بمناسبة مرور عام على وفاة الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، تم تنظيم ندوة علمية حملت عنوان “معالم التجديد في مشروع الإمام المربي عبد السلام ياسين رحمه الله”، تحتفي بفكر الإمام ومشروعه، وقد افتتحت الندوة المنعقدة ببيت المرحوم بالسويسي بالرباط، والتي حضرها عدد من الضيوف من داخل المغرب ومن خارجه، بآيات بينات من الذكر الحكيم، ثم تناول الكلمة الدكتور عبد الصمد الرضى الذي رحب بالحاضرين، وأحال الكلمة للأمين العام للجماعة الأستاذ محمد عبادي الذي افتتح كلمته بشعر يقول فيه الإمام:

ألا من مسعف حولي على أمر أحاوله *** تيتم بيننا العدل وكل الناس خاذله ثم شكر عائلة الفقيد زوجة وبنات وأبناء وأصهارا، إذ وقفوا إلى جانبه وتحملوا معه في سبيل هذه الدعوة الشيء الكثير، فأوذوا وصبروا، وحوصروا لمدة عشر سنوات، وقطعت صلة الرحم بينهم. كما شكر أصحاب الفضيلة من الضيوف الذين تجشموا عناء السفر من الداخل والخارج. وذكر أن غاية هذا الاجتماع كشف النقاب عن مدرسة الإمام المجدد وفكره وتصوره الذي طالما تعرض للتشويه والتزييف بفعل ما مورس عليه من التضليل الإعلامي والدعاية المغرضة، لكن يأبى الله إلا أن يظهر الحق، لأن الكلمة الصادقة لا يمكن أن تحجب بالغربال، كما أشار الأمين العام. وأضاف أن صاحب الذكرى باختصار عبد الله وكفى، عاش بالله وفي الله ومع الله، وعاش مع السنة تعلقا واقتدارا، كلما اكتشف سنة من السنن اعتبر ذلك اليوم عيدا، يضيف العبادي، عاش في أحضان أولياء الله تعالى. هذه الصحبة لله ذكرا وتبتلا وتضرعا، وهذه الصحبة في الله، وهذه الصحبة مع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلت قلبه يستنير بنور الله، فامتلأ هذا القلب حبا لله ولرسول الله ولكل محبوب عند الله تعالى.

أنتج هذا العقل ما يربو عن أربعين مؤلفا، وهذه المؤلفات اكتست حلل التجديد على كافة الجوانب؛ التربوي السياسي، الفكري، تحليل التاريخ، لأنها نتجت عن قلب ملهم متعلق بالله منطرح بين يدي الله. رحمه الله برحمته الواسعة. ثم ذكر بخصاله وأثره على أبناء الجماعة، حيث قال فضيلة الأمين العام: كان ملاذا لنا، وجدنا حائرين فأخذ بيدنا ودلنا على خيري الدنيا والآخرة، عشنا معه أياما وساعات يصدق فيها قول القائل: لو يعلم الملوك ما نحن عليه لجالدونا بالسيوف، تخرج من اللقاء معه وأنت منشرح الصدر وقد أزيلت عنك جبال من الهموم والغموم والمشاكل).

وبعد كلمة الأمين العام، بدأت المداخلات بمداخلة الأستاذ محمد حمداوي، عضو مجلس إرشاد الجماعة، الذي عنون مداخلته التجديد في مشروع الإمام المربي عبد السلام ياسين رحمه الله: فلسفته، أصوله، خصائصه ومجالاته)، بدأها أولا بتحديد مفهوم التجديد عند الإمام، ويعني به إحياء الفهم السليم لدين الإسلام وبثه وسط الأمة والدعوة إليه، والعمل على بعث الإيمان وتقويته في القلوب، وتحرير إرادة الأمة من كل خضوع لغير الله تعالى، وتربية الأفراد على السلوك القويم، وعلى روح العمل الجماعي التعاوني الأخوي، وإنتاج فكر واجتهاد متجدد يوحد الجهود ويجيب عن تحديات الأمة الحالية وحاجياتها المستقبلية في مختلف المجالات، ويحدد معالم النهوض والبناء. وبعد ذلك، تحدث عن فلسفة التجديد عند الإمام رحمه الله، وذكر أنها تنبني على نظرة إيمانية تحريرية شاملة، فاحصة ومتكاملة وأصيلة للدين والإنسان والتاريخ والتراث والحضارة المعاصرة، وتغطي مجالات التربية والتنظيم والعلم والمعرفة.

وبعد ذلك استعرض المتدخل أصول فلسفة التجديد عند الإمام المجدد، وأولها القرآن الأصل الجامع، فمن القرآن الكريم تُستمَدُّ قوة الايمان وعزة الانتماء لهذا الدين ولهذه الأمة، ومنه تستمد الروابط الأساسية لمجتمع العمران الأخوي القائمة على الأخوة والمحبة والرحمة، والفاعلية الفردية والجماعية. والأصل الثاني بعد القرآن هو الوصل بين القلب والعقل. ثم الأصل الثالث: منهاج عمل لهندسة التربية والتغيير والبناء (نظرية المنهاج النبوي). أما الأصل الرابع، فعنونه بالجمع بين العلم والإرادة. والأساس الخامس، هو التربية أساس البناء. ثم سادسا: التحرير الشامل للإنسان، حيث ذكر أن الإمام ياسين يقصد إلى تحرير الإنسان من الخضوع لغير سلطان الله تعالى، وتحريره في الوقت نفسه من الخضوع لسلطان نزواته وشهواته الظالمة والتوسعية والعنصرية والإقصائية، ولهذا انتقد الإمام رحمه الله دين الانقياد وذهنية القطيع ونزوة الطغيان بكل أنواعه. أما الأصل السابع والأخير فهو السلمية، ذلك أن الرفق والتدرج من السمات الأساسية للدعوة التي نظر لها وربى عليها الإمام أجيالا، إذ إن التغيير المنشود في هذه النفس الإنسانية التي عليها مدار كل اهتمام في مسار النهوض والبناء مبني على القابلية والاقتناع، ولا مجال فيه للإكراه أو الإلزام.

وقد ختم مداخلته بخصائص التجديد عند الإمام، وعدد منها: الشمول والتكامل، الرفق والتدرج، الربانية، الإنصاف، استقلالية التجديد، ومجالات التجديد.

ثم تناول الكلمة الدكتور محمد الزاوي، الذي تحدث في ورقته في موضوع: معالم التجديد التربوي عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله) تناول فيها ثلاثة مباحث؛ أولها التجديد في مفهوم التربية) حيث استخلص ثلاثة تعريفات أثبتها الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، وهي كلها تنسجم مع الدلالات اللغوية والاصطلاحية لمفهوم التربية، والملاحظ أن كل واحد منها يوجه اهتمام الناظر إلى زاوية معينة من العملية التربوية؛ إما إلى الأساس الذي يجب أن تنطلق منه، أو إلى نوعية العلاقة بالمربي، أو إلى الأفق الجماعي المرسوم لها. وبتكامل هذه التعريفات الثلاثة يتخذ مفهوم التربية معنىً قرآنيا نبوياً.

وثاني المباحث خصصه لـالتجديد في هدف التربية) حيث أكد أن للتربية غايتين متلازمتين هما الغاية الإحسانية والغاية الاستخلافية:

1. الغاية الإحسانية: وهي مطلب تربية الفرد المؤمن، قال الإمام المجدد رحمه الله تعالى: الغاية أن يعرف العبد ربه. وكل ما يسميه لسان الاصطلاح تربية دون أن يحقق هذه الغاية فليس التربية التي نقصدها).

2. الغاية الاستخلافية: هي مطلب تربية الجماعة المؤمنة وتأهيلها لعمارة الأرض وحمل رسالة الإسلام العادلة للعالمين.

أما المبحث الأخير التجديد في شروط التربية) فقد بين فيه أن التربية الإيمانية سلوك صاعد مقتحم لعقبات ثلاث في أنفس البشر وفي آفاق الكون، ويتم هذا الاقتحام بتوفر شروط ثلاثة، هي الخصال الثلاث الأولى المؤسسة للمنهاج النبوي:

1. خصلة “الصحبة والجماعة”: اقتحام لعقبة الأنانية الفردية الحائلة بين الإنسان وعالم التحرر الروحي.

2. خصلة الذكر: اقتحام لعقبة العقل السابح في غلواء الحس والمادة.

3. خصلة الصدق: اقتحام لعقبة العادة القاعدة بالإنسان عند غرائز الشهوة والشح والكسل.

وبعد الدكتور الزاوي، تناول الكلمة الدكتور البشير أرياصوري الأستاذ بجامعة مرمرة بتركيا، ومترجم عدد من كتابات الإمام إلى اللغة التركية، حيث انصبت مداخلته حول موضوع شعب الإيمان بين الإمام البيهقي والإمام عبد السلام ياسين)، استعرض فيها الجهود العلمية للإمامين الحليمي والبيهقي في تصنيف شعب الإيمان، المستقاة من الحديث النبوي “الإيمان بضع وسبعون شعبة”، ثم تحدث عما ميز تصنيف الإمام لهذه الشعب، حيث ذكر أن الإمام ركز على التربية خاصة، وأسس تربيته انطلاقا من شعب الإيمان بناء على المنهاج النبوي، ثم ذكر جملة من الفروق بين الإمام وسابقيه، إذ إن هدف الإمام ياسين أن يكون سلوكنا على بصيرة واتباع).

وقد ذكر الدكتور بشير أن الإمامين الحليمي والبيهقي عاشا في زمن ملك عضوض، اضطرهما إلى طريقة تتسم بنوع من السلمية)، في الوقت الذي ركز الإمام على بناء نظرية تربوية قابلة للتطبيق، أما الفرق الثاني، فهو أن الإمام يتناول أعمال الإيمان ويجعلها ضمن خصلة من الخصال، فلم يكن مقلدا لمن سبقه في كثير من النواحي، ثم تميز الإمام ياسين بجعل كل مجموعة من الشعب ضمن فئة خاصة سماها خصالا، وشرحها شرحا تربويا أخلاقيا، وذكر أن هم الإمام إنشاء جماعة همها الزحف، تؤدي واجبها سعيا للاستخلاف وتؤدي وظيفتها.

وكانت المداخلة الأخيرة للدكتور محمد رفيع، عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وأستاذ الفقه والأصول بجامعة فاس، والخبير المحكم لدى العديد من المجلات العلمية ومراكز الدراسات والأبحاث، حيث تحدث عن التجديد العلمي عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، أصوله المنهجية وقضاياه المعرفية)، وقد خصص المبحث الأول لمقاصد التجديد العلمي عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، وهي:

1) القصد الأول: بناء الإيمان في القلوب،

2) القصد الثاني: بناء علم الجهاد في العقول،

3) القصد الثالث: بناء فقه الحركة في السلوك.

وفي المبحث الثاني أوضح الباحث جملة الأصول المنهجية للتجديد العلمي)، وهي: تحكيم الوحي في تقويم التراث الفقهي، وتحكيم الكليات القرآنية الثلاث: الشورى والعدل والإحسان، ومراعاة السياق التاريخي للتراث الفقهي، ومراعاة التدرج في التنزيل، ومراعاة واقع الأمة ومصالحها.

أما المبحث الثالث فقد اشتمل على رصد معالم التجديد في التراث الفقهي عند الإمام) من خلال معلمين اثنين: أولهما المعلم المنهجي النقدي الذي يضم تضخم الفقه الجزئي وضمور الفقه الكلي، وظاهرة التجريد والاستطراد في الفقه، ونسبية التراث الفقهي. وثانيهما المعلم المعرفي النقدي الذي يضم مسألة إمارة الاستيلاء أو ولاية المتغلب، ومسألة أهل الحل والعقد، وربط الفقه بسياقه المعاصر.

وأما المبحث الرابع التجديد في أصول الفقه ومقاصد الشريعة) فقد بين فيه الدكتور رفيع بعض القضايا المقاصدية التي أعمل فيها الإمام رحمه الله نظره التجديدي المتميز، ومن بينها: التعليل المصلحي، وترتيب المقاصد الشرعية، وصيغتها، وربط الاجتهاد بالجهاد، وشروط الاجتهاد وعوائقه.

بعد ذلك فتح الدكتور عبد الصمد الرضى المجال للنقاش، وتدخل كل من جار الله البشير، من حركة البناء الوطني بالجزائر، والأستاذة حميدة مسؤولة القطاع النسائي في جبهة التغيير الوطني بالجزائر أيضا، التي قارنت بين منهج التغيير عند الإمامين البنا وياسين، وبعدها تحدث الدكتور أحمد الزقاقي، الذي أعاد صياغة أهم الأسئلة في مشروع الأستاذ ياسين، وبعده تحدثت الأستاذة انتصار أبو نائل، عميدة المرأة في المؤتمر الوطني السوداني، في التحديات التطبيقية التي تواجه عملية التغيير، ثم تحدث الدكتور عبد الحكيم حجوجي عن قضية التعليم في الفكر التجديدي للإمام ياسين رحمه الله، وبعده تحدثت الأستاذة ثورية بلعربي عن بعض مناقب الشيخ وما أثله من علوم.

وقد فتح المجال للسادة المتدخلين للرد على التساؤلات التي تمت إثارتها، ليعلن مسير الندوة الدكتور عبد الصمد الرضى عن نهاية الجلسة العلمية الأولى من أعمال هذه الندوة العلمية.