لا يمكن الحديث عن شخصية الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله دون أن يستوقفنا مساره الجهادي، ذلك المسار الذي جسدته مواقفه العظيمة عِظَم الخطوب والابتلاءات التي أصابته. فالرجل ذو همة سامقة وإرادة توّاقة، فاستحقر معها متاع الدنيا أمام الفوز برضى الله تعالى، واستصغر كلّ ما هو دون الحق من مداهنة أو مراءاة. ولم تنلْ من هذا الشموخ عزيزِ المثالِ سياطُ التّرهيب أو زيفُ التّرغيب.

إنّ النّاظر في سيرة الإمام رحمه الله يجد نفسه أمام أحد عظماء الأمة الذين جَهِدوا لإحيائها من سباتها، مقدِّما أول ما قدّم لذلك روحه وحياته. فإنْ كان العمر قصيرا من عدد السنوات فإنّ مواقف الرجل خالدةٌ في الزمن راسخةٌ بأثرها في تاريخ الأمة وهي منارةٌ لكل من يطلب المعالي حاضرا ومستقبلا. كان السلوك الجهادي للإمام رحمه الله صادرًا عن فهمٍ عميق لنصوص الوحي ومستندا إلى رؤية تجديدية للدين ومستحضرا لواقع الأمة ومتطلباته. فصارت تلك الرؤية الثاقبة مشروعا لا غنى للأمة عنه ومدرسة أصيلة متفردة ومنهجا واضح المعالم والحدود لكل مسترشد به. لقد صار لمدلول “الجهاد” في هذا الصَّرح الذي شيَّده الإمام المجددُ رحمه الله آفاق واسعة ومعاني متجددة تربأ بهذا المفهوم الأصيل في الدين عن سطحية التناول أو أهواء التنزيل.

جهاد رحمة وتعبئة لا عنف وتفرقة:

نال الإمامَ رحمه الله من بطش الاستبداد النصيبُ الأوفر، حتى صارت لحظات الهدنة والسلامة من حياته استثناء، وغدت فترات الابتلاء سجنا أو حصارا وتنكيلا أصلا لازما. فلم يزده الظلم المسلط عليه إلا صبرا واحتسابا ولم يجد الأذى منه إلا عفْوًا ورفقًا. كان رحمه الله يعُدُّ العنف ديدن النفوس المريضة ولازمة الفهم السطحي لمبادئ الدين والمتنكب لواقع المسلمين ومآلاته. يقول المرشد رحمه الله: نعوذ بالله من خصلة العنف وهي ملمح من ملامح الجاهلية، ولازمة من لوازمها، ومعنى من معانيها… العنف يأتي من سوء الطبع العنيف كما يأتي من سوء الفهم للواقع) 1 .

فإذا كان معنى “الجهاد” في مشرع العدل والإحسان هو القوة والإعداد والبناء، فالعنف من منظوره نزق وحقد وهدم. لقد بذل الإمام جهدا كبيرا في التمييز بين هاتين الخصلتين المتناقضتين؛ ففتح مفهوم “الجهاد” على مناحي فسيحة سِمَتها التجديد والتكامل وطابعها الرحمة والرفق، يقول رحمه الله في استهلال أبواب هذه الخصلة في المنهاج النبوي: أسرد إن شاء الله هنا أحد عشر باب من أبواب الجهاد، بعضها تربوي يهم المؤمن في نفسه وفي علاقته بالله وبأمته وبالناس جميعا، وبعضها يهم الجماعة الطليعية في تأهبها وزحفها، وبعضها يهم جند الله قبل الوصول إلى الحكم، وأثناء الزحف، وبعد تولي مقاليد السلطان) 2 . إنه مسلسل طويل من اقتحام عقبات النفس والواقع؛ بالتربية والتزكية، والعمل الدؤوب المتواصل لإحياء الأمة من كبوتها اقتداءً بجهاد الرسول صلى الله عليه وسلم الرفيق بالناس الرحيم بهم. إنه معنى يلامس ذاتية الإنسان روحا وعقلا، فكرا وسلوكا، وهو أيضا بلا شك عهد جماعة مؤمنة فيما بينها ومع الله على نصرة الدين في نفسها وغيرها، ثمّ إنه على مستوى الأمة جهاد عملي يعبّئ قوى الأمة لتتقدم متوكلة على الله، معتمدة على عونه، لتشق طريقها في الأرض نحو الكفاية والقوة، ولتحمل رسالة الله إلى الإنسان) 3 .

لأجل هذه الغايات العظيمة ما فتئ الإمام رحمه الله يؤكد على أن الجهاد الأكبر يبقى هو جهاد النفس المفردة في ذاتها، وجهادها لتستقيم في عبوديتها لله، وجهادها لتتخلق، وتبذل، وتتعلم، وتعمل، وتجاهد، يبقى جهاد جند الله الطويل الشاق عبر عقبات التنظيم، والزحف، وتنفيذ المخطط، وإبطال الباطل وإحقاق الحق، وبناء الأمة) 4 .

لم يصب الأمة ما أصابها من تردي في مختلف المجالات إلا بتنكب علمائها ونخبها عن خصلة الجهاد، جهاد كلمة الحق والحجة وجهاد التعبئة والبناء… فكان رحمه الله ممن رشَّحتْهم العناية الإلهية ليبعث في الأمة هذه المعاني من جديد فهما وممارسة وسلوكا.

وكان حِرْصُه رحمهُ الله أشدّ ما يكون على غرس هذه القيم الرفيعة في الجماعة التي كرَّسَ حياته لبنائها، إلى أن غدَت نموذجا فريدا بين الحركات الإسلامية؛ فاستطاعت التوفيق في منهاجها وفعلها بين نُبْل المبادئ وسموها وقوة المواقف وسلميتها من جهة، ومناهضة الاستبداد والتدافع مع آلياته من جهة أخرى.

مواقف جهادية خالدة

حين خطّ الإمام المجدد المنهاج النبوي، وتحدث عن خصلة الجهاد كان حينئذ متحققا بها في أسمى تجلياتها وأقوى مشاهدها؛ مشهد الناصح الصادع بكلمة الحق الذي لا يخاف في الله لومة لائم وهكذا ظل طيلة حياته ثابتا لم تزحزحه الخطوب والمكائد عن مبادئه. لم يكن رحمه الله في كتابته عن أبواب الجهاد منظرا ومبدعا فحسب بل منجزا وقائما بكل تلك المعاني حق القيام. فلم يترك بابا من أبواب الجهاد إلا دخله؛ فهو المرشد المربي الذي جاهد نفسه وقَوَّمها وطَوَّعها حتى صار رحمه الله إمامًا للتربية والتزكية. وهو الذي بذل في سبيل نيل رضى الله ماله وكل ما يملك من المنصب أو الجاه، ثم إنه لم يكلَّ يوما من توحيد الجهود وتعبئة الطاقات واستثمارها لبناء جماعة المؤمنين وتوزينها، مما جعلها تخط لنفسها خطا سياسيا واضحا منافحا عن الحق فاضحا للباطل.

ستبقى نصائح الإمام المدوية للملوك، وسنوات الاعتقال والحصار، ومحنة الأهل والأبناء، شاهدة على سيرة مجاهد فذٍّ أحيى بثباته معاني التضحية والبذل في الأمة، وبفعله الرّصين وخطواته البانية مجالات جديدة للعمل والتدافع.


[1] عبد السلام ياسين العدل: الإسلاميون والحكم 632\
[2] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي 389\
[3] عبد السلام ياسين، حوار الماضي والمستقبل 82\
[4] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي 386\