هان عليه ما يجد من عرف ما يطلب

منح ربانية، هكذا كان الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله يصف ما ناله من “بركات” التضييق المخزني من محن وشدائد محّصت صدقه ونفاسة معدن رجولته. لقد عرف ما يطلب، وجه الله ورضاه، وسلك سبيل الأنبياء والدعاة والمجددين، فهان عليه ما وجد. لم يشتك، لم يتبرم، بل كان كبرياء إيمانه يأبى عليه أن يحدث ولو تلميحا بالشدائد والمحن التي ما كان يخرج من واحدة إلا ليجد الماكينة المخزنية قد انتهت من فبركة قضية جديدة وملف جديد يعيده إلى غياهب السجون.

لقد وعى الرجل رحمه الله تعالى أن البلاء عطاء رباني وباب القرب العظيم المُفضي إلى كرمه، فاغتنم محنا توالت وأحالها منحا: خلوة بالله وأنس به ومجالسة لكتابه وبلورة لمشروع انبعاث الأمة وتنظير لخطوات تنزيله معانقةً لنصر الله وتمكينه لدينه تصديقا لبشارة نبوية أن بعد ظلام قرون العض والجَبْر سيبزغ فجر صُبح العدل والحرية والكرامة. وما أكثر ما كان، جدد الله عليه الرحمات، يردد قول الله تعالى: أليس الصبح بقريب؟ 1 .

وحيث إن الرجل أفضى إلى ربه، وانتفت أسباب العُجب أو الرياء، وإنهاضا للهمم وشحذا للإرادات لتطلب ما يرومه ذوو العزائم، ظهرت فائدة تسليط الأضواء على جانب مهم من سيرة الإمام المرشد تعريفا بواحد من هامات الأمة التي ستبقى شامخة، شموخ الصدع بالحق. وتحريا للاختصار القاصد، استقر الرأي على المحطات البارزة للتضييق والأذى التي غطت حوالي أربعة عقود من حياة الإمام: (1974 2012).

شدائدُ ومِحن

1. الإسلام أو الطوفـان

في أوج سنوات الجمر والرصاص رجب 1394/ شتنبر1974 قرر الإمام المرشد وهو يومها أعزل إلا من إيمانه، فلا رهط يحميه، ولا عشيرة حزبية أو حقوقية تنافح عنه وتتبنى مظلوميته؛ قرر أن يوجه للملك الحسن الثاني رحمه الله الناجي يومها من محاولتين انقلابيتين عسكريتين هزت كيان عرشه وأربكت توازنه رسالة/نصيحة يدعوه فيها للتوبة سماها: الإسلام أو الطوفان).

قرار من هذا العيار، وفي هكذا ظروف، أقل ما ينعت به المُقْدم عليه هو التهور والجنون، فزُجَّ بالناصح الأمين في “زنزانة” بمَشفى الأمراض العقلية حيث قضى رحمه الله سنتين، قبل أن يرحّل إلى مشفى الأمراض الصدرية ليقضي في وكر أدوائها وعللها عاما ونصف عام، عسى أن تصيبه العدوى ويُتخلص منه دون ضجيج أو جلبة إعلامية.

ثلاث سنوات ونصف سنة بين مُختلِّين عقليا ومرضى صدريا ثمن جرأة الإمام المرشد وإقدامه على نصيحة الحاكم ودعوته ليقود إصلاحا حقيقيا يدشن لعهد الحرية والعدل والعزة، أما من وضب وطبع ووزع الرسالة، ويتعلق الأمر بالأستاذين الجبلين محمد العلوي السليماني وأحمد الملاخ، فقد سِيقا معصوبيْ العينين إلى معتقل درب مولاي الشريف سيئ السمعة وقضيا فيه خمسة عشر شهرا دون محاكمة. لنقرأ شهادة نادرة للإمام المرشد في محنة صاحبيه: وكان لأخوي الكريمين سيدي “محمد العلوي” وسيدي “أحمد الملاخ” الفضل في طبع كتابي: “الإسلام أو الطوفان” ونشره، وقد أديا إثر ذلك ما قدر الله لهما من البلاء، فقد أوذيا أذى كثيرا. يكفي أن تعلموا أنهما أمضيا خمسة عشر شهرا على الأرض، وفي البرد الشديد، يأكلان الخبز اليابس الملطخ بالبترول، والعدس الممزوج بالحصى، ولا حول ولا قوة إلا بالله) 2 .

فرحم الله الأستاذين الجبلين وأغدق الله لهما العطاء، فقد كانا نعم النصير في زمن عزت فيه النصرة والرجولة.

هذا الشق الرسمي من الأذى ثمنا للصدع بالحق، أما الشق الخفي، فهو معانات الأسرة الكريمة، فبعد أن وصل إعداد الرسالة مراحل متقدمة أخبر أهله كما جاء على لسان زوجه السيدة خديجة المالكي عافاها الله وأجزل لها ولكافة الأسر الكريمة العطاء على ما تحملت وقاست بتبعات هذا الأمر، وأن الاعتقال أو الاختطاف أو الإعدام وارد جدا، لكن إرادة الله وقدرته أكبر. ولتهدئة روع والدته رحمها الله الخائفة على وحيدها اضطُرَّ الإمام المرشد، ولأول مرة في حياته أن يُقسم لها أنه لن تُمَسّ منه شعرة بإذن الله تعالى.

أما عن ظروف الاعتقال الذي تزامن والفاتح من شهر رمضان، فقد كان الترهيب وهتك الحرمات سيدهما؛ رجال أمن غلاظ شداد في زي مدني قلبوا محتويات البيت رأسا على عقب، بحثا عن قرينة تحل لغز جرأة لم يألفها النظام من ذوي المرجعية الإسلامية، غير أن ما علق بذهن كريمته الأستاذة ندية ياسين هو ثبات ورباطة جأش الوالد، فقد أخذ وقته وُضوءا وصلاة وقراءة للقرآن، قبل أن تصل سيارة الإسعاف لاعتقال الناصح الأمين بصفته مريضا عقليا. دهاء مخزني متأصل.

وتبقى أصعب فترة عاشتها أسرة الإمام المرشد، هي تلك تلت عملية الاعتقال/الاختطاف، حيث ساد الترقب على حد توصيف نجله كامل واختلطت المشاعر وتضاربت التوقعات، ولم تكن الأسرة تدري، أمعتقل مُعيلُها هو تنتظَر محاكمته أم مختطف يُجهل مصيره أم مُعدم طُوِي خبرُه؟ 3

2. قـول وفعل

بعد حوالي تسع سنوات على رسالة “الإسلام أو الطوفان”، وبعد خمس سنوات من معانقته الحرية، أي في خريف 1983، يضرب الإمام المرشد من جديد على الوتر الحساس للنظام، فينبري للرد على “رسالة القرن” التي وجهها الملك الراحل الحسن الثاني إلى ملوك وأمراء ورؤساء العرب والمسلمين بمناسبة السنة الهجرية الجديدة: 1400 ودخول قرن جديد دعاهم فيها لانبعاث إسلامي وتمكين الدعاة والعلماء من كل الخدمات تربية لأجيال متشبعة بقيم دينها الإسلام، ولم تخلُ الرسالة من نبرة “الأستاذية”.

وحيث إن فحوى الرسالة يكذبها واقع يحارب فيه الدين ويُمكن لتيارات التفسيق والميوعة، أخذ الإمام المرشد على عاتقه فضح المغالطات والدعوة لتفعيل مضمون الرسالة وتنزيلها في الواقع المغربي قبل غيره، من خلال مقال: “قول وفعل” نُشر بافتتاحية العدد العاشر من مجلة “الجماعة” التي كان رحمه الله يتولى إدارتها.

مقال اعتبر ردا مباشرا على رسالة الملك الذي تعوّد ألا يرد عليه، ليزج بالإمام المرشد هذه المرة في سجن “لعلو” بتهمة المس بالمقدسات ويقضي وراء القضبان سنتين كاملتين جزاء ممارسته لحقه في التعبير عما رآه تغليطا للرأي العام.

3. الإقامة الجبرية أو الحصار الثابت

دون جدوى، جربت السلطة كل أشكال التضييق والقمع لكبح حركة العدل والإحسان وتنامي شعبية مرشدها وسطوع نجمه مربيا وعالما ومنظرا وقائدا لتنظيم إسلامي جمع بين قوة الكلمة ووضوحها، وبين رفق الحركة التدافعية وسلميتها، فلجأ إلى أسلوب جديد علّه يفيد في التخلص من جماعة ضاق بها ذرعا، ففرض على الإمام المرشد رحمه الله الحصار والإقامة الجبرية في بيته بداية من 30 دجنبر1989، وبعد أسبوعين، أي يوم: 13 يناير1990 تم اعتقال أعضاء مجلس إرشاد الجماعة ليُزج بهم رفقة الأستاذ عبد الله الشيباني صهر الإمام المرشد في السجن سنتين سجنا نافذا.

إجراء تحكمي عار من أي سند قانوني امتد عقدا من الزمن، سرعان ما تحول إلى ملف مزعج للنظام، فقد توالت إثارة قضيته في البرلمان، وغدا نقطة حقوقية شبه قارة في تقارير الهيئات الدولية، علاوة على أنه لم يؤت المأمول منه: انحسار الجماعة، إن لم يكن تلاشيها. ويبقى أكبر مؤشر على تورط السلطة وارتباكها تصريحات الصدر الأعظم للنظام وزير الداخلية الراحل إدريس البصري، فمِن “رُفع الحصار، لم يرفع”، إلى الحصار الحماية، إلى التملص من وجود الحصار أصلا، إيذانا بنهاية طور وبداية آخر من الحصار.

4. الحصـار المتحرك

ضاق النظام ذرعا بالحصار الذي بدأت كلفته الحقوقية تؤثر على مصداقيته دوليا، فأعلن على لسان وزير الداخلية يوم 15 ماي 2000 وأمام مجلس النواب أن الإمام المرشد ليس محاصرا وأنه حر طليق. ودون تأخير جاء بلاغ الإمام المرشد معلنا أنه سيخرج لأداء صلاة الجمعة الموالي (19 ماي 2000) وأنه بيته مفتوح لمن أراد الزيارة.

هكذا تطوى مرحلة حصار مانع للحركة والاتصال، لتبدأ مرحلة حصار متحرك انسجاما ربما مع شعار “العهد الجديد”، فإذا رفع الحظر على حركة الإمام واتصاله بالناس، فإن الماكينة المخزنية شحمت “مفاصلها” لتلاحق تحركات الإمام المرشد وأنشطته في بيته كما في تنقلاته وخلال زياراته لمختلف مدن المغرب ومناطقه تزاورا مع قاعدة الجماعة التي اتسعت وتنوعت ولم يعد يستوعبها بيته.

وفي هذه المرحلة، دشنت السلطة شكلا جديدا من الحصار والتضييق تعدى شخص الإمام المرشد إلى أفراد أسرته الكريمة وقرابته فمنعوا مرات من أداء فريضة الحج. حصار متنقل وناعم عنوان مرحلة ما بعد الإقامة الجبرية، أضحى اختيار النظام وما يزال إلى أن لبى الإمام المرشد نداء ربه يوم 28 محرم 1434هـ الموافق لـ 13 دجنبر 2012م.

5. أذى الكلمة

أقحم النظام في حربه على دعوة العدل والإحسان في شخص الإمام المرشد أطرافا أخرى، فأوعز وغرر بكثيرين لينالوا من مصداقية الرجل العلمية والدعوية ويشوشوا على إشعاعه سلوكا وخطابا ومشروعا، فألفت كتب وطبعت ووزعت، وسجلت أشرطة مرئية ومسموعة هدفها واحد: النيل من عقيدة الرجل ومشروعه. ناهيك عن أقلام اكتسبت صفة “التخصص في الحركة الإسلامية” بمقالات حُبلى بالمغالطات باسم الأكاديمية للتشويش على مشروع الإمام المرشد. وأنى لها ذلك؟

أذى كان بعضه ربما أبلغ أثرا من تضييق السلطة، لاسيما وقد جاء وكما يقال من نيران صديقة، انطلق أصحابها من ذات المرجعية: الإسلام، ولم يكن اختلاف التصورات والرؤى التغييرية مبررا لذلك الاستهداف الذي تجاوز حدود التناظر الفكري إلى النيل من حرمة رجل ذنبه أنه نصح الحاكم وصدع له بالحق، إلا أن عزاء هؤلاء أن الإمام المرشد تصدق بعرضه على مخالفيه، فليهنأوا بالا، وذلك من أخلاق النبوة التي حبا الله بها الإمام المرشد رحمه الله.

عطايا ومِنح

إن كانت الشدائد محك الرجال، ففي تجربة الإمام قد جاءت حبلى بالعطايا والمنح الربانية، فالسجن بالنسبة لأمثاله فرصة لصقل الروح ذكرا وتفكرا وتضرعا للمولى الكريم، وخلوة ـ بعيدا عن ضغط اليومي وضجيج الأحداث ـ للتأمل وإعمال الفكر؛ فمن غياهب سجون “لعلو” ورحِم رطوبة زنازنه ولدت مؤلفات كثيرة أثثت نظرية المنهاج النبوي وبلورت المشروع التغييري للإمام المرشد، ومنها: الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية، نظرات في الفقه والتاريخ، مقدمات في المنهاج، الجزء الأول من كتاب: الإحسان، الإسلام والقومية العلمانية. ونفس الحكم يسري على سنوات الاعتقال الأول وعِقد الإقامة الجبرية.

إن رجلا من عيار الإمام المرشد صاحب مشروع لانبعاث الأمة، ما كان السجن ليصرفه عن مقصده، لذلك، لم يفوت فرصة مهما صغرت دون الدفع بالمشروع نحو النضج والتبلور، ونشير في هذا المقام إلى حواراته مع مجموعة من قادة اليسار الذين جمعهم به سجن “لعلو”، وقد تكون هذه الحوارات ألهمته الاهتمام بالفكر اليساري الماركسي والتأليف فيه، كما جعل وقت زيارته من طرف أعضاء الجماعة ومحبيها في سجنه موعدا أسبوعيا للتوجيه وشحذ همم زائريه ومحبيه، حيث كان يركز في كلمته بين الأسس التربوية البانية للشخصية المؤمنة، وبين التوعية السياسية تنويرا للأفهام وإكسابا لأدوات المقارعة السلمية في الميدان. خطاب جمع بين الوضوح وقوة الموقف كان له أكبر الأثر لتثبيت الصف وتحفيز أعضاء الجماعة على المزيد من البذل والعطاء قصد الانخراط الواعي والفعّال في مشروع انبعاث الأمة وكسر أغلال الحصار الذي يحصره بعضهم ـ يدقق الإمام المرشد ـ في شخص مُنِع من الخروج من بيته ومن حضور الجمعة، بل منع من الاتصال حتى بأقرب الناس إليه. الحصار دعوة حُصِرت، دعوة كرهها من يكرهون الدين، وعاداها من يعادون الدين) 4 .

عود على بدء

قبل حوالي 38 سنة أطلق الإمام المرشد شرارة مشروع انبعاث الأمة وتحررها برسالة صريحة واضحة مدوية “الإسلام أو الطوفان” في زمن كانت كلمة الحق تعني الإعدام، فأعطى عربون الصدق من نفسه قبل أن يطلبه من غيره، وعلى الصدق والرفق ربّى أجيالا، وعلى التغلغل اللطيف دربهم بحاله قبل مقاله، وعلى الرحمة بالناس والسير في الناس حثهم؛ ولأنه على قدر الصدق وعلو القصد يؤتى العاملون، فقد أراه الله الكريم الوهاب ثمرة جهاده وحصاد سعيه تجسده اليوم وتحمل لواءه جماعة العدل والإحسان.

فرحم الله الإمام المجاهد وأجزل له العطاء وأتم على الجماعة النعمة استشرافا لبشارة نبوية وعاها الإمام وصدقها أن الإسلام آت آت آت. ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله 5 . صدق الله العظيم. والحمد لله رب العالمين.


[1] سورة هود، الآية: 80.\
[2] من حوار داخلي مع الإمام المرشد لم ينشر.\
[3] شهادات وإفادات أفراد أسرة الإمام المرشد مستقاة من شريط “ذاكرة الجماعة: الرجال والتأسيس”. وثيقة داخلية لمّا تنشر.\
[4] من كلمة الإمام المرشد في مسجد بنسعيد بسلا إبان خروجه لصلاة الجمعة 22 رجب 1416 الموافق ل 15 دجنبر 1995 فيما عرف بـ”رُفع الحصار، لم يرفع”.\
[5] سورة الروم، الآية: 3.\