منطلق التجديد الاقتصادي في نظرية المنهاج النبوي هو إعادة صياغة مفهوم التنمية بمنظور قيمي مبني على مقتضيات الإسلام في الاستخلاف ونشر العدل مع توخي الإحسان في كل التصرفات الاقتصادية. لا تقتنى التنمية كما تقتنى البضائع، ولا يمكن استيراد النموذج الغربي والاستراتيجيات المستوحاة منه القائمة على حروب نهب الشعوب واستعباد العباد. إن لنمو التخلف آليات داخلية لا يفيد في تغييرها الصياح على المتلصص، ولا مسالمته، ولا محاربته، ولا إصدار قوانين في الداخل تأمر بهذا وتعاقب على ذلك. إنما يفيد تغير شامل في موقفنا، قومة عامة بها نستعيد زمام أمرنا ونوجه مصيرنا الاقتصادي والعسكري والتاريخي وفق إرادة مستقلة، واعية، منظمة، يساندها الشعب، ويلبي نداءها). (في الاقتصاد البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية، ص 17 و18).

إن الأفق الدنيوي المنتظم بنصيب الآخرة الذي سطره الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله في جل كتاباته هو بلوغ مجتمع العمران الأخوي الذي تتكامل فيه عمارة الأرض بعمارة المساجد أو بالأحرى عمارة الأرض بروح المسجد. ميدان العمارة المطلوبة: إيجاد المسكن للضاحي، والعمل للعاطل، والصحة للمريض والقوت والغذاء للجائع، هذا كله مع كرامة الإنسان وعزته بالله وتمكين للأمة الإسلامية في غد الإسلام.

في هذا الصدد يمكن أن نقرأ في كتاب في الاقتصاد البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية) ما يلي: لن تكون للكلمات القرآنية، والمفاهيم الإسلامية، والمدلولات التي تشير إليها قيمة في معايير العصر المادية إن لم يكن الاقتصاد القوي، والصناعة ذات البأس، والوجود السياسي الموحد للأمة، من وراء الكلمات والمفاهيم والمدلولات). (في الاقتصاد. ص 14 و15).

وإذ أفرد الإمام المجدد رحمه الله الكتاب سالف الذكر، والذي هو جزء من سلسلة دولة القرآن، لأهم القضايا الاقتصادية الواجب التوافق حولها لبلوغ الخلافة الثانية، خدمة للقاء الله فقد عالج نفس القضايا أو جزءا منها في مواضع متنوعة من كتاباته وإنتاجاته وذلك إظهارا لأهمية الاستقرار المادي في تحقيق الغاية من خلق الإنسان والتي هي عبادة رب العالمين.

ما ميز الاجتهاد الاقتصادي للإمام هو أنه جزء من كل ينبني على أساس التربية والتي هي منطلق كل الأعمال الباطنة والظاهرة بما فيها ما يرتبط بشق المعاملات. وعلى درب الخلافة الثانية على منهاج النبوة وانطلاقا من فهم مجدد وقابل للتطوير ونابع من قلب الوحي، قرءانا وسنة، ومن خلال تحليل عميق لمجريات التطور التاريخي للدولة الإسلامية وإدراك رصين لمرتكزات وإكراهات الواقع الحديث، صاغ الإمام رحمه الله نظرته للاقتصاد. هذه النظرة تتمحور حول ضرورة تحرير الإنسان من الاستعباد الاقتصادي ومن العقلانية العلومية الدوابية التي تختصر التنمية في شقها المادي. وحتى تجمع هذه النظرة الاقتصادية بين المطلوب والمتاح تطبيقا لسنة الله في الكون المبنية على التدرج فقد حدد الإمام المجدد رحمه الله الغاية والأفاق الاستراتيجية الواجب الوصول إليها وبين بعض الأمور العملية المؤدية إليها دونما الحاجة لتكسير عجلة الاقتصاد الدائرة المرتبطة بمصائر ومصالح العباد.

وأول باب للخروج من ربقة التخلف على درب الخلافة على منهاج النبوة كان هو تجديد المصطلحات الاقتصادية المتداولة، إذ إن المصطلحات المترجمة مثل: التنمية والحضارة والاقتصاد والحرية، غالبا ما تكون مرتبطة بسياق تاريخي معين وتستمد مدلولاتها من معايير مادية صرفة لا ذكر فيها للغيب والآخرة. إن الاقتصاد على أهميته الاستراتيجية في حياة الامم لا بد وأن يستحضر من يشتغل به أن الأمر كله لله، يقول سبحانه وتعالى: له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى سورة طه الآية 6. كما أن الإنسان هو فقط مستخلف في الأرض: وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه سورة الحديد الآية 7. وإذا كان السوق مؤسسة أساسية في الحياة الاقتصادية إلا أن قوانينها مضافا إليها الحكمة البشرية غير كافية لإعطاء اقتصاد القوة، بل لا بد من استحضار العوامل غير المادية، يقول الله تعالى: ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون سورة الأعراف الآية 96. مما سبق، أول مصطلح وقف عنده الإمام المجدد رحمه الله هو الاقتصاد حيث عرفه بالقصد والذي هو استقامة الطريق وهو توسط محمود بين طرف الافراط والتفريط.

الباب الثاني للتجديد، هو نبذ الثورات وإقصاء أي فاعل اقتصادي وهو الأمر الذي يتضح جليا في المنطلقات الاقتصادية المنهاجية والتي يمكن تلخيصها في:

• التؤدة، بالتدرج والرفق واللذين يشكلان سمتين أساسيتين لكل تغيير وإصلاح.

• تحديد سلم الأولويات الاقتصادية، التقلل المطلوب لأمة مقبلة على الجهاد من أجل الاستقلال والوحدة والكفاية والقوة يلزم أن يتجسد في مجتمع يكفل الضروريات لكل المسلمين، ويجعل وسائل إرضاء حاجيات العيش الكريم مكافأة للجهد والنشاط والإنتاج) (المنهاج النبوي ص 346).

• التوبة الجماعية، بما هي تعبئة جماعية إسلامية وإشراك لكل الطاقات بدون استثناء إلا من أبى.

• الجهد المتناغم للشعب، الذي تعبئه النفحة الروحية النابعة من المسجد، الباثة في كيان المجتمع الإحساس بالأخوة الجامعة والتكافل الحقيقي لا هم التكاثر والاحتكار.

الباب الثالث للتجديد هو استنباط معالم السياسة الاقتصادية من القرآن والسنة بحيث تنتظم تلكم السياسة حول خمس ركائز:

• خلافة الإنسان لله تعالى في الأرض لعمارتها بالإيمان. والاستخلاف يقتضي أن يتقيد المستخلف بضوابط المستخلف. كما يقتضي أن يكون الإنسان محسنا زاهدا متطوعا لا يلتفت إلى الندرة أو الوفرة، كلاهما سيان، ما دام هدف الاقتصاد تحقيق قوة المومنين.

• تكامل القواعد الاقتصادية مع بقية القواعد الأخرى في مجالات العبادة والمعاملات… فالإسلام دين شامل لا يقبل التجزيء ولا التبعيض. إن القومة الاقتصادية جزء لا يتجزأ من الجهاد الكلي، وركيزة من ركائزه، بل يمكن اعتبارها زمام السياسة وجسمها، وحواسها.

• الارتباط بالقيم الإيمانية والضوابط الشرعية في الإنتاج والتوزيع والاستهلاك والتداول. إنما قطع حبال الجاهلية هجرة نفسية شاقة، فطام عن الشهوات والمألوفات، بحيث لا نستورد بضاعة إلا من الضروريات، لا نأكل إلا ما نحرث، لا نرهن مستقبلنا لقاء إرضاء حاجات الترفية التي صنعتها فينا معاشرة الجاهلية). (في الاقتصاد ص 31)؛

• الاستقلالية في القرار، قطع حبال الجاهلية استقلال إرادي في تجارتنا، وماليتنا، وصناعتنا، وتعليمنا، بحيث لا نلبس إلا ما نسجت أيدينا، ولا نساوم على حريتنا لاقتناء الجهاز الحربي اللازم، والجهاز الصناعي الأساسي الضروري لإقلاع اقتصادنا، والأدوية الضرورية لصحتنا، بل نتعامل مع غيرنا ندا لند، تعامل أكفاء لا تابعين). (في الاقتصاد ص 32)؛

• الوسطية، فلا تقييد للمبادرة، ولا تطرف في الحرية، ولا تناقض بين المصالح، بل تعاون وتكامل.

ثم الباب الرابع للتجديد، هو إعادة صياغة الأهداف الاقتصادية الاستراتيجية وفق وسطية الإسلام وشروط القيام بالواجب الرسالي الملقى على عاتق المسلمين. وهنا نذكر بأهم الأهداف التي سطرها الإمام المجدد رحمه الله:

• تشجيع المبادرة الحرة، بحيث تبقى الدولة ضابطا وموجها. فالْمِلْكية المزدوجة أصل في الإسلام، والتوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة يتفرعان عنها.

• العودة للنموذج المثالي للحياة الجماعية للمجتمع الإسلامي التي جوهرها البذل والإيثار وخدمة الغير.

• تبني نظام اقتصادي كفؤ وقوي وعادل في الفرص والأرزاق.

• تمكين الأمة بكل أقطارها من اقتصاد العدل والقوة والكفاية والتكريم والرفاه والرخاء.

• توفير العمل لكل قادر وتكافؤ الفرص بين الجميع.

• التساوي بين الناس، أي الحق المضمون لكل فرد في المسكن والعمل والصحة والقوت. فإنه لا صباح لمن لا أمن له من عذاب الله، ولا صباح لمن سهر خوفا أو جوعا أو مرضا. العدل والرخاء توأما خير كما أن الظلم والخراب عديلا شر). (في الاقتصاد ص 201).

ولم يفت الإمام المجدد رحمه الله وضع خطوات عملية للمرحلة الانتقالية لأجرأة السياسة الاقتصادية والأهداف الإستراتيجية بتحديد بعض الوسائل المؤدية نحو العمران الأخوي من قبيل:

• تحديد أدوار وصلاحيات الفاعلين الاقتصاديين، بحيث تبسط الدولة بشكل مرن تصورها للجو العام وتسهر على احترام مبدأ العدل الذي يجب أن يسود السوق وتراقب العملية الاقتصادية للتعريف بما هو نافع، وتخطط كيفية الانتفاع، وتسهر على أن تؤدى وظيفة المال الاجتماعية. أما أرباب العمل ونقابات العمال فيترفعون عن حسابات السياسة الضيقة تحقيقا للسلم الاجتماعي في الوقت الذي تؤطر مكونات المجتمع المدني التعبئة الشاملة اللازمة لتفعيل اختيارات الأمة.

• العفو الاقتصادي لتحرير المال المنهوب، بإشراك المفسد التائب في عملية الإصلاح شريطة ضخ الأموال في الاقتصاد بغض النظر عن مصدره والإسهام البناء والمنتج ورد المظالم.

• تفكيك التكتلات الاقتصادية ذات النزعة الفيودالية الريعية وإحداث جو ملائم للتنافس الشريف وتشجيع البورجوازية النبيلة، فلا يكون المال دولة بين الأغنياء فقط.

• التقلل وترشيد النفقات وتوفير تمويل ذاتي من خلال البذل وأخذ العفو دون الدخول في دوامات القروض، ينضاف إلى ذلك المفاوضة من أجل تحويل جزء من المديونية إلى استثمارات مباشرة.

• العناية بالإنسان، تدريبه وتشغيله وانتشاله من العجز والكسل، تكريمه وتعبئته للعمل الجهادي وإتقان الصنعة في ساحة الإنتاج، وذلك يقتضي التربية والتعليم وإتاحة الفرص والمناخ لإبراز طاقات الإبداع والابتكار. في دولة الإسلام المتجددة يجب أن يشرف العامل، ويحبب إلى النشء العمل اليدوي المنتج، جنبا إلى جنب مع المهارات الفكرية العلمية) (في الاقتصاد ص 182).

• إضفاء مسحة أخلاقية إسلامية على القوانين المنظمة للاقتصاد والاستثمار والبنوك والإدارة والشركات، لإغلاق الباب أمام المضاربات والمزايدات العقيمة.

• تهييء المحيط العام من قبيل إقامة البنى التحتية وإصلاح القضاء.

• قومة زراعية تمكن من تحقيق الاكتفاء الذاتي وإشباع الحاجيات، ومن ذلك حماية الفلاح، وضمان أمنه، واستقراره، وحاجاته، لحبس الهجرة من البادية لحاضرة مدن القصدير، واختيار أنسب التقنيات للإنتاج، وتيسير الإدارة، ورفع وصاية الحكومة عن الفلاح، وتشجيع التعاونيات الفلاحية الإنتاجية والتسويقية، ودعم الإنتاج الزراعي). (في الاقتصاد ص 158).

• بعد فترة الاقتباس بناء صناعة قوية تيسر ظروف العيش وتوفر الحاجيات، وذلك لا يتأتى إلا بالانصراف عن أسلوب استخراج المعادن لتصديرها، وعن أسلوب المصانع المستوردة، لينصب الاهتمام على دعم الصناعة الصغيرة والمتوسطة والتقليدية. لا عبرة بكون الصناعة ثقيلة أو خفيفة بقدر ما هي العبرة بمواءمة الصناعة لنظامنا السياسي والاجتماعي، بمواءمتها لطاقاتنا البشرية الموكول إليها تشغيل الآلة الصناعية وصيانتها، بمواءمتها لحاجاتنا المحلية والإسلامية). (في الاقتصاد ص 165).

• التكامل الاقتصادي بين كل الأقطار الإسلامية والتعاون مع باقي البلدان الصاعدة غير الداعمة والمستكينة للاستكبار العالمي.

على الرغم من كل ما بيناه من أفاق ومعالم اقتصادية في نظرية المنهاج النبوي إلا أننا نعتبر أنفسنا لم نسبر كل الأغوار الاقتصادية التي بينها الإمام المجدد رحمه الله. بالإضافة لما هو مسطر في ثلة من الكتب فإن هناك من الأفكار الاقتصادية ما هو مبثوث بين السطور وفي التسجيلات المرئية والمسموعة. وهذه دعوة لكل مهتم بالشأن الاقتصادي للإطلاع على مكتبة سراج الالكترونية لاستكشاف تفاصيل الفكر الاقتصادي تنظيرا وتطبيقا لدى الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله.