أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع الأستاذ عبد الله الشيباني، صهر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله وعضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، حوارا تحت عنوان الإمام الإنسان)، سلط الضوء على جوانب متنوعة من شخصيته رحمه الله.

وتطرق الحوار لعلاقة الإمام بأسرته الصغيرة، وبأمه رحمها الله، وبزوجه حفظها الله. كما تناول مساحة حضور الإمام داخل البيت وقيامه بمسؤولية الأسرة، وعلاقته رحمه الله بأبنائه في الجماعة.

وعرض الحوار لبعض الجوانب الإنسانية في شخصيته التي تركت أثرا فيمن حوله. ليختتم بسرد لمعالم البرنامج اليومي للإمام رحمه الله. فإلى نص الحوار:

كيف كانت علاقة الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله بأسرته أبناء وأصهارا وحفدة؟

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه وسلم وبارك.

كانت علاقة الإمام المرشد سيدي عبد السلام ياسين -رحمه الله- بأسرته علاقة محبة خالصة وتقدير ورحمة؛ خالصة، يعني غير مشروطة بمال أو بعلم أو بجاه أو بنجابة. يشعر كل واحد من الأسرة وكأنه أحب الآخرين إليه وأقربهم منه؛ يعتني به ويسأل عنه إن كان غائبا ويبلغه السلام، ويفرح بقدومه عليه ويكلفه قدر طاقته ويساعده على اتخاذ قراره. كان يشجع المبادرة وينصت ويحترم الرأي ولا يجبر أحدا على فعل شيء. يلاعب الصغير ويسائله عن لعبه ويكرم كل زائر له منهم بما يحب من كتب أو أشياء أخرى. لا يعنف أبدا بل يكون صارما برفق في بعض المواقف، وقليلا ما يلجأ لذلك. يسأل عن المواظبة في الصيام والصلاة في وقتها وعن حضور المجالس ولا يلوم إلا تلميحا وبلطف يُخجل المقصر فينا. لا نخرج من مجالسته إلا بفائدة لغوية أو علمية أو حفظ أبيات شعرية أو تنبيه إلى طريقة جديدة في مجال ما من المجالات. يتابع مع كل منا مساره التعليمي أو الاجتماعي أو المهني ويوجه ويقترح ولا يلزم. يعدل في كل شيء بين أفراد اﻷسرة ويحسن أكثر إلى اﻹناث منهم.

أُثر عنه رحمه الله أنه كان شديد الحرص على إرضاء أمه رحمها الله، نريد أن نعرف بعض جوانب التميز في بره بها؟

كان، رحمه الله، يخصص حصة زيارة يومية لللا رقية رحمها الله، يجلس إليها في غرفتها ويحدثها بالأمازيغية. يسألها عن ليلتها كيف قضتها وعن حالة صحتها وعن دوائها وهو ممسك بيدها. يستشيرها ويخبرها عن أعماله وزائريه وعن أخبار أهلها وصديقاتها. يكرمهم عند زيارتهم للبيت ويجلس إليهم ويسألهم عن أهل البلد وأحوالهم. يتعامل مع انزعاجها على ما يصيبه من المخزن بحكمة ويطمئنها على سلامته باليقين في الله وأنه، عز وجل، حافظه. وكانت للا خديجة بارة بها خادمة لها وكانت أعز الناس إليها. بعد وفاتها كان يصطحبنا لزيارتها والترحم عليها وكلما مررنا بجوار المقبرة نقرأ معه ما تيسر من القرآن ونهديه إليها وإلى جميع أموات المسلمين.

كيف كانت علاقته بزوجه للا خديجة حفظها الله، نود أن تذكر لنا بعض تجليات المودة والرحمة بينهما؟

أكرم الله سيدي عبد السلام بزوجته للا خديجة وجعلها ساعده الأيمن منذ انطلاق جهاده في السبعينات. محبته لها وإكرامه لها جعل منها الجندي الذي لا يكل ولا يمل في خدمة قلعة الجهاد والدعوة لحوالي أربعين سنة. لا يرد لها طلبا ويكرم أهلها ويسأل عنهم. يذكر فضلها العظيم في حضورها وفي غيابها بين أعضاء اﻷسرة وبين اﻹخوان. يستشيرها في أمور كثيرة ويخبرها بأعمال الدعوة والجهاد وبزائريه. يعتني ويسأل عن حالتها الصحية مرات في اليوم، لا ينطلق في الصلاة حتى تلحق به. لا يطمئن في تدبير مناسبات الأسرة إلا لحنكتها وإتقانها ونظافتها و”تاويلها” وذوقها ويفوض لها كل ذلك.

ما هي مساحة حضور الإمام داخل البيت وقيامه بمسؤولية الأسرة بالنظر للانشغال الشديد في تربية الأجيال والدعوة والتنظير والقيادة، ناهيك عن الاعتقال والسجن والحصار؟

كان الملجأ اﻷول لكل من له استشاره في أمر مهم ويكون له السند عند الانطلاق فيه واقتحامه. كان في وقت ما يباشر بيده العناية ببعض أمور البيت من إصلاحات وترتيبات. لن أنسى ما حييت طلعة سيدي عبد السلام زائرا لي في بيتي في مرضي مرتين. ويزور آخر لمباركة بيت جديد أو حضور مناسبة ولا يغفل أبدا عن تقديم الهدية المناسبة. لن أنسى ما حييت بعض المشاهد التربوية مع أطفال الأسرة، منها جلسة قص الحكايات للبنات وتمثيلها بإشارات اليد وحركات الرأس والوجه، وهن في أحضانه. وكذا جلسة مساعدة اﻷطفال على إنجاز فروضهم المنزلية. يشارك سيدي عبد السلام العائلة في جميع المناسبات فرحا وحضورا ومساهمة ومؤاكلة وإهداء وتدبيرا.

إن وسعنا الدائرة قليلا، كيف كانت علاقته رحمه الله بأبنائه في الجماعة؟ ابتداء بمن كانت لهم صحبة مباشرة به وانتهاء بعموم أعضاء الجماعة؟

كان بابه مفتوحا على مصراعيه على كل وافد من شباب وكهول في كل وقت، بكرم حسي ومعنوي، وخصوصا في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات، قبل أن تنظم الزيارات والمجالس واللقاءات. ينتظر قدوم اﻹخوان بشوق ويحتفل باستقبالهم ويسأل عن غائبهم ويطمئن على أحوالهم وأحوال أهلهم وأعضاء مؤسساتهم. وتتعجب لسؤال هذا عن ماذا جد في مرض ابنه وذاك أين وصل أخوه في دراسته وهل ناقش أطروحته، التي يستحضر موضوعها، أم لا؛ وكأن ملف كل أخ بين يديه. يكون يوم عقد لقاء مجلس اﻹرشاد أو اللقاء الشهري أو درس اﻷحد حدثا في البيت يتجند له الكل. كان كل وقته وكل أيامه بما فيها من أعياد ومناسبات عائلية ممزوجا بهمّ الجماعة ومتابعة أحوال رجالها ونسائها. يسأل عن أخبارهم وأعمالهم وأسفارهم ومسيراتهم وكافة تظاهراتهم. كان رحمه الله يحب اﻹخوان محبة اﻷب البار الوفي، وكان يتتبع أحوالهم. وإذا سأله بعض اﻹخوة الدعاء أجاب وهل لي شغل سوى ذلك!؟ فأعينوني على ذلك بالسجود).

حظي الإمام بزيارات كثيرة من وجوه دعوية وفكرية وسياسية وإعلامية.. سواء على مستوى الداخل أو الخارج، فكيف كانت أجواء هذه اللقاءات وانطباعاتهم عنها؟

يستقبلهم بحفاوة كبيرة، بعضهم في مكتبه، وبعضهم في صالة الضيوف. ينصت إليهم ويتناول معهم مجال اهتمامهم الأكاديمي أو السياسي أو الاجتماعي أو الشرعي أو الدعوي. وبلطف يشركهم في آخر ما قرأ من إصدارات أو أخبار في مجالهم، ولو كان المجال علميا بحتا. وكان ذلك مما يبهر جليسه ويرفع سقف النقاش والحوار إلى أعلى. يجد فيه زائره الصدر الرحب و اﻷذن المصغية والعقل المنفتح والاطلاع الموسوعي. يهتم بشخصية زائره ويبحث عن المشترك بينهما ويهتم بتاريخه العلمي أو النضالي أو نسبه، ويميز الشريف وحافظ القرآن بلفتة خاصة. يشيد بمزايا هذه الشخصيات ويعترف لها بفضلها صدقا لا مجاملة. لا تفوته الفرصة ليتخول جليسه بتذكير بالله وبالموت وبأمر اﻵخرة. يبحث دوما عن إمكانية التعاون في الخير وينخرط في كل مبادرة وفق خط المنهاج. يحرص على حضور إخوان الجماعة، مسؤولين أو غيرهم، لهذه الزيارات. يقدمهم للزائرين باعتزاز ويناولهم الكلمة ويبرز كفاءتهم ومهامهم داخل الجماعة. بعد الانصراف يقيّم معهم الزيارة ويقيم أداءهم فيها ويصوبه.

في المقابل كيف كان يتعامل الإمام مع نقد بعض المخالفين له وتجريح بعضهم؟

يتلقى النقد بصدر رحب بل يجعله مادة تدريبية في حلقات نقاش مع الإخوان، يطرح النقد ويسأل جلساءه من الإخوان عن رأيهم فيه وينصت ويناقش ويعلق. يبين زاوية النقد ويأخذ منه ما يحفزنا على تكملة النقص الذي يشير إليه النقد. أما إن كان تجريحا مغرضا رخيصا من المخزن أو من أبواقه أو من زاوية حقد مذهبي ، فهذا لا يؤثر فيه، بل يبتسم ويحمد الله على الموافقة مع سيرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- الذي نعت بأفظع النعوت.

ما أكثر شيء كان يفرح الإمام رحمه الله؟ وما الذي كان يحزنه؟

ينتظر سيدي عبد السلام الصلاة بشوق كبير ويفرح لدخول وقتها وينهض لها. ويفرح بسماع الأذان ويتمتع بالإنصات للقرآن ويفرح بخلوته ليلا مع ربه. ينتظر قدوم الإخوان بشوق ويتهلل وجهه لاستقبالهم ومجالستهم ويفرح بآل بيته ويعبر عن ذلك بالكلمة الطيبة والحركة. يفرح لأخبار إنجازات الإخوة في الدعوة والتوسع والإبداع في أساليب العمل. وأكثر ما يحزنه هو سماع شكوى مشتك من ربه عز وجل أو تساقط أحد الإخوان ونكوصه. لا يقبل بتاتا سماع نميمة أو غيبة في مجلسه ويوقف ذلك لتوه.

ماذا كنتم تقرؤون في سكوت الإمام في بعض المواقف؟

بسكوته يترك أحيانا المجال لإبداء الرأي وتقليبه ويسمح باتخاذ القرار. يدرب بذلك على تحمل المسؤولية ويشجع على الاجتهاد، دون التهويل من الخطإ. وربما نبه بصمته جليسه أن الموضوع غير ذي أهمية.

كيف كان يعبر رحمه الله عن غضبه؟

كان رحمه الله نادر الغضب، فرِحا بالله ومطمئنا به. وإن كان فهو يبدي قلقه بصرامة غير عنيفة ولا متشنجة وبتعبير واضح عن موقفه وبذكر “لا حول ولا قوة إلا بالله” و”إنا لله وإنا إليه راجعون”.

موقف إنساني للإمام أثَّر فيكم، وما زلتم تذكرونه؟

حضرت زيارة لسيدي عبد السلام قام بها رجل بدوي بسيط جدا في ملبسه ومهنته وتفكيره واهتماماته ولغته. ومع ذلك استطاع أن يجد المشترك معه وأن يهتم به ويكرمه حتى انبسط الرجل وارتاح له. وحضرت معه زيارة إعلامية أمريكية باحثة، وعندما انتهت المقابلة سألتها كيف كان اللقاء. فقالت لي رأيت في عينيه رحمة وحنانا لم أره من قبل!!). كان إذا وجد نملة على فراشة وضع لها إصبعه تدب عليه فيحملها برفق ويضعها على النافذة لتكمل سيرها.

نحب أن نطلع على البرنامج الحياتي اليومي للإمام رحمه الله؟

يبدأ يومه بساعتين على الأقل قبل أذان الصبح، وبحوالي ثلاث ساعات إن كان بين يديه مشروع تأليف، فغالب كتابته تكون ليلا. قيام وذكر وإنصات في ظلمة السحر لمشاهير القراء. أذان للصبح ثم الصلاة، فالجلوس للذكر، ودوام جلوسه مستقبلا القبلة. يقرأ ورده من القرآن في المصحف على ضوء الشروق، فصلاة الشروق ثم الراحة. يستيقظ لصلاة الضحى ثم يذهب لساعة من المشي السريع في الحديقة أو في سطح المنزل. ولا يقطع أي هذه الأعمال بل يُشرك زائره معه فيها إلى نهاية الحصة. ثم يرجع إلى المكتب للجلوس لمطالعة ما يصله من آخر الإصدارات في شتى العلوم واللغات، وعندما تقدم عليه يطوي ما يقرأ ويستقبلك ويعطيك نبذة عما يقرأ؛ كاتبه وموضوعه وسياقه وفائدته في الدعوة أو السياسة أو البحث العلمي. ونجد عنده خبر أحدث ما ابتكر في الغرب والشرق. يؤذن لصلاة الظهر ويقيمها ورواتبها وينصت إلى “ما يحدثه الله في كونه” كما كان يقول. يقفل المذياع أو الشاشة فور انتهاء الأخبار أو البرنامج الذي كان يتابع. كان ينصت لل”بيبيسي” و”إرفي” و”ميدي 1″ ويشاهد “الجزيرة” و”سي إن إن” و”بيبيسي وورلد” وغيرها. تتخلل يومه زيارة الأقارب أو الإخوان ويعطي لكل زيارة حقها في العناية والاهتمام. غالبا ما يأكل سحرا وبعد الظهر وبعيد المغرب لا غير، طعاما واحدا في كل وجبة، بالقدر الذي يرجع الصحن فيه نقيا. لا يتأخر بعد صلاة العشاء للذهاب للنوم حاملا في يده منبهه إلى محل نومه. رحمه الله رحمة واسعة وجزاه عنا خير الجزاء و ألحقنا به أوفياء أصفياء أتقياء.