لكن التربية المضادة المشوهة لن تكون الخطر الوحيد الذي يهدد عملية إعادة أسلمة الطفولة ما دام البؤس الاقتصادي والاجتماعي يولد الانحطاط الخلقي والضلال الروحي. لن تجدي إذن محاولة إحلال سلطان الفطرة مجددا وتربية الناس على الاستقامة الروحية والخلقية ما لم تجتث الجذور المادية للداء.

سيظل الإعلان عن برنامج إعادة التأهيل الخلقي إذا لم يواكبه الانكباب على الحياة اليومية للطفولة مجرد نزهة خيالية رائقة. ستتزاحم الأولويات على باب الحكومة الإسلامية الوليدة، كل واحدة أسبق من أختها، لكن أعجلها ستكون المحافظة على المستقبل وتهييئه بانتشال الطفولة من مستنقع البؤس.

والواقع أن حال الطفولة في البلدان الإسلامية لم ينزل إلى الدرك الذي تعرفه شوارع أمريكا الجنوبية وأدغال إفريقيا المدارية. فأطفالنا الفقراء ليسوا سلعا يتاجر بها، ولا يتم تجنيدهم عند بلوغهم سن التاسعة في المليشيات العسكرية. لكن رغم ذلك، يبقى الخطر يحوم حولهم.

إن مشهد الطفولة العارية المتشردة، ضحية العصابات الإجرامية، مؤثر جدا. فالتلفزة تعرض انحطاط شباب ريو وكلكوتا الذين يهيمون على وجوههم، لاهثين خلف لقمة العيش، مادين أيديهم لعلهم يظفرون ببضع قطع نقدية تمكنهم من شراء ما تطلبه أجسادهم الهزيلة من مخدر بخس.

تظل فظاعة مشهد المجند في عصابة المخدرات مماثلة لفظاعة منظر الطفل الإفريقي المقتاد إلى الحرب، المتأبط للكلاشنكوف، المردد أنشودة الموت. لم نهبط بعد إلى هذا الدرك، لكننا -لا قدر الله- لهذا سالكون!

لم نهوِ بعد إلى هذا الحضيض، لكن شوارعنا آهلة يوما بعد يوم بشباب عاطل، يعاشر ويلوث طفولة لفظها نظام تعليمي عاجز سقيم في ديارنا. لم يعد الصمغ المميت أو ترويجه ممارسة نادرة. أما الترويج الواسع للمخدرات فقد أصبح يشغل أبناءنا، وأصبح أباطرة المخدرات ذوو الصيت الدولي السيئ يوزعون بضاعتهم انطلاقا من بلداننا بل ويصرفونها في أوطاننا.

الإمام المجدد عبد السلام ياسين، من كتاب الإسلام والحداثة؛ ص: 204-205.