تتويجا لأشغال مجلسها القطري في دورته الثانية عشرة أصدرت الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان وثيقة تشخيصية مرقمة لأوضاع البلاد في شتى الميادين سمتها: جميعا من أجل الخلاص)؛ وثيقة تميزت بالوضوح في المواقف والصدق في النصيحة لم يفتها التصريح بها: إن جماعة العدل والإحسان تتوجه في هذه الظروف بهذه الرسالة إلى الشعب المغربي المسلم وإلى مختلف قواه الحية، ترسيخا لمبدإ الجماعة في الصدق والوضوح والصدع بالحق مهما كانت تبعاته -لأن من ديننا أن نقول كلمة الحق لا تأخذنا في الله لومة لائم- وتحديدا مباشرا للمسؤوليات فيما جرى ويجري، وتسليطا للأضواء على بؤر الانحرافات الكبرى التي تنخر كيان هذا الوطن، وتريد أن تهده هدا… ففي كل عشرية من العشريات الثلاث الماضية، كانت كلمة الحق تعلو لتقول بجلاء وصدق أين الخلل وتقترح بقوة ومسؤولية الحل: الإسلام أو الطوفان، رسالة القرن الملكية في ميزان الإسلام، مذكرة إلى من يهمه الأمر.) (ص: 2،1).

لقد جاءت الوثيقة لتدق ناقوس الخطر مما يتهدد البلاد من أزمات تهدد الاستقرار والسلم الاجتماعيين، والتي حاول النظام ـ دون جدوى ـ اختزالها في إفلاس التدبير الحكومي واعتبار استحقاق 7 شتنبر2007 الانتخابي مدخلا لتجاوز تبعات عقود من السياسات غير الرشيدة، فسوّق الوهم و”بشّر” ببزوغ هلال الشفافية وتوفير شروط المنافسة “الشريفة” بين البرامج الانتخابية، ليتبين بعد انقشاع الغبار والضجيج الانتخابيين أن يقظة الشعب كانت أكبر وأعمق من توقعات سحرة الاستبداد، عبرت عنها المقاطعة الشعبية الواسعة لمهزلة “تسويق الوهم”.

أضواء كاشفة وأرقام فاضحة

لقد أماطت الوثيقة اللثام عن واقع مرير، وكشفت حجم الكارثة التي تتهدد العباد والبلاد تنطق بها الأرقام المستشهد بها والحقائق المستقاة من المصادر الرسمية لمؤسسات الدولة، قبل أن تؤكدها التقارير الدورية للهيئات الدولية، فاتضح بما لا يدع مجالا للشك أن الخَطب جسيم يتطلب استنفار جهود الغيورين وذوي المروءات من فضلاء البلد للاصطفاف ضد الفساد والإفساد الممنهجين في سائر المجالات:

1. تعليم يستنزف خزينة الشعب يدور في حلقة مفرغة، يطفو ملفه على سطح الأحداث كلما بلغ الباب المسدود، لذلك سارع النظام للتهرب من بوار اختيارته، فاختزل إفلاس المنظومة التعليمية في سوء تدبير القطاع وحمّل الحكومة مسؤولية الإخفاق، ليُعاد إنتاج الفشل من خلال “تجديد” المجلس الأعلى للتعليم الذي يقتفي أثـر من سبقه بهدر المال العام وفرص التنمية.

تعليم سيظل عاجزا على أن يكون أداة لتوطين التكنولوجيا، وهو لم يحسم ـ أو يراد له ألا يحسم ـ في أبجديات السياسة التعليمية: المسألة اللغوية، فكيف بالاختيارات الكبرى التي تؤهل العنصر البشري وتسلحه بالخبرات والمهارات المطورة للإنتاج كمّا وجودة.

تعليم سيظل كسيحا مشلولا ـ هذا إذا صدقت النيات للإصلاح ـ في غياب مشروع مجتمعي يستجيب لانتظارات الشعب وينسجم وهويتَه ويؤسس لاستقلال حقيقي قراراتٍ واختياراتٍ واستثمارا لثرواته.

2. وارتباطا بالتعليم تناولت الوثيقة الشأن الشبابي ووقفت عند ما يستهدف هذه الشريحة الحيوية في كل مجتمع، شباب حُـرم من حقه في التعليم النافع والتربية السليمة، مقابل ذلك، رصدت لطمس فطرته إمكانيات مهولة: مهرجانات ميوعة ومخدرات وكحول ومهلوسات غزت المدارس وبأثمان بخسة.

واقع حذرت منه الوثيقة: والأخطر من كل ما سبق الانهيار الخطير للمستوى التعليمي والخلقي للتلميذ في كل الأسلاك… جحافل من الأطفال المشردين الذين أصبحوا يؤرقون كل من له أدنى حس أو أبسط تطلع لمستقبل البلاد: شرود خطير، وانحراف أخطر، وإجرام لا يتوقف. وثالثة الأثافي المخدرات في صفوف أطفالنا وشبابنا، ذكورا وإناثا، في صفوف المتمدرسين وغيرهم… يتزامن ذلك مع حملة… لم يسبق لها مثيل في تاريخ المغرب… من أجل التطبيع مع الفاحشة على نطاق واسع، خصوصا في مدينتي مراكش وأكادير القلاع التاريخية للعلم والرباط والعفة، حيث تحولتا إلى أوكار دولية سيئة الذكر في ممارسة الفاحشة… وترويج للفساد على الهواء مباشرة في غارة جديدة من الإعلام “الوطني” في نذالة وسوء حياء غير مسبوقة). (ص: 7،5،4).

3. ومن بوار التعليم إلى كساد الرياضة وأفول نجمها الذي أعاد طرح سؤال المحاسبة والمساءلة عن أموال خيالية تصرف ولا من يراقب، وأجور وتعويضات تفوق ميزانية دول تبزنا رياضيا تبذر ولا من يستفسر. كساد رياضي مستمر متجدد أحال المغرب/الدولة أضحوكة بين الأمم لأن تدبير الشأن الرياضي لا يحترم المعايير الدولية: عدم اعتراف “FIFA” وبالأحرى هيئاتها الإدارية بكيفية انتخاب رئيس جامعة كرة القدم ومنظومتها القانونية التي تؤشر على خلل كبير في تدبير الشأن العام للعباد والبلاد، وليس الرياضة فقط.

4. وفي الشأنين الاجتماعي والاقتصادي فقد استنكرت الوثيقة الواقع المرير للبلاد: إن مغربنا الحبيب يتعرض لحملة غاية في الضراوة والوحشية، تضرب في كل اتجاه من نهب للمال العام والتضييق على القوت اليومي لعموم الشعب، ومن تفويت للمؤسسات العمومية خاصة الاستراتيجية منها، وتفويت للأراضي، واستنزاف للفرشة المائية، وتهريب للأموال…) (ص: 9).

أوضاع اجتماعية بعناوين كارثية: بطالة مستشرية وارتفاع صاروخي للأسعار مقابل استحواذ بشع على ثروات الشعب يغذيه نظام الامتيازات. وهذا ما كان ليحدث لولا انعدام العدل، والحيف الكبير في توزيع الثروة الوطنية… ملايين كثيرة من المغاربة يعيشون تحت عتبة الفقر، والعدد في تصاعد…) (ص: 7).

5. أما المشهد السياسي فقد التحق بالقطاعات الهشة وتهاوى وتضعضع مستسلما لهيمنة المخزن الذي راهن على استحقاق 25 نونبر 2012 لتأكيد “استثنائه” مما هز دول الجوار من رياح الربيع العربي وتأمين التفافه على المطالبة الشعبية بإصلاح حقيقي، فجاءت الانتخابات مخيبة لظنونه نسبة مشاركةٍ ونتائجَ، كما خيب تمسك النظام بنهجه الاحتكاري للقرار والفعل السياسيين ظـن دعاة “الإصلاح في ظل الاستقرار”. ومع استمرار تجاهل الاستجابة للمطالب الشعبية وتحقيق أسباب في الحياة الكريمة، ولو في حدها الأدنى، يوشك الاحتقان الاجتماعي أن يبلغ ذروته ويعود الشعب ثانية ليقول كلمته ويصدح بشعار: “الشعب يريد …”.

مشهد سياسي بئيس أفقد الثقة في العمل السياسي الحزني جلاه صراع النخب السياسية على المناصب والزعامات، وأفقده التعديل الحكومي الأخير ـ أكتوبر 2013 ـ بقية مصداقيته حيث تلقى العمل السياسي الحزبي ضربة قاتلة بالتمكين لـ”حزب” التكنوقـراط والمناداة على حزب الأحرار لترميم أغلبية يقودها حزب العدالة والتنمية؛ حزبان بينهما برزخ لا يبغيان، لكن تجمعهما عباءة المخزن. فهل بعد هذا العبث السياسي يستقيم الكلام على تنافس سياسي، إلا أن يعني التنافس شيئا آخـر!؟

مشهد سياسي دققت الوثيقة في توصيفه، حيث … اتضح الأمر بكل قتامته للجميع في الداخل والخارج: لأصحاب القرار، وللجماهير المغلوبة على أمرها، ولقواها وضمائرها الحية، و”للفاعلين السياسيين”. وكم يؤسفنا أن نضع هؤلاء الفاعلين بين مزدوجتين، لا تشفيا ولا ازدراء، لكن لنحاول أن نصف بعض جوانب الحقيقة المرة التي تَكََشَّفَتْ في أبشع الصور: فلا فاعلية ولا سياسة، وإنما هو الاستبداد المطلق…) (ص: 1).

دعـوات متكررة للإصلاح

إن جماعة العدل والإحسان من خلال الوثيقة بقدر ما شخصت واقع البلد المأزوم تقترح البدائل وتطمح إلى أن يكون المغرب مغربا حرا وديمقراطيا وناميا وآمنا وحقوقيا ومتصالحا مع ذاته وكل مكوناته… في مصلحة الجميع، في الداخل والخارج ضد التوترات الإقليمية وضد التطرف… وإن جماعة العدل والإحسان لمع الشعب ومع مختلف فاعليه على العهد الدائم بحول الله، عهد الثبات على المبادئ المشروعة دون استكانة أو جبن أو ركون إلى ظالم، وعهد الوفاء لدين الإسلام وللمطالب المشروعة لهذا الشعب في إقرار مجتمع العدل والحريات العامة والأخلاق الفاضلة وحقوق الإنسان والديمقراطية الفعلية، والتنمية الاقتصادية الحقيقية والكرامة الوطنية، والانتفاع الإيجابي والشراكة المنصفة والشريفة وذات المصالح المتبادلة وتأمين الحاجات الأساسية في الأمن والغذاء والاستقرار والصحة والمعرفة، وعهد التواصل الوطني والاستعداد الصادق والجدي للعمل إلى جانب كل المكونات المخلصة في هذا البلد من أجل تحقيق هذا المجتمع الذي نتطلع إليه جميعا) (ص: 10).

وثيقة من أجل الخلاص جاءت لتدق ناقوس الخطر وتنبه إلى أخطار محدقة بالبلاد توشك أن تهدد أمنها واستقرارها ما لم تتضافر جهود الصادقين لتكوين جبهة ممانعة لأخطبوط الفساد وشراء الذمم توسيعا لقاعدة الملإ المخزني، وإلا ستتسع الهوة وتستفحل الأزمة ويستعصي الحل، فلا يجدي وقتها الصيـاح والنيـاح.

الهوامش جميعُها من وثيقة “جميعا من أجل الخلاص”، التي أصدرها المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان خلال دورته الثانية عشرة بتاريخ: 08 دجنبر2007.