أجرى موقع هسبريس الإلكتروني حوارا مع الدكتور عمر إحرشان، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، بمناسبة الذكرى الأولى لرحيل الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله. نعيد نشره تعميما للفائدة.

أنت من قيادات الجيل الثاني في الجماعة، أليس كذلك؟ هل هذا التصنيف صحيح؟

ربما والله أعلم، هذا تقديركم ورأيكم أنت الإعلاميون والباحثون..المهم أني لست من الجيل المؤسس..

ماذا تعني لك لحظة وفاة مرشد الجماعة ومرور سنة على رحيله.. ماذا بقي عالقا في ذهنك حول هذه اللحظة؟

الحقيقة أنه ما بقي عالقا في ذهني يصعب نسيانه ولو بدون هذه المناسبة، وأهم ما أتذكره دائما هو فقدان المربي والمرشد ومؤسس الجماعة وواضع منهاجها وراعيها إلى أن نضجت وقائدها الذي أحسن الإدارة والتدبير في لحظات زمنية مفصلية، أتذكر أنه رجل خرق الحصار في حياته وبعد رحيله، إذ رغم التعتيم الفاضح في الإعلام العمومي ورغم التجاهل الرسمي ورغم التضييق على الناس والاستفزازات، كانت جنازته حدثا تاريخيا من حيث عدد المشيعين ونوعيتهم وحسن تنظيمهم الذي بهر السلطات الرسمية التي انسحبت ظنا منها أنها ستفتح باب الفوضى، أتذكر أيضا عدم قدرة السلطات المخزنية على التخلص من حساباتها السياسية الضيقة لتغلب، على الأقل في هذه المناسبة، البعد الإنساني ففتحت تحقيقات عن المتغيبين من عملهم، في وزارة التربية الوطنية مثلا، في يوم الجنازة، وأتذكر الشهادات التي أدلى بها الكثيرون في حق هذا العلم الفذ وكذلك رسائل التعزية التي كانت كلها تشيد بمكانته والدور العظيم الذي قام به وبصمته التي لن تمحى على العمل الإسلامي مما يؤكد أن الكثيرين لم يعرفوا قيمته حتى فقدوه، وهذه مصيبة جزء كبير من النخبة عندنا الذين يتفاعلون مع الكثير من الأمور بشكل متأخر.

لنركز قليلا على العمل الإسلامي بالمغرب، ما هي القيمة المضافة التي قدمها المرشد عبد السلام ياسين في هذا الباب؟

أول قيمة سترتبط باسم الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله هي أنه استطاع بناء حركة إسلامية مغربية أصيلة بعيدة عن المدارس السلفية والإخوانية والشيعية، وأخرج العمل الإسلامي بالمغرب من دائرة السرية إلى العلن، وحافظ لهذه الحركة على استقلاليتها تجاه الداخل والخارج لأنه أول من كتب عن القطرية والعالمية بعمق فكري، وربى جيلا بأكمله على نبذ العنف بكل أبعاده المادية والرمزية، وأعطى الأولوية لبناء التصور الفكري للحركة الإسلامية حتى لا تسقط في فخ التجريبية والالتقاطية والوقوع في أسر الواقعية بمعناها السلبي الذي يعني الاستسلام لإكراهات الواقع، وترك للمكتبة الإسلامية اجتهادا تجديديا متميزا سيكتشفه العاملون في حقل التربية والدعوة والسياسة ولو بعد حين، هذا ناهيك عن الأمر الأهم وهو أنه رحمه الله كان مربيا وقدوة يشهد بهذا كل من اقترب منه وعايشه أو جالسه.

كيف تقيم هذه السنة التي مرت على الجماعة بدون مرشدها المؤسس؟

كانت فعلا سنة برهان على صدق ما كنا نصرح به قبل ذلك من أن الجماعة حركة مؤسساتية تخضع لقوانين وتتخذ القرارات داخلها بالتشاور، وقد تجلى كل هذا من خلال تماسك صفها، واستمرارها على خطها التربوي والدعوي والسياسي الذي تأسست عليه، والسرعة والسلاسة التي طبعت أول مجلس شورى لانتخاب من يخلف المرشد رحمه الله، واحترامها لقوانينها الداخلية. لقد كانت هذه السنة نقمة على من كانوا يتنبأون بمستقبل غامض للجماعة بعد رحيل مرشدها أو بأنها ستتشتت أو ستعرف تراجعا أو انشقاقات أو أنها ستفقد بريقها لأنه لا وجود للجماعة بدون مرشدها، وقد تبين أن للجماعة مقومات الاستمرارية والقوة المتمثلة في توفرها على منهاج مكتوب هو بمثابة الموجه لحركتها وتمرسُها على العمل المؤسسي واحترامُها للشورى في كل أمورها….

اسمح لي أن أقاطعك.. هناك من يرى أن جمودا قد حصل في أداء الجماعة خلال هذه السنة؟

ببساطة، لأن زاوية نظره للجماعة لا ترى إلا جزءا من رسالتها، أو لأن ميزان تقييمه يقيس الجماعة بغيرها من الأحزاب التي تشارك في المشهد السياسي الرسمي، أو لأنه وضع في مخياله صورة عن الجماعة لن يهنأ له بال إلا إن تمثلتها في الواقع الذي يراه في خياله، أو لأنه غير ملم بالحركية الداخلية للجماعة.. ونحن لا نفتأ نؤكد أن العدل والإحسان حركة مجتمعية تروم التغيير الشامل وبوابته الفعلُ في المجتمع بالتربية والتواصل مع شرائحه المختلفة، وكذلك الفعل وسط النخب من خلال مقاربة تشاركية بحثا عن حل جماعي، وكذلك مناهضة الاستبداد بعدم الانصياع له أو المشاركة في تجميل قبحه أو الانخداع بشعاراته البراقة التي تشبه السراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.

وهناك، أيضا، من يرى أن الجماعة ضيعت فرصة “الحراك” ولم تحسن تقدير اللحظة؟

انخرطت العدل والإحسان في هذا الحراك الشعبي منذ بدايته لأنها كانت سباقة، منذ سنين، إلى توقعه، بل إن الجماعة ما فتئت تؤكد على أن التغيير الحقيقي، في ظل نظم سياسية مغلقة، لن يحدث من داخل المؤسسات الرسمية المزورة والمحدودة الاختصاصات ولكن سيحدث هذا التغيير من خلال الشارع وبمشاركة أوسع الفئات الشعبية وبمقاربة جماعية وبمطالب تأسيسية تحدث القطيعة مع مؤسسات وأشخاص وسياسات وطرق تدبير طبعت المرحلة السابقة. وأظن أن هذه القراءة أثبتت التجربة التي عاشها العالم العربي سنة 2011 صحتها. وحتى في حالة الانتكاسات التي تعرفها تجارب معينة، مثل مصر والمغرب، فإن قراءة منهاج الجماعة تؤكد صواب تقديرها لأن الجماعة تتمسك دائما بالحوار والحل الجماعي الذي غايته التوافق على ميثاق جامع، وكذلك الوعي بمقتضيات تدبير المرحلة الانتقالية التي تتطلب توافقا موسعا وعدم استفراد طرف بتدبير المرحلة ولذلك نرى نحن في الجماعة أنه ليس الأهم هو أن نتفق على ما لا نريده جميعا، أي أننا لا نريد جميعا هذه النظم المستبدة الفاسدة، فهذا ليس إلا جزءا من المعادلة التي تكتمل بجزئها الآخر المتمثل في الاتفاق على ما نريده بديلا لهذه النظم الفاسدة. والجماعة تدعو منذ سنين إلى المزاوجة بين جزئي المعادلة هاته بدعوتها إلى تشكيل جبهة وصياغة ميثاق. من يستوعب هذا التفكير لن يرى أن الجماعة ضيعت الفرصة، بل يرى أنها أحسنت التقدير السياسي في لحظة تاريخية فارقة في حياة الأمة.

وكيف تردون على من يذهب إلى أن تماسك الجماعة خلال هذه السنة اصطناعي، لن يصمد أمام الخلافات والصراعات والجمود والرتابة التي تنخر جسم الجماعة من الداخل. ما رأيكم في هذا التحليل؟

هذا تحليل غير مبني على وقائع صلبة ويستقي أصحابه معلوماتهم من خلال وسائط مشوشة أو غايتها تشويه الجماعة، وهذا رهان فاشل بامتياز واللعب على هذا الوتر غير مجد. أؤكد، مرة أخرى، أن الجماعة أصبحت كبيرة من حيث العدد ومتنوعة من حيث الشرائح الاجتماعية وتتوسع جغرافيا في المغرب كله ويرافق كل ذلك منهاج تربية ونظام تكوين يجعل الأعضاء أكثر نضجا وفهما واستيعابا لمشروع الجماعة، كما أن الجماعة تتمتع بخصائص تجعلها قادرة على استيعاب هذا التنوع، ومنها توفرها على منهاج مكتوب وسريان الشورى داخلها وحرصها على احترام العمل المؤسسي وتوفرها على قيادة جامعة ومنصتة ووفية وقريبة من كل مكونات صف الجماعة، وقبل كل ذلك رابطة إيمانية تربط بين أعضاء الجماعة. لذلك سيلاحظ المتتبع أن كل المناورات المخزنية والحملات الإعلامية التي تختلق انشقاقات أو تضخم لا شيء ليصبح خطايا لا تزيد الجماعة إلا قوة وتماسكا ولا تزيدها وسط الناس إلا مصداقية. إن من خبر الجماعة من الداخل سيتأكد أنها عصية عن هذه الانشقاقات لأنها ببساطة تشتغل على قاعدة ذهبية تفتح الباب لكل ذي رأي وسط مؤسساتها والقرارات تتخذ بعد التشاور الذي يستغرق في بعض القضايا شهورا وتصبح هذه القرارات ملزمة للجميع، وأهم ما يميز أعضاء الجماعة هو تفانيهم في تنفيذ القرارات الصادرة عن مؤسسات ولو كانت مخالفة للآراء التي كانوا يتبنونها لحظة التشاور، وهذه من أهم ثمار تربية الإمام المربي عبد السلام ياسين رحمه الله الذي كان أحرص على تربية أعضاء الجماعة على المزاوجة بين حرية إبداء الرأي والامتثال لقرارات المؤسسات ذات الاختصاص. ومن أهم ما كان يركز عليه في حياته هو أن يجمع بين أعضاء الجماعة وحدة التصور والإرادة والسلوك والتقدير، وطيلة تاريخها مرت الجماعة باختبارات كثيرة نجحت فيها بامتياز.

ما هي، إذن، أولويات الجماعة في المرحلة القادمة؟

التوسع الدعوي والجغرافي والفئوي للجماعة جعلها تحدث خلال السنين الأخيرة تغييرات على بنائها التنظيمي حتى تحافظ على الحيوية والفعالية والجودة والكفاءة المعهودة فيها، وهذا ورش مفتوح منذ سنوات وهو في مراحله الأخيرة، وتنوع مجالات عمل الجماعة وكثرة الأطر الدعوية والتنظيمية والسياسية أهلها لتفعل مبدأ التخصص وهو ورش آخر تجني الجماعة اليوم ثماره في الميدان من خلال مؤسسات متخصصة متمرسة، وهناك أولوية أخرى مرتبطة بتطوير العمل المؤسسي وتجويده توخيا للإحسان في بعده المعاملاتي الذي هو الإتقان.

وماذا عن الأولويات السياسية للجماعة؟

ستبقى الجماعة جزءا من القوى المناهضة للفساد والاستبداد، وستظل يدها ممدودة لكل من يرى نفسه في هذا المعسكر بحثا عن تقويته حتى نصل جميعا إلى الخلاص بمقاربة جماعية تشاركية تكون ثمرة حوار وطني مفتوح وتواصل دائم وعمل ميداني مشترك يعيد الثقة لكل الفاعلين والشعب. وفي مجال الفعل المجتمعي ستبقى أولويتنا تركيز الاهتمام على الإنسان بتوعيته وتربيته وتأطيره والتخفيف من معاناته والانتقال به من حالة العزوف إلى المشاركة والتفاعل الإيجابي ليكون صانع مستقبله بيده وليمسك بزمام المبادرة لأنه مصدر السلطة وصاحب الحق في اختيار من يحكمه ومحاسبته.

ألا ترون أنكم تشتغلون بدون استعجال وبوتيرة بطيئة رغم أن زمن ما يسمى بـ”الربيع العربي” يستلزم السرعة؟

في سؤالك شقان، الأول يرتبط بمقتضيات الربيع العربي وأنا متفق معك بهذا الصدد، ولكن على هذا المستوى لم تتأخر الجماعة وكانت في الموعد من حيث العدد والعدة والاستعداد، بل حرص أعضاؤها على العمل المشترك بتفان وتضحية لا تخفى على أحد وحاولت تسريع الإيقاع ورفع سقف المطالب في ظل الالتفاف والمناورة المخزنية، وأؤكد مرة أخرى أن الجماعة مؤهلة ومستعدة للتفاعل مع أي مبادرة جادة من شأنها زحزحة هذا الوضع الجامد الذي ينذر بكارثة وشيكة في ظل تراكم الإخفاقات في كل الميادين، وآخر إخفاق هو المرتبة المتأخرة التي حصل عليها المغرب في مؤشر الشفافية هذه السنة في ظل برنامج حكومي يضع محاربة الفساد أولويته الأولى. ونتمنى من باقي القوى المعنية أن تتفاعل من موقعها كذلك للتعجيل ببناء جبهة موسعة نعتبرها بوابة التغيير الحقيقي لأن الجماعة لا نية لها في الانفراد والزعامة وتصدر المشهد وحدها.

الشق الثاني من سؤالك يفهم منه أن الجماعة تعطل التغيير حين تهتم بالبعد التربوي والاجتماعي للإنسان ونحن نرى العكس تماما، والبرنامج المخزني يبين أن المخزن يستمد أحيانا أولوياته من برنامج الجماعة. ألا تلاحظ معي مثلا أن المخزن كرس جهده طيلة أزيد من عقد في ورشين هما المجال الاجتماعي والديني، إذ لا يخفى على أحد أن بداية “العهد الجديد” كانت من خلال البوابة الاجتماعية لمنافسة الجماعة وانتشارها، ولا أحتاج أن أذكر ب “توزيع الحريرة” و”توزيع الحقائب” و”حفر الآبار” وغيرها، وقد اكتمل هذا الاهتمام ب”المبادرة الوطنية للتنمية البشرية”، والمجال الثاني هو “إعادة هيكلة الحقل الديني” الذي أنتج ما نرى وزارة الأوقاف بصدد تنزيله منذ سنين.

لنربط كل هذه الأولويات بمناسبة الذكرى الأولى لرحيل مرشد الجماعة. كيف سيكون تأثير المرشد على الجماعة بعد وفاته؟

ستبقى بصمة المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله وفضله على الجماعة لأنه المربي والمؤسس وواضع المنهاج، وسيشكل ذلك حافزا نحو مزيد من الاستقامة الإيمانية والكمال الخلقي والتشوق إلى الإحسان والفعالية والتخطيط والعمل الجماعي والتطوير. ومن العوامل المساعدة أنه رحمه الله كان كل همه منصبا على بناء أعضاء الجماعة وقيادتها بشكل منهاجي تاركا الفرصة للجميع حتى لا تصاب الجماعة بداء الإمعية والسلبية والتقليد، وقد نجح في ذلك وما تعيشه الجماعة من تطور وتماسك شاهد على ذلك وما يشهد به الجميع لأعضاء الجماعة من انضباط واستقامة دليل على أنه رحمه الله كان مربيا خبر النفس البشرية وملك وسائل الترقي بها.

لنختم بسؤال شخصي، ماذا تتذكر من خلال علاقتك بالمرشد عبد السلام ياسين؟

أتذكر أشياء كثيرة، أتذكر أنني واحد ممن اصطفاهم الله تعالى ليصحبوه رحمه الله ويجالسوه في مناسبات كثيرة اكتشفت فيها أنني لم أر من هو في حلمه وعلمه وحكمته وتواضعه وحرصه وتهممه وزهده وحبه للخير لبلده وأمته، ولن أنسى أن صحبتي له كانت مفتاحا لي في حياتي الشخصية والأسرية والمهنية والعلمية وفي علاقتي بكل ما حولي ومن حولي. وأعتقد أن هناك في الجماعة من هو مؤهل أكثر مني للحديث في هذا الباب لأنه كان أكثر قربا وصحبة واستفادة من المرشد رحمه الله.