بمناسبة ذكرى وفاة الإمام المجدد المجاهد عبد السلام ياسين رحمه الله٬ أسهم بهذه الكلمات البسيطة ذكرى للراغبين، ووفاء لمصحوب أمين، وقربى لرب العالمين، لعلها تلخص بعض ما تنسمناه من أريج لطائف صحبة دامت سنين فأنبتت شجرة مباركة تؤتي أكلها بإذن ربها كل حين.

قال صلى الله عليه وسلم: “”أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة”، قلنا: وثلاثة؟ قال: “وثلاثة”. قلنا: واثنان؟ قال: “واثنان “. ثم لم نسأله في الواحد”. رواه البخاري . وفي رواية: “ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة من أهل أبيات جيرانه الأدنيين أنهم لا يعلمون منه إلا خيرا إلا قال الله تعالى وتبارك: “قد قبلت قولكم” أو قال: “بشهادتكم وغفرت له ما لا تعلمون””.

وإني من خلال هذه البضاعة المزجاة، لم أجد أبلغ شهادة من سرد لبعض تجليات تربيته النبوية التي فاض نبعها ونورها على محيطه فاستحقوا التهنئة بفضل صحبتهم لمن صحبه وجالسه.

فإلى هؤلاء حميعا أقول.. هنيئا لكم بصحبتنا له.

أقول لأزواجنا هنيئا لكن بصحبتنا له. فو الله إنه بفضله رحمه الله، أصبحت إهانتكن أثقل علينا من الجبال، وإكرامكن قربى وعبادة نتنافس بها وإليها٬ فما ترك فرصة صغيرة ولا كبيرة إلا وأوصانا فيها بالإحسان إليكن وإكرامكن.

كيف لا وهو القائل: الأصل هو حفظ كرامة البيت، وصوْن المرأة، والتلطف بها، والتماس أسباب رضاها. لا التجسس عليها، وإحصاءُ أخطائها. من الخشنين من يجلد امرأتهُ لأنه لم يجد طعامه على ذوقه. ماذا يفعل مثل هذا لو كسَرَتْ المرأة صحفة طعام الأضياف أمام الأضياف!) 1 ، مَن مِثلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ ومع ذلك، وتعليما وتأديبا لنا، يضرب لنا المثَل في اتقاء الله في الضعيف. روى ابن سعد أن خادما أغضبته صلى الله عليه وسلم فهددها قائلا: “لولا القِصاص يومَ القيامة لأوْجعتُكِ بهذا السواك!” تهديد فقط! وتهديد بسِواك! ما يوجع السواك وما يؤلم يأيها الفقيه الذي يفتي بضرب المرأة ضربا لا يكسر العظام؟ لا تكسر العظام وشرِّح اللحم ومزِّق الجلد وأسِل الدماء”) 2 .

وأقول لآبائنا وأمهاتنا هنيئا لكم بصحبتنا له٬ فو الله إنه بفضل صحبته أصبح دعاؤنا لكم مستقرا عقب كل صلاة وهواكم مؤثرا عندنا على كل هوى عدا الله ورسوله٬ وإرضاؤكم غاية لنا دونها المهج. وكم ستكون فرحتكم عظيمة عندما تلقون الله عز وجل فتفاجؤون بالهدايا وتلبسون الحلل ولا تدرون من أين لكم ذلك فيقال لكم إنها هدايا قرآنية ترسل إليكم كل ليلة بفضل دعاء الرابطة. وما زلت أتذكر كيف كان يلح علينا رحمه الله أن نبقي هدايانا لوالدينا سرا لا يخبرون به لعلهم يسرون بها حين لقاء ربهم عز و جل. قال رحمه الله: أمر صلى الله عليه وسلم ببِر الوالدين ولو مشركين. ذلك رعايةً لحبْل الفطرة من جانب المسلم والمسلمة وإن كان الأبوان كفرا بوظيفتهما الفطرية وجهلاَها وعقّاها: ألا وهي مَنْح الذرية أمانة الإيمان بالله مصحوبة بأداء أمانة الإنجاب والإرضاع والتغذية وتربية الجسوم”…”ولَهِيَ عند الكِبَر أحوج إلى العطف والرحمة والبر. لذلك نص الله سبحانه على بر الوالدين في الكبر فقال:﴿ إما يبلُغَنَّ عندك الكِبَرَ أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما. وقل لهما قولا كريما. واخفض لهما جناح الذُّلِّ من الرحمة. وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ .(سورة الإسراء، الآيتان: 23-24) 3 .

وأقول لأبنائنا هنيئا لكم بصحبتنا له٬ فو الله إنه بفضله تعلمنا أن ضرب الأبناء قبل سن الإدراك ظلم شديد لا قبل لنا به، وهو بعد ذلك نتيجة لخلل في التربية لا يعالج إلا بالرفق الشديد والمصاحبة الحانية. وكيف لا يكون الأمر كذلك وهو الذي جعل الطفل والمرأة في مركز اهتمام الدعوة والدولة الإسلاميتين على السواء إذ قال: شخصان إذن هما مركز العناية الإسلامية: الطفل والمرأة، الأم وطفلها. لأن حماية الطفولة ملازمة لحماية الأسرة ولأن الأسرة هي الأم أولا. لذا يجب أن تكون وضعية المرأة والأسرة أولوية الأولويات في برنامج الحكومة الإسلامية والمنظمات الخيرية) 4 .

وأقول لأهلنا وأصحابنا هنيئا لكم بصحبتنا له٬ فو الله إنه بفضله أصبحت أسماؤكم حاضرة في دعائنا كل ليلة. وأرواحكم مرتبطة بأرواح الصالحين من أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في جوف الليل ساعة نزول رب العالمين سائلا: “هَل مِنْ مُسْتَغْفِر أَغْفِرَ لَهُ، هَل مِن سَائِل فَأُعْطِيَهُ، هَل مِن تَائِب فَأَتُوب عَلَيْهِ” 5 .

وأقول لمخالفينا هنيئا لكم بصحبتنا له٬ فوالله إنه بفضله أصبحت ألسنتنا تنعقد قبل أن نهم بالرد على من يسبنا ويسعى للنيل منا٬ كيف لا وهو الذي أوصانا بالحرص على ألا يغمض لنا جفن إلا وقد تصدقنا بأعراضنا وصفينا قلوبنا؟

وأقول لبلدنا هنيئا لك بصحبتنا له٬ فو الله إنه بفضله تعلمنا الصبر على الأذى مهما عظم٬ وألا نواجه العنف المسلط علينا بمثله. فكم كان يشتد الأمر على نفوسنا ويبلغ الغيظ منا مداه حين كانت تهشم منا العظام في ساحات الجامعة ونتعرض لأوسخ الإهانات في مخافر الشرطة فما هي إلا كلمات رقيقة منه إلا ويصبح كل ذلك أوسمة نعتز بها وشرفا نفرح به إذ كان في سبيل الله.

وأقول لمن صحبه أو جالسه هنيئا لكم بصحبتكم له، فقد نلتم بصحبته الفتح والنور والبركة. كيف لا وهو الذي علمنا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم “يأتي على الناس زمان، فيغزو فئام من الناس، فيقولون: فيكم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان، فيغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان، فيغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم” 6 ؟.

فاللهم اجعلنا أهلا لحمل أمانته وحفظ وصيته بالثبات على منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نلقاك.


[1] تنوير المومنات ص 205 (موسوعة سراج).\
[2] تنوير المومنات ص 208 (موسوعة سراج).\
[3] تنوير المومنات ص 212 (موسوعة سراج).\
[4] (الفصل السادس – الطفولة التعسة) الإسلام والحداثة.\
[5] رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة.\
[6] رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري.\