حفظ الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى القرآن في سن مبكرة داخل أسرة محافظة وفي بيئة قريبة من الفطرة. وقد كان القرآن دائما جليسه ومستنده كما كان السلف الصالح من أهل الاجتهاد، ينهل من معينه الذي لا ينضب كان القرآن عند سليمي الفطرة سلفنا الصالح هو العلم: هو مرجع المتعلم، ومدوّنة القاضي، ودليل المجتهد، ووثيقة المؤرخ، ودستور الحاكم، وقانون الأخلاق، ومحاسبة الاقتصاد، وضابط العلاقات البشرية، وعقد السلم، وإعلان الحرب. وعلى حواشيه المقدسة الشرح النبويّ، وحي من الوحي، وقبس من السماء.) 1 ، ثم أصل لأهل الاجتهاد ضرورة الأخذ والنظر من كتاب الله ابتداء، قال الله تعالى: ما فرطنا في الكتاب من شيء (سورة الأنعام: 38). وقال عز من قائل: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء (سورة النحل: 89). و“قال صلى الله عليه وسلم: “ستكون فتن” قيل: وما المخرج منها؟ قال: “كتاب الله. فيه نبأ ما بعدكم، وخبر ما قبلكم، وحكم ما بينكم”” أخرجه الترمذي وغيره رحمهم الله. وأخرج سعيد بن منصور رحمه الله عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: “من أراد العلم فعليه بالقرآن: فإنّ فيه خبر الأولين والآخرين”. قال البيهقي رحمه الله: يعني أصول العلم). وأخرج البيهقيّ رحمه الله عن الحسن رضي الله عنه قال: “أنزل الله مائة وأربعة كتب، أودع علومها أربعة، منها التوراة والإنجيل والفرقان. ثم أودع علوم الثلاثة القرآن”. وقال الإمام الشافعيّ رضي الله عنه: جميع ما تقوله الأمة شرح للسنة، وجميع ما تقوله السنة شرح للقرآن). وقال أيضا: جميع ما حكم به النبيّ صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن).

زاد ارتباط الإمام عبد السلام ياسين بالحبل المتين والوحي المبين في المرحلة التي سماها الأزمة الروحية، يقول رحمه الله موضحا: كنت حين استوحشت من الدنيا عفت نفسي وطار لبّي في طلب الحق عز وجل. اخشوشنت وانقبضت وانصرفت للعبادة والتلاوة والذكر آناء الليل وأطراف النهار. فلما منّ علي الحنان المنان له الحمد والثناء والشكر بلقاء شيخي رحمه الله وجدت أنسا ورحمة وطلاقة وبشرا وفرحا بالله) 2 ، ثم خلال مرحلة السجن والمشفى، ثلاث سنوات ونصف، يقول عنها الإمام رحمه الله. كانت فترة هدوء وتأمل وتفكير وخلوة ومراجعة ما كان فقد من القرآن الكريم، كما قرأت فيها كتبا كثيرة… وفي كلمة جامعة، كانت فترة ذكر، وكان هذا أهم شيء منّ به الله علي في ذلك الوقت) 3 .

كل ذلك ساهم في إرساء دعائم مشروع تجديدي متكامل، قوامه و أسه القرآن، فقد كان رحمه الله تعالى حقا تجسيدا حيا لتربية القرآن.

القرآن تأصيلا

من الوحيين استمد المرشد رحمه الله تعالى اليقين في موعود الله، ومنه استلهم المفاهيم والتصور والنظرية التغييرية في الأنفس والآفاق، ومن أوامره ونواهيه حدد مطالب الشرع الفردية والجماعية حاضرا ومستقبلا، ومن قصصه وحواراته ساير سنن الله في الأنفس والتجمع والتغيير، فجعله مرجعا شاملا متكاملا، مما جنبه الوقوع في آفات التسطيح والتقليد والتجزيء، يقول رحمه الله: فتوبتنا إلى الرحمان، وتسميتنا لدولة القرآن، لا يصحان لنا إلا بهدي القرآن، علوم القرآن. منه ننطلق، وإليه ننتهي. به تطبّ القلوب، وبه تهذّب الأخلاق، وفي مدرسته تطبع كلّ العلوم لتأخذ صبغة الله، وتجنّد لخدمة دين الله. الحق الذي جاء به القرآن هو معيار كل القيم) 4 .

لعل ما يميز فكر الإمام رحمه الله هو الشمول والعمق في الرؤية إلى جانب الأصالة، حيث نجده تخلص من الدخيل من الأفكار، فاستحوذ القرآن الكريم على كتاباته كلها، فلا يخلو مقروء من اقتباسات قرآنية تشغل حيزه الأوفر، كما اجتهد في اعتماد قاموس قرآني يسم مكتوباته بأصالة قل مثيلها: نرتب مراحل التربية والتنظيم والجهاد، ونحسب سبعا وسبعين شعبة متدرجة ما فيها حرف واحد خارج عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم) 5 . وكل ما كان طارئا استبدله بأزكى منه بتلطف، وبوصلته دائما صوب القرآن الكريم، يقول رحمه الله موضحا: لست أدعو إلى التصوف، ولا أحب الاسم والشكل لأني لا أجدهما في كتاب الله وسنة رسوله بعد أن اخترت جوار القرآن والجلوس عند منبر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. لا، ولا حاجة لي بالمصطلحات المحدثة، فلي غنى عنها بلغة القرآن وبيان إمام أهل الإحسان) 6 .

تميز الأستاذ ياسين رحمه الله بانتقاء المصطلحات القرآنية، ونبذه للمصطلحات الغربية الدخيلة التي لها تاريخها وأبعادها ودلالاتها الثقافية والروحية كالثورة والمنهجية، وإن جنح إلى الشرح الاصطلاحي، قدم الشرح القرآني قبل غيره، وذلك بعد أن يتتبع الكلمة في سياقاتها في القرآن بتمعن، ومن ذلك كلمات الجاهلية والفتنة والشورى والعدل والاقتصاد…

إن تعلق المرشد رحمه الله بلغة القرآن، هو في الآن ذاته تعلق بالدين، فاللغة العربية لها قدسيتها باعتبارها حاملة للوحي، ومترجمة للمشروع الاسلامي: إن هذه اللغة الشريفة المشرفة بحمل القرآن وصحبته اكتسبت روحانية وقدرة على غزو القلوب ووصف مشاعر الإيمان ونبضات الإحسان) 7 . ويستطرد في ذكر علة ذلك قائلا: أما نحن فإن لنا تعلقا خاصا باللغة القرآنية، تعلقا هو من الدين، من صميم الدين) 8 . بل يزيد في تكريمها فيسميها بأشرف أسماء اللغة القرآنية الشريفة المنيفة حسناء رائعة الجمال هي لغة القرآن. سمجات قبيحات شوهاوات رذيلات غيرها من اللّغى إن مددنا أكفّنا نستجدي من لغة غيرنا وفكر غيرنا عزا) 9 . ولتأثيرها الكبير في فهم الدين وإدراك أسرار العبارات الشرعية تجدها حاضرة في شرايين مؤلفاته تنظيرا وتطبيقا، يقول رحمه الله: واللغة العربية لغة رحمة وحكمة، غلب عليها روح القرآن) 10 ، ثم يقول في موضع آخر: لذلك نتحفظ في استعمال مصطلحات العصر في وصف الإسلام. فلا يصلح لتوضيح الجادة البيضاء إلا لغة القرآن ولغة النبوة. نعم بكل تأكيد!) 11 ، فهي لا تنفصل عن رسالة القرآن بل لا غنى عنها لفهم القرآن وتدبره، لذلك دعا المرشد رحمه الله ونصح كل غيور على لغة الضاد بالتخلص من العجمة لسانا وعقلا وقلبا، وقديما قال الحسن البصري: ما أهلكتكم إلا العجمة).

كان المرشد قرآني القلب والعقل والمنطق، لذلك كثر استدلاله بالقرآن في كل مجال وفن، يقول رحمه الله: لا يضيرني أن أتخذ عالما وفقيها ومذهبا دليلا في سفري العقلي ما دامت الدلالة والتفقه والتأصيل عمليات تتم تحت ضوء القرآن ونور السنة. يضيرني أن أقبل تقدير غيري، من زمانه ومكانه ونيته وظروفه، لقضايا خطيرة مثل قضايا الشورى والعدل والإحسان، والزمان زماني والمكان والظروف والعزم) 12 ، لقد كان رحمه الله ينظر في آيات الله المسطورة والمنظورة بمنظار تجديدي خاص، يربط الجزئيات بالكليات، ويرد الخاص إلى العام، وجعل من الآيات مرشدا وموجها ومحددا وكاشفا وإماما للتأصيل والمرجعية واستخراج المفاهيم التي أسس بها لنظرية المنهاج النبوي، فهي لا ريب نظرية قرآنية المنطلق والغاية، نظرية متكاملة اقتبست من القرآن الكريم أصولها ومنطلقاتها، ومن السنة المطهرة تفاصيلها وشواهدها.

لم يكن استمداد المرشد رحمه الله من الذكر الحكيم على الصعيد النظري في بناء النظريات والمفاهيم فقط، بل تعداه إلى الصعيد التطبيقي، فتراه رحمه الله، وهو ينظر لدولة القرآن ويشخص أعطاب تاريخ الأمة وعللها، يربط ذلك كله بالقرآن ربطا ذكيا، لأنه يرى أن: دولة القرآن إنما تستحق الاسم إن اتخذنا القرآن إماما، كل القرآن، في كل المجالات، فإن الضلالة لا توافق الهدى) 13 .

غاية دولة القرآن عند الأستاذ عبد السلام ياسين أن يسود القرآن، فالقرآن دليل إلى دولة القرآن باعتباره معجزة متجددة وخطابا أزليا، يقول رحمه الله موضحا: فنهض أهل القرآن. خرقوا كل سياج يصد عن سبيل الله. حطموا المنكر وغيروا الواقع حتى يستقيم على ما يأمر به الله… بالقرآن عرف أهل القرآن الله عز وجل، وبه استناروا في سلوكهم النفسي ومعراجهم الروحي في معارج الإيمان. وبالقرآن كانوا القوة التي حطمت باطل الشرك، وبه أقاموا العدل) 14 .

إن القصد من محورية القرآن هو جعل آياته المفتاح لفهم مغاليق ما يعرفه العالم، لإحياء معاني الجهاد في جسم الأمة، وترجمة البشارة القرآنية لتصير مشروعا متكاملا بشرط التربية الإيمانية والتنظيم الجهادي.

القرآن اقتداء

لا شك أن تشبث الإمام المجدد رحمه الله الكبير بكلام الباري جل وعلا، ما هو إلا نتاج طبيعي لمن توسد سنة رسول الله عليه وسلم واقتفى أثرها: لقد كان لكم في رسول اللّه أسوة حسنة لمن كان يرجو اللّه واليوم الآخر وذكر اللّه كثيرا (الأحزاب: 21). قال – سبحانه وتعالى – في سورة الأنعام بعد أن ذكر ثمانية عشر نبيّا: أولئك الّذين هدى اللّه فبهداهم اقتده (الأنعام: 90). وعند مسلم من حديث عائشة: “كان خلقه القرآن، يغضب لغضبه ويرضى لرضاه”. فكان عليه الصلاة والسلام ترجمة عملية بشرية حية لحقائق القرآن وتعاليمه وآدابه وتشريعاته، ولما فيه من أسس إسلامية تربوية قرآنية) 15 . فميراث الأنبياء العلم ولا شك أن الرجل أخذ منه الحظ الوافر وكان حقا أمة وحده ومدرسة قرآنية متنقلة عبر الأجيال.

القرآن وصية

إمعانا منه في الرجوع إلى القرآن والاحتكام إليه، لم تخل وصية المرشد رحمه الله من القرآن، يقول موصيا: وأوصي بما أوصى الله عز وجل به عباده الصالحين رسله عليهم السلام نوحا ومحمدا وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام من إقامة الدين والاجتماع على الدين كما نقرأ في سورة الشورى… وأوصي بما وصى الله به عباده المؤمنين من وصايا سورة الأنعام.. وأوصي بالوصايا الأربع التالية من سورة الأنعام.. وأوصي بأم الوصايا الإلهية في سورة الأنعام) 16 . فكان رحمه الله خير معلم وأكمل مبلغ.


[1] عبد السلام ياسين، إمامة الأمة ص 161.\
[2] عبد السلام ياسين،الإحسان 1 ص 220.\
[3] نور الدين الملاخ، من التجربة الشخصية إلى تأسيس مشروع أمة 7.\
[4] عبد السلام ياسين، إمامة الأمة ص: 158.\
[5] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي ص 44.\
[6] عبد السلام ياسين، الإحسان 1 ص 94.\
[7] عبد السلام ياسين، الإسلام والقومية العلمانية ص 22.\
[8] نفسه ص 11.\
[9] عبد السلام ياسين، حوار مع صديق امازيغي ص 230.\
[10] عبد السلام ياسين، الاسلام وتحدي الماركسية ص55.\
[11] عبد السلام ياسين، القرآن والنبوة ص .50\
[12] عبد السلام ياسين، نظرات في الفقه والتاريخ ص 63.\
[13] عبد السلام ياسين، القرآن والنبوة ص 16.\
[14] المصدر نفسه، ص 16.\
[15] أصول التربية الإسلامية وأساليبها؛ للنحلاوي، ص 25.\
[16] عبد السلام ياسين الوصية الخالدة.\