تنبع أصالة تصور الأستاذ عبد السلام ياسين لقضية التربية والتعليم من حقيقتين اثنتين:

1 _ إنه مارس مهنة التدريس، وتدرج في أسلاكها من سلك التعليم الابتدائي إلى سلك التعليم الثانوي إلى سلك التفتيش إلى سلك التخطيط، كما شغل منصب مدير مدرسة المعلمين (1959)، ومدير مركز تكوين المفتشين (1965)، وشارك في تداريب تربوية دولية (فرنسا / الولايات المتحدة الأمريكية / لبنان / تونس)، فخبر بذلك روح المهنة وكنهها وأسرارها، كما تعرف عن قرب على أزماتها وخباياها، ورصد عيوبها وأوجاعها ومكامن قوتها وضعفها من واقع الممارسة اليومية.

2 _ إنه راهن على التربية ثم التربية ثم التربية) من أجل تحرير الأجيال الناشئة من واقع الفتنة والغثائية ومن أجل نقلهم من التسيب الفكري العقدي الأخلاقي إلى الالتزام بالكلمة الحق، والرسالة الصدق، يحملونها في أمتهم وفي العالمين نبراسا في مدلهمات الدخان الجاهلي الجالب بخَيله ورَجله) 1 .

لا غرابة أن نجد حديثا عن التربية في كل ما دبجه الأستاذ وهو يناقش مختلف القضايا التي تمس صميم الأمة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وفكريا وتربويا / تعليميا وفنيا/ أدبيا… وهذا ما يؤكد خاصية الأصالة التي تميز مشروعه الفكري التجديدي، الأصالة بما هي عودة إلى الذات، إلى العجنة الفطرية، التي خلق عليها الإنسان، وتحذير من الانسلاخ تحت دعوى الواقعية أو الانفتاح، ومن النقض والنكث والانسياح بدعوى الصلح والحوار والتوافق. فالمنهاج يتجانف عن هذه الأرضية المريجة نحو أرض الإسلام والشرعية الركينة، بحسب مقتضى الوحي) 2 .

انطلاقا من ذلك نطرح السؤال المحوري التالي: ما هي أهم ملامح المسألة التربوية/التعليمية في التصور المنهاجي من حيث أبعادها الثلاثة: الهدف / البرنامج / اللغة؟ وبعبارة أخرى: ما المقصود من التعليم في تصور الأستاذ عبد السلام ياسين؟ عبر أي برنامج؟ وبأية لغة؟

هي مفاتيح ثلاثة نقترحها لفهم بعض ملامح التصور المنهاجي لقضية التربية والتعليم باعتبارها لبنة من أهم لبنات اقتحام عقبة إحياء الأمة وتمكينها:

1 _ مفتاح الهدف / معرفة الله تعالى.

2 _ مفتاح البرنامج / التعليم القرآني.

3 _ مفتاح الوسيلة _ الأداة / اللغة العربية.

1 _ المفتاح الأول / هدف التربية والتعليم: معرفة الله عز وجل

يذهب الأستاذ المجدد إلى أن للتعليم هدفان أساسيان في أي ملة وقوم: أولهما المؤسس للآخر هو غرس الولاء مبكرا في النفوس. إما الولاء لحضارة وتقاليد أسرية قومية، وإما الولاء لدين، وإما الولاء لشخص حاكم يعبد من دون الله… (…) الهدف الثاني المؤسس على الأول هو إكساب الناشئة المهارات العقلية العملية المطلوبة اجتماعيا واقتصاديا) 3 ، وبناء على ذلك يؤكد أنه في المجتمع الإسلامي المتجدد لا ولاء يُقبل إن لم يكن لبه الولاء لله لا شريك له) 4 .

إن هدف التربية في تصور الأستاذ هو إيقاظ قلب الإنسان وعقله بالعلم والإيمان ليكون عبدا لله. تفتح العقل على علم الشريعة وعلوم الكون وسيلة لمعرفة الواجب الديني والتعامل مع الخلق ومع الأشياء، لكن التعامل مع الخالق، ونيل مواهبه ورضاه، لا يصح إلا بسلوك وتربية ينفتح القلب على إثرهما لمعرفة الله عز وجل…) 5 ، الهدف إذا هو تحقيق العبودية لله تعالى، وهو ما يعني جعل القلب والعقل معا يدوران في فلك النور الرباني فإذا اجتمعت في الرجل الواحد كفاءتا القلب والعقل، كفاءتا الإيمان والعلم فذاك هو المطلوب: أقوياء أمناء) 6 . المطلوب إذا الجمع بين القوة بكل ما تعنيه من كفاءة ومهارة وتمكن وضبط (العقل)… والأمانة بكل ما تعنيه من صدق وإخلاص ورعاية للمسؤولية ومراقبة لله تعالى… (القلب). غاية المشروع المنهاجي إقامة دولة القرآن، وفي هذه الدولة نحتاج إلى علماء مجتهدين في الشريعة، نحتاج إلى قضاة فقهاء، نحتاج إلى مُفْتين نزهاء، نحتاج إلى مهندسين خبراء، نحتاج إلى تقنيين صانعين، نحتاج إلى أطباء لعلاج الأجسام. لكن حاجتنا إلى أطباء النفوس، إلى الربانيين رجال الدعوة، إلى اختصاصيين في أمراض القلوب المعنوية لا تقل عن تلك الحاجات) 7 ، مطلوب هذا التكامل بين علماء الشريعة والربانيين فـفي بيوت الله، ومدارس الأمة، ومعاهدها، وجامعاتها، تكونُ مصحة التربية القلبية وصيدلية الشريعة متجاورتين متكاملتين) 8 .

إن الهدف من منظومة التربية والتعليم هو بناء أجيال حاملة رسالة، تتضلع من علوم القرآن والسنة وأحكام الشريعة على كل المستويات. ثم تستطيع أن تخدُمَ تلك الأهدافَ التي حددها القرآن، وعلمتها السنة، وحددتها أحكام الشريعة، بأحدث خبرة وأعلاها وصل إليها الإنسان) 9 ، الأمر لا يعدو في نهاية المطاف أن يكون علاقة وسيلة بهدف، فالتمكن من المادة العلمية أيا كانت لا يشكل هدفا في حد ذاته، بل يعتبر وسيلة لتحقيق الغاية الإيمانية الإحسانية لا نريد معامل تفريخ تخرج خبراء في اللفظ والحذلقة، بل نريد تلامذة، وطلبة، ومدارس، ومعاهد، مجندة لخدمة الغاية الإيمانية الإحسانية، ولتحقيق الأهداف العملية الإنجازية لدولة الإسلام المجاهدة وسط عالم مترصد مليء بالتحديات) 10 .

وبناء على ذلك يحدد الأستاذ معالم ومواصفات الشخصية الإسلامية المطلوب من المدرسة الإسلامية المستقبلية صياغتها كما يلي 11 :

1 _ الشخصية المومنة بالله واليوم الآخر. المخلصة لله عز وجل، العالية الروحانية.

2 _ الشخصية الصالحة للاندماج في الجماعة، من حيثُ محبة الله ورسوله المنتجة لمحبة المومنين، ومن حيث الإرادة والقدرة على التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر، ومن حيث المشاركة في الأمر العام، وفي الشورى، والدعوة، والدولة.

3 _ الشخصية الصادقة الشجاعة في الحق التي يوثق بها.

4 _ الشخصية الواعية بمسؤوليتها عن الانتصار للمستضعفين في الأرض، المستعدة لبذل الجهد والمال من أجل إقامة العدل في الأرض.

5 _ الشخصية العالمة بعلم الحق وعلم الكون، القادرة على الاجتهاد في الشريعة، وعلى توطين العلوم الكونية في بلاد الإسلام وتطويرها واستثمارها.

6 _ الشخصية المتحركة النشيطة الخفيفة إلى كل عمل يرضى عنه الله عز وجل، الممسكة الثقيلة عن محارم الله.

7 _ الشخصية المتميزة ظاهرا وباطنا، قلبا وقالبا، عاطفة وفكرا، مضمونا وأسلوبا، عن الشخصية الجاهلية، وعاداتها، وثقافتها، ومنهاجها.

8 _ الشخصية الصامدة أمام كل إعصار، المقتحمة لكل العقبات التي لا تعرف الملل، ولا يَفُت في عزمها الكلل.

9 _ الشخصية المنتجة، المقتصدة، القادرة على إدارة أموال الأمة وخيراتها، وعلى التعامل مع تيارات المصالح العالمية تعاملا يضمن استقلال الأمة في غذائها، وكسائها، ورخائها، وسلاحها.

10 _ الشخصية المقاتلة المجاهدة في سبيل الله، الحاملة رسالة الله إلى العالمين بالحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، المدافعة عنها بحد السيف، وقوة الدبابة، ونار الصاروخ إن اقتضى الحال، ووقع على الأمة العدوان.

2 _ المفتاح الثاني / البرنامج التعليمي: التعليم القرآني

لن يتحقق هدف معرفة الله عز وجل إلا إذا كان “القرآن” محور وأس وعمق ولب العملية التعليمة ككل، يقول الأستاذ المجدد: مضمون التعليم عليه أن يكون مضمونا قرآنيا يستفرغ اللب الموروث ليحيي في المنظومة التعليمية الإعلامية روح الإيمان المتجدد) 12 . ولكن هل يعني ذلك أن نضرب عٌرْضَ الحائط سائر العلوم الأرضية والمعارف الكونية، وأن نولي وجوهنا ناحية القرآن الكريم نستفرغ فيه الجهد حفظا وفهما وتدبرا وانتهى الأمر ؟؟

سيكون فهمنا سطحيا وساذَجا لو فهمنا الأمر على هذا النحو، ذلك أن القرآن الكريم ينبغي أن يستعيد موقعه وثقله ومكانته ومركزيته في برامج مختلف أسلاك التعليم: جسدا وروحا، مبنى ومعنى، لفظا ودلالة، منطوقا ومفهوما، قلبا وقالبا، وعاء وشرابا، شهدا وعسلا… إنه عربون حياة الأمة، كما أنه عروة وحدتها التي أصبحت في مهب الرياح، والأمة ما تزال بخير ما اتخذت القرآن عُمدةَ التعليم والتربية وقِوامَهُما. ففي مدارس الصبيان واليافعين والشباب والكبار ينبغي أن تُعاد للقرآن حرمتُه ومكانتُه بحيث يكون صُلْبَ دروس اللغة والفقه والأخلاق والعقيدة. في حلقات الدعوة، في المسجد، في برامج التعليم المدرسي والجامعي. وإنَّ إبعاد القرآن عن المدارس والمعاهد والجامعات، وتقليصَ حصصه، وعدمَ اعتبار حِفظه، وتجويده، وفهمه، في الامتحانات لمحاربة لواحدة من شعائر الإسلام العظمى) 13 ، كما ينبغي استحضار روح القرآن في مختلف العلوم الحقة والمعارف الإنسانية، وفي مختلف المواد الدراسية المبرمجة بدءا من المراحل التعليمية الأولى فمن الخطوات الأولى إلى مدرسة الحضانة، وبستان البراعم، يُعَلّم التهجي من آيات القرآن وسوره القصيرة. ويُعَلّم الحساب من عدد ركعات الصلاة، ويُعَلّم ضبط الوقت من مواقيتها. وتتفرع علوم الرياضيات والهندسة في مراحل أخرى من تحول الليل والنهار، ومن أنصباء الزكاة، ومن فلكيات الشهور وتغير مواقيت الظهر والعصر. آيات اختلاف الليل والنهار ومطالع الشمس والقمر مدخل لدراسة الجغرافيا. قصص الأنبياء عليهم السلام مقدمة ومعيار لدراسة التاريخ. آيات الخلق والإبداع الإلهي فتح لباب الاطلاع على الكون المرئي من ساحة الغيب. آيات النبات والثمرات والأعناب والنخيل والرمان كتاب كامل لمعرفة جنات الدنيا وجنات الآخرة. آيات الخيل والبغال والحمير والأنعام امتنان إلهي على العباد يُفضي العلم به إلى البحث في الاقتصاد وعلوم الأحياء. آيات نشأة الإنسان في الأرحام من نطفة إلى علقة فمُضغة مخَلّقةٍ وغير مُخَلقة: تذكير بالخالق، وتَعجيبٌ للإنسان الذي أطفأت فيه الحضارة المادية العجائبية فطرة التعجب من وجوده. ثم هي منطلق لدراسة مقدمات علوم الأحياء والطب وتركيب الجسم وقواعد الوقاية والصحة) 14 .

ويقدر الأستاذ عبد السلام ياسين موقف أولئك الذين يصعب عليهم تصور القرآن الكريم برنامجا لنظام تربوي تعليمي كامل متكامل، ويعتبر ذلك ثمرة من ثمار الغفلة عن الله عز وجل، يقول: يَصعُب على الغافلين عن ربهم أن يتصوروا نظاما تربويا تعليميا برنامجه القرآن، ومضمونه القرآن، وأهدافه القرآن، ومنهاجُه السنة وعمل النبوة. كيف نُدْخِل في الإسلام لغة ملوثة بمعاشَرة اللغات؟ كيف ندخل للإسلام علوم الرياضيات، والفيزياء، والكيمياء، والتكنولوجيا، والتاريخ؟ كيف وكل هذه العلوم طُوِّرَتْ في حظيرةٍ لا تدين لله بدين، ولا ترجو له حسابا؟ ثم كيف نربطها بالقرآن ونفرعها عنه وقد شبَّت وشاخت في أحضان قوم لا يومنون بالقرآن، ولا برسالة القرآن، فهي في ذاتها الأصلُ في تقدير الفكر المادي العريق في معرفة الوسائل المُبْعَدِ عن معرفة الغاية؟) 15 ، ولا يفتأ يستحضر نموذج التعليم في المجتمعات الغربية، هذا النموذج الفارغ من كل روح ومن كل عمق رباني، لا يمكن إلا أن ينتج إنسانا يتعبد في محراب هواه وغرائزه، يقول: الوضعُ معكوس في النمط التربويّ التعليمي السائدِ في بلاد الجاهلية، المستورَدِ إلينا، بل المفروضِ علينا. في هذا النمط إنسان بالصورة والشكل، فارغٌ من إنسانيته، ممتلئٌ بهواه وبهيميته، يدور حول فلَك شهواته. وكلُّ إفرازات ذهنه، وهواجِس نفسه، وصناعةِ يده، وابتكارِ حِذقه، مُسَخَّرَةٌ لإسعاف هواه) 16 .

3 _ المفتاح الثالث / الوسيلة الأداة: اللغة العربية

لا تنحصر وظيفة “اللغة” في كونها وسيلة للتواصل ونقل المعارف والمعلومات بين أطراف العملية التعليمية وانتهى الأمر، إنها تختزن الهوية والوجود والكينونة والتاريخ والحاضر والمستقبل، إنها الحمولة القيمية والفكرية والثقافية والحضارية، وهذا ما يبرر اعتزاز كل شعب بلغته القومية وحرصه الشديد على غرس حبها والارتباط بها في نفوس الناشئة منذ المراحل التعليمية الأولى، هذا الارتباط يزداد ترسخا في حالة المشروع التجديدي الذي أرسى أسسه الأستاذ المجدد، لأن الله تعالى اختار اللغة العربية دون غيرها من اللغات لتكون حاملة لرسالة الإسلام لكافة البشر، يقول: شرفها الله عز وجل أن اختارها وعاء لكلامه العزيز. فوجودنا المعنوي، وعزتُنا، ومستقبلُنا، رهنٌ بأن يعاد لهذه اللغة مجدُها وسيادتُها. وسنبقى صُما عن معنى ديننا إن لم نُتْقِن لغة القرآن، بُكْماً عن تبليغ دعوة الله إن اخترنا رَطانَة الأعْجام على اللسان العربي المبين، عاجزين كَسِيحينَ عن استنقاذ العلوم الصناعية الكونية وتوطينها إن لم تكن لغتُنا واحدةً قويةً فصيحةً في كل الميادين) 17 .

ويضع الأستاذ يده على أصل الداء، عندما يقرر أن تهميش اللغة العربية من ميادين الحياة العلمية / التكنولوجية، وحتى الفقهية الاجتهادية راجع أساسا إلى العامل السياسي الذي أدى إلى تنحية الشريعة من الحياة العامة، يقول: ولقد كادت العربية بما همشها وعاداها المتفرنجون أن تصبح لغة كَهَنوتية في الكتب الفقهية وعلى منابر الوعظ الوديع المُسالم، أو لغةَ صحافة يقودُها من أنفها أولادُ النصارى العربِ إلى الهُجانة والرَّطَانَةِ. لا وجودَ للعربية، ولا يكادُ، في مختبرات العلوم، وملتَقيات الخُبراء، ودروسِ التخصص العالي. وحتى في ميدان اللغة العربية الأصليِّ، وهو فهم القرآن والحديث، واستنباطُ الأحكام لا تجد تلك الفعالية المطلوبةَ، لأسباب أهمُّها تنحيةُ الشريعة من حياة المسلمين العامة، وفسادُ المَلَكَةِ اللغوية التي تُعَد من المقوِّمات الأساسية للاجتهاد) 18 . ويلتفت الأستاذ المجدد _ كما دأب على ذلك في كل المقامات _ إلى ماضي الأمة ليقارن بين ما كان عليه حال اللغة العربية ماضيا، وما آل إليه حاليا، يقول: كانت لغة القرآن عزيزة بعزة المسلمين، فلما ذلوا خذلوها، وكانت في عز سلطان الإسلام كل اللغات هباء منثورا بالنسبة للغة السيدة، وكذلك نريد لها بعد مراحل توطين العلوم فيها) 19 . ولعل مكمن الخطر يكمن في كون المس باللغة العربية يعني المس بثابت من ثوابت الأمة، وبأساس متين من أسس وحدتها، كما يعني المس ب “الرسالية” التي تعتبر أخص خصوصيات الأمة، وأوجب واجباتها، يقول الأستاذ المجدد: “لكننا حمَلَةُ رسالةٍ، من إيجابيات الرسالَة وأعمدتها وأصالتها وقوتها قول الله تعالى: )وأمرهم شورى بينهم(سورة الشورى، الآية. 38) نكون مَسْخا من المسخ إن لم نفعل. نراجع بناء الصرح من أسفله إلى أعلاه، فنجد وحدة اللغة، وقوة اللغة، وقدرة اللغة على توحيدٍ، هي جذرُ الأساس، والجُلْمود الثابتُ إن تزعزع انهارَ البناءُ. ونجدُ نظام الحكْم ناطقا بلغة القرآن الموحِّد، قرآنِ التوحيد، وعقيدةِ توحيدِ الله تعالى، وطاعتِه اللازمةِ لكل مسلم ومسلمة) 20 .

غير أن ذلك لا يعني الانغلاق السلبي على الذات، وإغلاق الأبواب والنوافذ حد الاختناق، فحتى الدول الصغرى في الغرب كلتوانيا والنرويج والدانمرك وغيرها خدمت لغاتها القومية وطورتها، فلها بواباتها الخاصة إلى العلوم والتكنولوجيا، دون أن يشكل ذلك تهديدا على الهوية القومية والخصوصية الوطنية. وعلى هذا الاعتبار يكون الانفتاح على اللغات الأجنبية ضرورة مرحلية فقط، ضرورة يفرضها الواقع المتغير باستمرار، ويفرضها السبق العلمي والتكنولوجي الذي حققته الأمم الأخرى، على أن الأصل الذي ينبغي التشبث به هو تَعَلُّمٌ وتعليم اللغة العربية، يقول الأستاذ: وجب على المسلمين أن يجعلوا لغةَ القرآن اللغة الواجبَ تعلُّمُها، وأن يكون تعلمهم اللغاتِ الأجنبيةَ وسيلةً لإثراء محصولنا من العلوم الكونيَّة، ريثما نستقل بها. وفي بلاد العجم المسلمين يُفْرَضُ تعلُّم العربية وهجرُ ما سواها تدريجيا) 21 . ويعود الأستاذ إلى عامل التنشئة والتربية والتعليم باعتباره المسؤول الأول والرئيس عن تعلم اللغة وتشربها والتشبع بها وتمثلها، ذلك شخصية الطفل الناشئ لن تتقوى، ولن تنبني البناء السليم المتين، ولن يكون في مستوى الرجولة الإيمانية التي نسعى إليها، إلا إذا كرع من منابع الإيمان الصافية الدفاقة النقية، ولن يتحقق ذلك الامتياح المباشر إلا عبر اللغة العربية فـأول ما يتعين على تعليم يطمح إلى وصل الناشئة المومنة بالنبع هو تعليم اللغة العربية بحيث يكون للمومن ما يشبه ويقرب ويحاذي سليقة العرب الذين بلسانهم نزل الوحي. سمعوه فوعته عقولهم، واستجاب لهداه بعضهم، وكفر بعض ممن انغلق دون هدى الله، وانختم قلبه) 22 .

وخلاصة القول إن فهم تصور الأستاذ عبد السلام ياسين لقضية التعليم لا ينفصل على فهم التصور العام للجماعة التي تحمل مشروعا تغييريا شاملا ومتكاملا، مشروعا يخاطب الإنسان الفرد مذكرا إياه أبدا بمصيره المحتوم، ويخاطب الأمة الموعودة بالتمكين مذكرا إياها بمسؤولياتها ورساليتها. والأكيد أن أبرز مداخل هذا التغيير يكمن في ميدان التعليم الذي يُعقد عليه رهان تربية الأجيال فلذات الأكباد وجعلهم في مستوى المسؤوليات الجسام الملقاة عليهم من أجل إحياء الأمة وتحريرها من واقع الغثائية والذيلية والتبعية والمسخ الذي طال كافة مناحي حياتها.

إن الخيط الناظم الجامع بين المفاتيح الثلاثة المقترحة يمكن صياغته على شكل سؤال ثلاثي الأبعاد: ما الهدف؟ عبر ماذا؟ بأية وسيلة؟ ما الهدف من التعليم في التصور المنهاجي؟ عبر أي برنامج يتم ذلك؟ ما هي اللغة الكفيلة بتحقيق ذلك؟ وإذا كان هدف “معرفة الله تعالى” يشكل قلادة هذا العقد، فإن من لآلئه الثمينة: التعليم القرآني واللغة العربية.


[1] (حوار مع الفضلاء الديموقراطيين) / الطبعة الأولى _ 1994 م / ص: 123.\
[2] (المنهاج النبوي من الاكتشاف بمراكش إلى إعادة الاكتشاف بإستامبول) / نور الدين الملاخ / الثلاثاء 11 دجنبر 2012 / موقع الجماعة.\
[3] ( حوار مع الفضلاء الديموقراطيين ) 152 _ 153.\
[4] (حوار مع الفضلاء الديموقراطيين) 153.\
[5] (إمامة الأمة) / دار لبنان للطباعة والنشر / الطبعة الأولى / 1430 _ 2009 / ص: 151.\
[6] (إمامة الأمة) 152.\
[7] (إمامة الأمة) 152.\
[8] (إمامة الأمة) 153.\
[9] (إمامة الأمة)183.\
[10] (إمامة الأمة) 183-184.\
[11] (إمامة الأمة) 178-179.\
[12] (حوار مع الفضلاء الديموقراطيين) 152.\
[13] (إمامة الأمة) 165.\
[14] (تنوير المومنات) / الطبعة الأولى / 1996 / ج 2/ ص: 261 _ 262.\
[15] (إمامة الأمة) 159.\
[16] (إمامة الأمة) 158-159.\
[17] (إمامة الأمة) 185.\
[18] (إمامة الأمة) 185-186.\
[19] (إمامة الأمة) 187.\
[20] (حوار مع صديق أمازيغي) / كتاب إلكتروني.\
[21] (إمامة الأمة) 186.\
[22] (حوار مع الفضلاء الديموقراطيين) 130.\