سنة مرت على رحيل الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله. تحل بنا هذه الذكرى الأولى وهي توافق الذكرى الخامسة لرحيل سيدي محمد العلوي السليماني، كما توافق الذكرى الثالثة لرحيل سيدي أحمد الملاخ، رحمهم الله رحمة واسعة ودائمة إلى يوم اللقاء.

حضرت يوم الذكرى الأولى لرحيل الإمام ببيته الطاهر، ووجدت كثيرا من الناس واستمعت لكثير من الكلمات ورأيت كثيرا من الأعين تفيض دمعا وأحسست بكثير من القلوب تعتصر ألما وحزنا…

قررت قبل يوم الذكرى كتم ما يخالجني من الأحاسيس وحبس الدمع، إلا أنني سمعت في نهاية يوم الذكرى كلمة مقتضبة مركزة نافذة إلى القلب ساقها الله على لسان كريمة الإمام رحمه الله، جعلتني أكتب ما سوف تقرأون. كلمة من بيت طاهر سمعها العالم كله أبكت المثقف الذي ينتظر الفكر، والسياسي الذي يترقب الموقف، والمراقب الذي يريد نقل الرسائل.

كلمة تؤكد أن الرجل لم يمت، خلف الولد الصالح والعلم النافع والصدقة الجارية.

خلف رحيل الرجال جرحا عميقا في قلوب المحبين ولوعة كبيرة تشتعل حزنا وأسى كل لحظة وحين. بركان مشاعر جياشة يتدفق مرات ومرات، تفيض حممه دمعا دافئا بالمحبة والتقدير، كلما أحسسنا بغياب الجسد الطاهر الذي كان يغشى المجالس، واليد الرحيمة التي ألفنا دفأها، والصوت الحنون الذي يسمعك خطاب الفطرة بالحكمة والموعظة الحسنة…

لكن..

– هل يفيد البكاء على من اشتاق إلى لقاء الله تعالى ورحل إلى دار البقاء، وأوصانا ورغبنا في نيل الدرجات العلى والانجماع على الله، إن نحن أردنا أن نتنعل الثريا؟

– هل تنقذنا الدموع على الرجال، من وحل الفتنة العارمة ومن مخالب النفس الخبيثة، وهم اللذين يسروا لنا طريق السلوك واضحا؟

رجال الله لا يريدون دموعا بسبب رحيلهم ولا بكاء بسبب غياب الأجساد الطاهرة… إنما يرغبون في الاستمرار في الحياة بتوظيف العلم الذي أورثونا إياه وبدعاء الولد الصالح وبالصدقة الجارية مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن أبي هريرة أن رسول الله قال: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعوا له”.

رجال الله عرفوا أن يوما من أيام الله سيكون يوم الرحيل، وبعد حين سنلحق بهم إلى دار البقاء، فالموعد الله: إنها سنة الله في الأرض، مصداقا لقوله عز وعلا: كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.

من أجل ذلك علمنا سيد الخلق، صلى الله عليه وسلم، السلام على أهل المقابر، وبرفع الصوت بالسلام على السابقين نتذكر أننا نحن اللاحقون.

كلما وقفت سيدي، على قبرك أو رأيت ولدك أو صاحبت صحبك أو قرأت كتاباتك تيقنت أنك، في قلوبنا، حي لا تموت.

حي بعلمك الزاخر الذي أصبح منبعا لكل من اختلطت عليه الأوراق وتاه في دهاليز الفرعيات وفصل بين الشريعة والحقيقة، وفصل الدعوة عن الدولة، وفصل العدل عن الإحسان… حتى أصبح الإسلام مبعضا إلى إسلام زهادة وإسلام حركة جوفاء وإسلام فكر مجرد.

أما إسلام الزهادة، فيعيش صاحبه أسير الأحوال ويتلذذ بالأشواق ويتطلع إلى المقامات… يحقق بذلك خلاصه الفردي، لكن سرعان ما تنطفئ شمعة قلبه ويخفت صوته ويخلق إيمانه أمام قوة تيارات الغفلة، وتتلاعب شياطين الهوى بجوارحه ليصبح في نهاية الطريق “لا شيء”.

بينما الإسلام الحركي المجرد، يدخل صاحبه في دوامة فعل استهلاكي ودائرة تفتقد إلى مركز الانجذاب. تيارات متعاكسة تستهلك ذاته وتضعف طاقته وتمزق جسده ليصبح في نهاية السير أيضا “لا شيء”.

وإسلام الفكر المجرد، يجعل صاحبه يؤله العقل ويهمل القلب، فيصبح القلب مظلما والعقل طاغوتا. كثير من المسلمين المعاصرين يستهويهم خطاب العقل ويغوصون في تفرعات العلوم، فأصبحوا بذلك اتجاهات ومدارس. لكل مدرسة منها روادها ومنظروها. يطرحون آراءهم وتصوراتهم المتباينة إلى تلامذتهم ويتعلمون منهم الجزئيات دون الكليات ويغوصون في بحار العلوم التفصيلية دون بوصلة ترشدهم إلى شاطئ النجاة وتوجههم إلى قبلة الله. بذلك أصبح تلامذة الأمس جبابرة اليوم، يصلتون سيف المعرفة على العباد والبلاد.

ثلاثة مزالق وقع فيها المسلمون منذ التاريخ الأول وأحدثت شرخا في جسم الأمة. شخصتَ ذلك سيدي بشكل واضح في كتاباتك، ورصدت وصفات نبوية دقيقة لعلاج داء الأمة وتجديد دينها.

لم ينقطع عملك سيدي، لأنك تركت الولد الصالح، من أبناء طينيين وآخرين روحيين. فكنت نعم الأب الصالح بحنوك ورفقك وتربيتك الشاملة، تلاعب الطفل حتى يرتوي وتصبر على تنطع المراهق حتى يستوي وتمد جسور الحوار مع الشباب حتى يستقيم، وتوجه المتعلم حتى يتعلم، وتجيب السائل حتى يفهم كما ترشد التائه حتى يجد الطريق. أخرجتنا من غياهب الجهل الى معالي العلم وأمرتنا أن نأخذ بناصية العلوم حتى يصبح العقل عالما والقلب عارفا والجسد سالكا. أنقدتنا من عالم الفتنة وأرشدتنا إلى محاضن الذكر. انتشلتنا من عالم العبث واللهو الى عالم القصد والبناء.

فأنت بحق سيدي مدرسة تجديد الايمان، وما زالت كلماتك ترن في أذن كل أبنائك الطاهرين: القناعة من الله حرمان)؛ كلمة محفزة مستنهضة للهمم في كل وقت وحين، كلما همت النفس للتقاعس والتباطؤ رنت هذه الكلمات في الآذان تحفز الفؤاد وتجمع شتات الجسد على القرآن، حتى تصبح له إرادة صادقة لاقتحام العقبات.

أبناؤك وتلامذتك ومحبوك في مدرسة العدل والاحسان يعملون بعلمك المسطور في المنهاج النبوي، يسمع لهم أزيز كأزيز النحل في مجالس القرآن، يكتسبون شعب الايمان في مجالس النصيحة ومآدب الرحمان… أبناء بررة، أهل وفاء ومحبة، تذوقوا حلاوة الايمان بمجالستك في الدنيا ويتشوقون للقائك في الآخرة، وتحمل صحائفهم عمل الخير والفلاح الذي دللتهم عليه.

كيف ينقطع عملك سيدي، والأمة جمعاء متعطشة لاكتشاف علم المنهاج النبوي الذي كتبته يمينك وبسطته في مجالسك ونثرته دررا في القلوب تنقله الألسن للناس كل الناس من مغرب الأرض إلى مشرقها ومن شمالها إلى جنوبها، وبجميع اللغات رغم عجمة اللسان؟ إلا أن القلوب تهفو لعلمك التجديدي.

كتبت هذه السطور في حق رجال الله، رجال التأسيس والبناء. لا أفصل بين الأول والثاني، أو الثاني والثالث، لأن الأحمدين حملا الإمام فوق الأكتاف محبة ويقينا بأن الرجل يدعو إلى الله. صحبة صادقة في تربة طيبة أنبتت شجرة مباركة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.

سلام الله ورحمته عليكم يا رجال الله، فأنتم السابقون ونحن اللاحقون.