بالانتساب الديني والانتساب الطيني لذلك الجناب المطهر، فكان أن بين في مكتوباته أنه على كل مومن أن يتشرف بمحبتهم والذود عنهم، وأن يتذكر الله فيهم، فهم أمان الأمة، وسفينة نجاتها، طهرهم الله من أرجاس الدنيا، من رعى الله فيهم نجا واهتدى، ومن خذلهم وتخاذل عنهم ارتكس وانتكس، وحاد عن سبيل الحق والهداية.

أدلة وجوب محبتهم من القرآن والسنة

– وقد ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية ما يدل على وجوب محبة آل البيت المطهرين، فمن ذلك قوله تعالى: قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ۗ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ 1 . فقد أخرج سعيد بن منصور في سننه “عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: قربى رسول الله صلى الله عليه وسلم” 2 .

– و“عن ابن عباس رضي الله عنهما، لما نزلت هذه الآية، قالوا يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال صلى الله عليه وسلم: “علي وفاطمة وولداهما”” 3 . وأخرج ابن أبي الحاتم، “عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: “ومن يقترف حسنة” قال: المودة لآل محمد صلى الله عليه وسلم” 4 .

– أما في السنة فقد أورد الحافظ السيوطي أكثر من ستين حديثا وأثارا عن محبة آل البيت المطهرين، ومنها ما أخرجه الامام البخاري عن أبي بكر الصديق رضي الله، قال: “ارقبوا محمدا صلى الله عليه وسلم في أهل بيته” 5 .

– ولا غرو أن تكون محبتهم من أثر التمسك بالكتاب والسنة النبوية، لا انفصام بينهما ولا تناقض؛ يقول رحمه الله هل في تمسكنا بالكتاب والسنة ما يناقض محبة آل البيت عليهم السلام؟ فعلت الفتنةُ فِعلها فشقت الأمة شقين: شيعة ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل بيته فتذكروا، وأجّج حبَّهم لآل البيت مذابحُ آل البيت في كربلاء. وسنة سَلَوْا مقتلَ حسين رضي الله عنه ونسوا مخازي يزيد بن معاوية حين سيق إليه رأس حسين والطاهرات من آل البيت سبايا (…) الواجب هنا أَنْ نعبر عن كراهيتنا لمن لا يقيم وزنا لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، كراهية يتساوى فيها الروافض الذين يعميهم الحب المتعصب الجاهل الحاقد لآل البيت فيسبون الصحابة، والنواصب الذين أعمتهم الدنيا عن فضيلة آل البيت.) 6 .

محبة آل البيت وصية النبي عليه الصلاة والسلام

– وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمحبة آل البيت، واعتبر المحبة الكاملة لجنابه الشريف لا تكتمل إلا بمحبة آل بيته؛ حيث قال فيما رواه عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، قَالَ: “قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنْ نِعَمِهِ ، وَأَحِبُّونِي لِحُبِّ اللَّهِ ، وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي لِحُبِّي”” 7 ، هذا الحديث العظيم في بابه اعتبره الامام عبد السلام ياسين رحمه الله مما يستوجب على كل مسلم يرجو الله واليوم الآخر محبة آل بيته المطهرين؛ يقول رحمه الله: وواجبُ كل تقي ولي من أمة المصطفى جد الشرفاء أن يحب آل البيت عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: “أحبوا الله لما يغذوكم..(وأورد الحديث)”) 8 .

– كما أورد رحمه الله الحديث الذي يستوصي الرسول صلى الله عليه وسلم فيه بأهل بيته خيرا؛ باعتبارهم أحد الثقلين اللذين تركهما، وهو الحديث الذي رواه زيد بن أرقم رضي الله عنه، قال: “قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: “إني تارك فيكم ثَقَلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، من استمسك وأخذ به كان على الهدى، ومن أخطأ ضل. فخذوا بكتاب الله تعالى واستمسكوا به. وأهلَ بيتي. أُذَكِّرُكم الله في أهل بيتي! أُذَكِّرُكُمُ الله في أهل بيتي!”” 9 . يعقب شيخنا الجليل على الحديث الذي يعتبره سلما لرأب الصدع الذي لحق الأمة، والجسر الذي يجمع لحمتها وسداها، يقول رحمه الله: ومن بعد وصية رسول الله رحمة العالمين وتذكيره الله إيانا في أهل بيته نلتفت فنجد الأمر القرآني بوحدة الأمة، فيتعين علينا أن نلتمس جسورا لِلَمِّ شَعَثِ المسلمين من شيعة وسنة. وليس من جسر أشرف ولا أطهر ولا أمتن من محبة آل البيت والوفاء لآل البيت، السلام على آل البيت ورحمة الله تعالى وبركاته) 10 .

– إن محبة آل البيت كانت دأب الصالحين أولياء الله، واعتبروا محبتهم من صميم الدين ولب الاسلام، ذكر الحبيب المرشد رحمه الله حديث المرط أو ما يسمى بـحديث الكساء) 11 وعقب عليه بقوله حب فاطمة وعلي وحسن وحسين وآل البيت من صميم الدين) 12 .

السلف الصالح ومحبة الآل رضي الله عنهم

في حبهم أنشد الفرزدق، وهو ينشد في مدح علي بن الحسين رضي الله عنهما، قائلا:

من مَعشَرٍ حُبُّهُمْ دِينٌ، وَبُغْضُهُمُ *** كُفْرٌ، وَقُرْبُهُمُ مَنجىً وَمُعتَصَمُ
مُقَدَّمٌ بعد ذِكْرِ الله ذِكْرُهُمُ *** في كلّ بَدْءٍ، وَمَختومٌ به الكَلِمُ
إلى أن قال رحمه الله:

يُستدْفَعُ الشرُّ وَالبَلْوَى بحُبّهِمُ، *** وَيُسْتَرَبّ بِهِ الإحْسَانُ وَالنِّعَمُ.

وفيهم قال الإمام الشافعي المطلبي رحمه الله تعالى:

يا آل بيت رســول الله حبـكـم *** فرض مـن الله فـي القرآن أنزلـه
يكفيكم من عظيم الشأن أنـكـم *** من لم يصل عليكم لا صلاة لـه
وقد كان الأئمة رحمهم الله مالك والشافعي وأبي حنيفة يبجلون آل البيت ويحبونهم، مما أوقعهم في كثير من المتاعب وخاصة في زمن كان أهل البيت يضطهدون فيه، ويشدد عليهم من قبل ملوك العض والجبر، الذين يخافون من قومة أهل البيت، بعد حادثة كربلاء، فرضي الله عن القائمين وعلماء الأمة الذين أحبوهم ودافعوا عنهم.

المسلمون في محبة آل البيت بين الافراط والتفريط

إن الاستنكاف عن مدح آل البيت المطهرين ومحبتهم موروث خلفه في نفوس بعض المسلمين سنوات حكم العض والجبر، منذ الانقلاب على الخلافة بتسلط الحكم الأموي الذي ذبح آل البيت شر ذبحة وسامهم سوء العذاب، إنها جروح عميقة أصابت البيت الشريف وما زالت تلك الجروح لم تندمل بعد، خاصة الجرح الناصبي بين أظهرنا الذي يرمي كل منتصر لمظلومية آل البيت بكونه رافضيا أعاذنا الله من سوء فعالهم، ويلوي عنق كل حديث وآية يُذكرون فيها ويتأوله تأولا منكرا، ويلتمس الأعذار لمن أجرموا في حقهم جرما فظيعا لن تمحو معرته الدهور والأحقاب؛ اغتصبت الخلافة واغتصبت معها وصية الرسول في أهل بيته، يقول رحمه الله وبيس ما خلَفناه صلى الله عليه وسلم إن تركنا رواسب النّصْبِ الأموي، وآثار الدعاية الرسمية الأموية التي قتلت حُرْمَة آل البيت بعد أن ذبحت في كربلاء آل البيت.أخرج الترمذي عن زيد بن أرقم رضي الله عنه حديثا حسنا غريبا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:)“إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي. أحدهما أعظم من الآخر، وهو كتاب الله، حبل ممدود من السماء إلى الأرض. وعِترتي أهل بيتي. لن يفترقا حتى يَردا علي الحوض. فانْظروا كيف تخلُفوني فيهما” 13 . وبالمقابل ظهر من يغالي في محبتهم إلى درجة التأليه وإضفاء العصمة لهم وهو ما يتنافى والهدي النبوي، فهذان المتناقضان فرقا شمل الأمة، ولهذا اعتبر رحمه الله أن محبة آل البيت والصحب الكرام وتوليتهم، ومعاداة من يعاديهم مما يوصل العبد إلى مقامات الإحسان، والتعرض لمكرمات الرحمان فيقول: إن تَوَلِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصلاة عليه الدائمة، وحب آل البيت المطهرين، وتولي صحابته، لَمِمَّا يقرب المسافات للمريد الطالب) 14 . وما فتئ الإمام رحمه الله يذكر تلك الفواجع التي قد ألمت بهم في قوماتهم، تذكيرا بأخطاء الماضي لتستفيد منها الأمة في حاضرها ومستقبلها، و من أجل ذلك فهو يدعو المسلمين شيعة وسنة لمد الجسور بينهم من خلال محبة آل البيت عليهم السلام وتوقيرهم، فهو يدعو كلا الطرفين سواء الغلاة من الشيعة لنبذ مغالتهم الممقوته؛ أو المفرطين من أهل السنة إلى التخلي عن ذلك السكوت المريب، حتى تنجمع الأمة وتتوحد عراها، وتلتحم وشائجها؛ إذ لا سبيل أمامها إلا التمسك بكتاب الله تعالى و سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحبة آل البيت وتعظيمهم ومعرفة حقهم. وإلا تنكبت الأمة عن الجادة، وحادت عن هدي نبيها صلى الله عليه وسلم وخفرت عهده ووصيته من بعده. نسأل الله أن يحبب إلينا الايمان وأن يزين في قلوبنا محبة الآل المطهرين والصحب المكرمين. والحمد لله رب العالمين وسلام على النبي وآله وصحبه وسلم تسليما.


[1] سورة الشورى، الآية 23.\
[2] رواه الطبري في “جامع البيان” 144:11، والمحب الطبري في “ذخائر العقبى” ص33، وعزاه لابن السري والسيوطي في “الدر المنثور” 707:5، انظر “إحياء الميت بفضائل أهل البيت” للسيوطي رحمه الله.\
[3] رواه القرطبي في “الجامع لأحكام القرآن” 21:8، الفخر الرازي “التفسير الكبير” 166:27، والطبراني في “المعجم الكبير” 47:3(2641)/351:11(12259)، وأشار إليه السيوطي في كتابي “الدر المنثور” و”إحياء الميت بفضائل أهل البيت”.\
[4] رواه القرطبي: “الجامع لأحكام القرآن” 24:8، والسمهودي في “جواهر العقدين” 13:2 والدولابي في “الذرية الطاهرة” ص74، حديث رقم 121 من قول الحسن بن علي، والسيوطي في الدر المنثور وإحياء الميت بفضائل أهل البيت.\
[5] صحيح البخاري “مناقب قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم” 25:3(3713)/ باب “مناقب الحسن والحسين رضي الله عنهما” 32:(3751). وفي رواية: “احفظوا”. ورواه الدارقطني بروايات متعددة.\
[6] ياسين عبد السلام، تنوير المومنات، ج2، ص 14.\
[7] أخرجه الترمذي 622:5(3789) وقال: حسن غريب، و”المعجم الكبير” للطبراني (2638)46 :3، ورواه: الحاكم في “المستدرك” 162:3(4716) وقال حديث حسن الإسناد، ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وصححه السيوطي.\
[8] ياسين، عبد السلام، الاحسان، ج2، الطبعة1، 1998م، ص 401.\
[9] أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، 2408، والامام أحمد في مسنده (4/367) كما عزاه الامام السيوطي في الجامع الصغير للإمام أحمد.\
[10] ياسين، عبد السلام، الإحسان، ج2.ص 402.\
[11] الحديث الذي رواه الامام مسلم (2/283) ح/2424 عن صفية ابنة شيبة قالت: قالت عائشة: خرج النبي غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: “إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا الآية”.\
[12] ياسين عبد السلام، تنوير المومنات، ج2، الطبعة 1، 1996 م، ص16.\
[13] ياسين عبد السلام، تنوير المومنات، ج2، الطبعة 1، 1996م، ص15.\
[14] ياسين عبد السلام، الاحسان، ج1، ص 180.\