أجرت جريدة “العاصمة بوست”، في عددها ليومي السبت والأحد، حوارا شاملا مع الدكتور عمر أمكاسو، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان ونائب رئيس الدائرة السياسية، في سياق إحياء الجماعة اللذكرى الأولى لرحيل مؤسسها ومرشدها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله. ويقدم موقع “الجماعة نت” النص الكامل للحوار تعميما للفائدة.

كيف تخلد جماعة العدل والإحسان الذكرى الأولى لرحيل مرشدها عبد السلام ياسين، وما هو برنامجكم لهذه المناسبة؟

دعني أولا أوضح أن احتفالنا بالذكرى الأولى لرحيل الإمام المرشد رحمه الله يعني بالنسبة لنا عدة أمور. أولا، فهذه الذكرى مناسبة جديدة لتأكيد معاني الوفاء للإمام المرشد الذي ندين له بما أجراه الله تعالى لنا من أفضال على يده، لا حد لها باعتباره مرشدنا ومصحوبنا ومؤسس دعوتنا وقائدنا. من جهة ثانية، هذه الذكرى مناسبة للتذكير والتأكيد على قيمة الرجل وما حباه الله تعالى من مكانة وريادة في مختلف المجالات، فضلا منه سبحانه وتعالى ومنة، حيث لم يكن مرشد دعوة العدل والإحسان فحسب، بل كان وطنيا مهتما بشؤون بلاده ومنافحا عن حقوق شعبه، كما كان إماما مجددا ومربيا ربانيا رائدا نظر للأمة الإسلامية جمعاء.

ونود كذلك من خلال احتفالنا بهذه المناسبة أن نغتنم هذه الفرصة للتواصل مع كل الفاعلين والفضلاء الدعويين والسياسيين والنقابيين والإعلاميين والحقوقيين وغيرهم، سيرا على النهج القويم الذي ربانا عليه الإمام المرشد رحمه الله، وتأكيدا على جديتنا في مد جسور التواصل والتعاون مع الجميع لتجاوز ما تتخبط فيه بلادنا من أزمات، وإلحاحا منا على ضرورة التأسيس لشروط ميثاق جماعي نراه السبيل الوحيد لنجنب بلادنا ما تشهده بعض البلدان العربية من صراعات مريرة تؤدي الشعوب ثمنها في أمنها وأرزاقها واستقرارها ونشدانها للانعتاق والتحرر، كما تؤدي النخب المسؤولة عن تلك الصراعات الثمن من مصداقيتها ومشروعيتها.

أما عن برنامج هذا الاحتفال فقد أعلناه من خلال بلاغ نشر في مواقع الجماعة وعمم على وسائل الإعلام، وهو يتضمن نشاطين: نشاط فكري تواصلي، وهو عبارة عن ندوة حول “بعض معالم التجديد في مشروع الإمام المرشد رحمه الله” وستؤطر هذه الندوة أسماء وازنة من داخل الجماعة وخارجها، وهي فرصة للتداول وتسليط الأضواء حول مشروع الإمام المرشد بحثا عن معالم التجديد فيه. أما النشاط الثاني فهو عبارة عن حفل تأبيني ستعرض فيه فقرات ومواد متنوعة.

ماهي في نظركم التغييرات التي طرأت على الجماعة بعد رحيل مرشدها، وهل أثر ذلك على تنظيمها وطريقة اشتغالها؟

لا يماري أحد بأن رحيل الإمام المرشد رحمه الله شكل حدثا بالغ التأثير في نفوسنا جميعا، وترك فراغا كبيرا باعتباره المؤسس والمربي والمصحوب والمنظر.

لكن لحسن الحظ ومما نحمد الله تعالى عليه، أنه لم يتوف حتى أدى رسالته أحسن أداء جزاه الله عنا وعن الأمة خير الجزاء، فقد أسس مشروعا متكاملا نصطلح عليه بالمشروع المنهاجي تربية ودعوة وسياسة، وفي نفس الوقت ربى أجيالا من الرجال والنساء الذين تصدوا تحت توجيهه وعنايته لحمل هذا المشروع والاجتهاد في تمثله وتنزيله.

ولذلك فجماعة العدل والإحسان، بفضل الله تعالى ومنته، تتوفر على منهاج عمل واضح المعالم، أثله الإمام المرشد رحمه الله كما سلف، وبلورته حركية الجماعة على امتداد أزيد من أربعة عقود من العمل الدؤوب واستفراغ الوسع في كل الميادين؛ كما تتوفر الجماعة بفضل الله تعالى على مؤسسات تشرف على كل مجالات عملها، وفق خطة استراتيجية عامة مستقاة من منهاج الدعوة ومن التفاعل الحي والمستمر مع الواقع ومستجداته، تضعها مجالسها الشورية بصفة دورية.

وبناء على هذين المعطيين اللذين يغفل عنهما كثير ممن لا يعرفون الجماعة وكيفية اشتغالها، تضع الجماعة برامجها وخططها على المدى القريب والمتوسط والبعيد.

ولذلك فالحديث عن متغيرات كما يفهمها البعض مثل تغيير الموقف من النظام أو من المشاركة السياسية أو غيرهما يصبح بعيدا عن الواقع؛ أما إذا كان المقصود بذلك هو التفاعل المتجدد مع الواقع والاجتهاد في تحديد وتجديد آليات هذا التفاعل وحدوده ومضامينه، فنحسب أن ذلك هو ديدن الجماعة بمؤسساتها المتنوعة.

بالنسبة إلى مواقف الجماعة من الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في البلاد، هل تغيرت، وهل يمكن أن تتغير مستقبلا؟

أعتقد أنني أجبت بشكل غير مباشر عن هذا السؤال فيما سبق، ولمزيد من التوضيح، اسمح لي أن أؤكد أن جماعة العدل والإحسان ليست حزبا سياسيا يتقلب مع الأحداث ويبحث عن فرص الوصول إلى الحكم وبناء التحالفات التي سرعان ما تتغير. إن الجماعة دعوة شاملة تريد أن تتأسس على النموذج النبوي الخالد، وتنطلق في التفاعل مع الواقع ومستجداته وما يتطلبه من مواقف جديدة من منطلقين أساسيين. أولهما التصور المنهاجي أو إن شئنا أن نتفاهم مع الغير أكثر نقول الرؤية المذهبية أو قل، إن شئت، الرؤية الإيديولوجية، التي تنبني على فهمنا للنصوص الدينية قرآنا وسنة، وتفاعل المسلمين معها خلال الرعيل الأول ممن تربى على يد الرسول الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ومن صحبهم. وثانيهما قراءتنا للواقع ومستجداته وملابساته وحركة مختلف الفاعلين فيه، وهذا المنطلق يستدعي التجديد المستمر للمواقف تبعا لما تقتضيه تلك المستجدات، وهو ما نحرص عليه دائما.

فإذا أعملنا هذه القاعدة، فإن موقفنا من الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في المغرب يتأسس على ثوابت منهاجنا مثل التركيز على الأساس التربوي الإيماني في بناء شخصية الإنسان الذي هو جوهر دعوتنا، مع استحضار كل الأبعاد الأخرى المكملة لهذا الأساس، ورفض الملك الجبري بكل تمظهراته، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم عابه وحذر منه في حديثه المشهور الذي أخبر فيه بمراحل تطور النظام السياسي في الأمة قائلا: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت”. بالإضافة إلى رفض الحلول الترقيعية، التي من شأنها أن تؤبد الفساد والاستبداد وتزينه وتجدد آليات اشتغاله، ورفض العنف سبيلا للتغيير لأنه طريق نحو الفتنة والاقتتال بين المسلمين والهذر لأمن المواطنين واستقرارهم، ورفض السرية في العمل لأنها تؤدي إلى التحجر والانزواء وتعطي الفرصة لمن يريد القضاء عليك برميك بكل التهم، ولأنها تتنافى مع مبادئ الوضوح والمسؤولية التي ربانا عليها إسلامنا الحنيف.

ومع استحضار هذه الثوابت، فإننا لا نتردد في الانفتاح على مستجدات هذا الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي والتفاعل معها بما تقتضيه من تجديد المواقف وتغييرها، متى قدرنا أن هناك فعلا مستجدات تقتضي هذا التغيير. أما إذا كان الجمود والانسداد وهيمنة الفاعل الوحيد الذي يمثله القصر هي السمات الرئيسة للواقع، فعن أي تغيير للمواقف تسألني يا أخي الكريم؟

لكن، لماذا ترفض جماعتكم المشاركة في الحياة السياسية في المغرب، وهل يمكن أن نشاهدها مستقبلا فاعلة في المشهد السياسي؟

يا أخي الكريم، أولا، لا يمكن حصر المشاركة في الحياة السياسية والحضور في المشهد السياسي في المشاركة في الانتخابات التي يشهد القاصي والداني بأنها لعبة متحكم فيها من خلال مختلف الآليات التي راكمها المخزن منذ عقود مثل قانون الأحزاب والتقطيع الانتخابي والتزوير المباشر أو غير المباشر للنتائج. كما لا يمكن حصر هذه المشاركة في العمل داخل المؤسسات المخزنية المنزوعة الاختصاصات إلا تزيين واجهة النظام المخزني وتغطية فساده واستبداده، والظهور بمظهر دولة الحق والقانون.

ألا تكفينا تأكيدا على فشل هذه المقاربة تجارب ستة عقود اقتطعت من تاريخ بلادنا وشعبنا، شاركت فيها أحزاب لا نشك في وطنيتها وصدق نخبها وكفاءة أطرها، لكن الحصيلة كانت دائما مزيد من الترسيخ للفساد والاستبداد والتمكين له وتأييده، ومراكمة كل أشكال الفشل والتردي على جميع المستويات كما تؤكد تقارير مختلف المؤسسات المحلية والدولية وآخرها تقرير مؤشر الفساد، وتفويت فرص الإقلاع الحقيقي نحو بناء دولة الحق والقانون وحقوق الإنسان والعدالة والحرية…

نحن نقدر أن مشاركة من هذا القبيل لا جدوى منها البتة، ونرجو أن تكون فرصة الحكومة الحالية وما سبقها ومهد لها وواكبها من آمال وتطلعات كثير من الفئات الشعبية والنخب الفاعلة التي حملتها لنا رياح ما عرف بالربيع العربي، آخر حجة دامغة لإقناع الجميع ألا إصلاح يرجى من داخل المؤسسات المخزنية ووفق آلياتها الانتخابية وغيرها، وألا تغيير يرجا إلا بمشاركة سياسية قوية وسط الشعب والمجتمع، تعيد بناء الإنسان، وتعيد له الثقة في قدراته، وتعبئ كل الجهود وفق برنامج توافقي عام يضغط بالقوة الهادئة المتدرجة من أجل التأسيس الجماعي لمغرب جديد، مغرب يصطلح مع ذاته وقيمه ويستشرف أفق الانعتاق والتحرر.

أرجو ألا يفهم من كلامي اللعب بالمصطلحات الكبيرة ودغدغة المشاعر والهروب من مسؤولية المشاركة ومقتضياتها، فأنا أؤكد على منهج تغيير شامل واقعي وفعال، وقد جربته كثير من الدول ونجحت به في حلحلة الحكم الفاسد والانطلاق نحو أفق الانعتاق مهما كانت العقبات والأخطاء.

فالمشاركة السياسية الحقيقية التي من شأنها إحداث ما نرجوه جميعا من تغيير ناجع هي الحضور القوي داخل المجتمع وممارسة كل الضغوط الممكنة والمتاحة مع هذا المجتمع وبالتعاون مع كل القوى الحية فيه، وهذا هو خيارنا الذي نتمسك به مادامت الوقائع تؤكد صلاحيته، ولا يمكن للمتبع النزيه أن ينكر أن الجماعة بخيارها هذا أسهمت وتسهم في التأسيس للتغيير بشكل غير مباشر وتحقق للشعب بعض المكاسب، طبعا مع شركائها الذين يتفقون معها في هذه المقاربة.

ويمكننا أن نستدل على سبيل المثال لا الحصر بالزيادة غير المسبوقة التي اضطرت الدولة إليها وهي 600 درهما في الأجور تحت ضغط احتجاجات 20 فبراير التي تندرج ضمن هذه المقاربة والتي كان لشباب الجماعة دور كبير في ديناميتها مع باقي الشركاء دائما. وحينما نقدر أن هناك خيارات أخرى يمكنها أن تحقق التغيير الشامل المنشود، فلن نتردد في الانفتاح عليها وفق تصورنا ورؤيتنا المنهاجية.

ومن جهة ثانية، فمن تمام العبث أن نراهن على مشاركة سياسية رسمية في ظل نظام منغلق لا يلتزم حتى بقوانينه التي وضعها هو نفسه في تأسيس الأحزاب، حينما يصر على عدم الاعتراف بحزب الأمة مثلا وينزع المشروعية عن حزب البديل الحضاري، ويتدخل في الأمور الداخلية للأحزاب، تفكيكا لها، وبناء للتحالفات الانتخابية، وتحديدا لحجم المشاركة، وتحديدا للتحالفات الحكومية وغيرها من آليات إفساد الحياة السياسية وإفراغها من محتواها ورسالتها في تأطير الشعب والدفاع عن مصالحه ليخلو الجو للفاعل الأوحد والمؤثر الوحيد والمتحكم الوحيد في كل مفاصل الحياة. ولا أريد أن أعطي الأمثلة عن هذه الآليات حتى لا أسيء لاختيارات واجتهادات أصحابها، ولا أخال أي متتبع للشأن العام لا يدرك هذه الأمثلة.

بعد مرور سنة على رحيله، كيف تقيمون حياة الشيخ عبد السلام ياسين، وماذا قدم للجماعة والمغرب والأمة العربية والإسلامية؟

لقد كان الإمام المرشد رحمه الله، ولا نزكي على الله أحدا، بل نتحدث بنعمة الله عليه وعلينا، كان بحق طودا شامخا، جمع الله له ما تفرق في غيره، فقد كان مربيا ربانيا ومصحوبا ناصحا لا يفتر عن دوام التقرب إلى الله تعالى بكل القربات على غرار كبار الأولياء الكمل. لكنه لم يعتزل الناس وينشغل بالخلاص الفردي كما آثر كثير من مشايخ السلوك، بل كان في نفس الوقت منظرا ثاقب الرؤية خلف مشروعا متكاملا أصبح يحظى بالمدارسة والتداول في بعض المؤتمرات الدولية وبعض المعاهد والجامعات العالمية.

كما كان رحمه الله قائدا سياسيا محنكا عميق النظر وذا نظرة استراتيجية حكيمة، وأسس لخط سياسي ثالث في التغيير، لا هو بالمهادن للنظام والموالي له، ولا هو بالملتجئ للعنف لمواجهته؛ فمع جهره بانتقاد النظام بقوة وشجاعة وعزة في رسالتيه الشهيرتين “الإسلام أوالطوفان” و”رسالة إلى من يهمه الأمر”، اختار أن يكون بدعوته قوة هادئة تربي على الرفق والحكمة واحتساب أذى الغير في سبيل الله ثم في سبيل الوطن والأمة.

وكان كذلك بفضل المنان الكريم داعية إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، استطاع بحول الله تعالى تربية أفواج من الرجال والنساء من كل الأعمار والفئات، وبناء دعوة ناهضة امتدت في أرجاء المغرب وبين كل الفئات المجتمعية ممثلة في جماعة العدل والإحسان، كما امتدت خارج المغرب في كثير من البلدان ممثلة في مدرسة العدل والإحسان.

وكان رحمه الله بالنسبة للأمة الإسلامية الإمام المجدد والمؤسس لنهج دعوي متميز؛ أسهم بعمق في إحياء البعد الإيماني التربوي في أوصال الحركة الإسلامية، الذي يسميه البعض تصوفا، ويلح رحمه الله على التوصيف القرآني والنبوي له فيسميه تزكية وإحسانا؛ ولا أدل على هذا الإسهام من أن بعض الحركات الإسلامية أصبحت تعتمد بعض كتب الإمام رحمه الله مرجعا في عملها وخاصة كتابا “المنهاج النبوي” و”الإحسان”، وأن دعوته اخترقت الحدود فأصبحت مدرسة عالمية في فهم الإسلام وتمثله وتنزيله والدعوة إليه. وفي نفس المضمار، تصدى رحمه الله لنخل التراث الصوفي وتصفيته مما علق به من التراكمات التاريخية، وأعاده إلى المنبع القرآني والنبوي الصافي، وخاصة في كتابه “الإحسان”، مما أسهم في ردم الفجوة بين الحركة الإسلامية وهذا التراث الغني.

بعض وسائل الإعلام والسياسيين يتحدثون عن أفول نجم الجماعة خلال السنوات الأخيرة وتفكك في صفوفها؟ ماهو تعليقكم وردكم على ذلك؟

لست أدري بأي معيار يصدر هؤلاء مثل هذه الأحكام المجانبة للصواب بكل المقاييس، إلا أن يكون المنطلق هو التعامل مع جماعة العدل والإحسان باعتبارها حزبا سياسيا تظهر قوته وتضعف على قدر حضوره السياسي بالمعنى الضيق للكلمة، مشاركة في الانتخابات، أو مقاطعة لها، وتدافعا مع القوى الأخرى، وغيرها من مظاهر الحضور السياسي اليومي أو ما يسميه البعض الحضور السياسوي.

وكما أسلفت ربما بإسهاب كبير، فهذا التوصيف غير صحيح ولا ينطبق على حقيقة العدل والإحسان، التي ما فتئنا نؤكد أنها قبل أن تكون قوة سياسية تقاس قوتها أو ضعفها بمدى الحضور في المشهد السياسي، فإنها دعوة شاملة تتصدى لكل الجوانب المتعلقة ببناء الإنسان والمجتمع والأمة، وليست السياسة إلا جانبا من برنامجها التغييري الشامل، مع أهميتها وتأثيرها في هذا المشروع التغييري.

وحتى بإعمال هذا المقياس فليس صحيحا أن الجماعة غائبة في الواقع السياسي المغربي، بل هي حاضرة بقوة بشكل غير مباشر، من خلال ما تمارسه مع شركائها من تدافع، في مختلف مجالات العمل النقابية والجمعوية والنسائية والشبابية والطلابية والإعلامية والاقتراحية وغيرها، وهي تشتغل بنفس طويل وفق مقاربة شاملة وفي أوراش متعددة كبرى.

أما الزعم أن الجماعة تعاني مؤخرا مما أسميته أخي الكريم في سؤالك تفككا في صفوفها، فهذا مجانب للصواب، فمما حبا الله تعالى به الجماعة وحدة الصف منذ تأسيسها، وقد عصمها الله تعالى بفضله ومنه من الانشقاقات التي تكاد تكون السمة الرئيسة لكثير من التنظيمات، بما يسر لها من قيادة حكيمة ومنهاج عمل واضح ومؤسسات شورية، وقد ازدادت الجماعة بعد رحيل الإمام رحمه الله تراصا وتحابا لأننا شعرنا بثقل الأمانة التي استودعنا إياها مرشدنا رحمه الله، وبعظم المسؤولية التي انتدبنا لها رحمه الله مما أحوجنا لمزيد من التراص وتضافر الجهود.

ماهو تقييمكم للمشهد السياسي الوطني في الوقت الحالي؟

أقل ما يمكن أن يوصف به هذا المشهد هو الرتابة، وانسداد الأفق، وهيمنة الفاعل الأوحد الذي يمثله القصر ومحيطه، وترسخ واقع الفساد والاستبداد، وبين الفينة والأخرى تتفضل علينا الآلة المخزنية ببعض الفرقعات الإعلامية لتشغل الرأي العام وتوهمه بأن هناك حركية ونقاشا مجتمعيا حول القضايا العامة، ولعل الأضحوكة العيوشية الداعية للتدريس بالدارجة من آخر هذه الفرقعات. وإذا شئت فتأمل كيف يتوقف كل شيء في المغرب إذا كان الملك في زيارة خارجية، ولا تتجدد “دينامية وحركية” المشهد السياسي إلا بعد عودته، حتى أنه يحق للمتابع أن يتساءل: أين باقي الفاعلين السياسيين؟ وأين مبادراتهم المستقلة عن الأجندة المخزنية؟ فإلى متى نضحك على الذقون، ونزعم أن هناك فعلا سياسيا خارج الدائرة المخزنية المصونة، وندعو الجميع للمشاركة في ذلك؟ أليس هذا قمة في العبث السياسي والاستهتار بعقول الشعب وإرادته؟

كيف تقيمون أداء الحكومة التي تقودها العدالة والتنمية بعد عامين من تنصيبها؟

مرارا قلنا أننا نؤمن بأن الهامش الذي يرسمه المخزن، بإتقان وتجديد مستمر ومتكيف مع المتغيرات للفاعلين السياسيين من حكومة وغيرها هو هامش محدود جدا ومتحكم فيه بقفازات من الحرير الناعم، التي توحي للبعض أنه هو الفاعل الحقيقي.

ومع تقديرنا لكل المقاربات التي تخالفنا هذا التوصيف، واعترافنا بوجود نيات صادقة وكفاءات معتبرة ومؤهلة في صفوف كل الأحزاب الوطنية، فإن الواقع ما فتئ يؤكد موقفنا. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، لا ننسى أن السماح للإخوة في العدالة والتنمية بتصدر الانتخابات، وهو ما لا نشك في استحقاقهم له، وهو أيضا ما كان يحصل بقدر ما منذ أن قرروا المشاركة، لكن المخزن كان لا يسمح به، فالسماح لهم بذلك مؤخرا لا ننسى أنه جاء ضمن سياق عام تؤطره بلا شك الأجواء التي خلفتها رياح الربيع العربي والتي جسدتها احتجاجات وحركية المجتمع المغربي المرافقة وخاصة 20 فبراير، وضمن حزمة من الإجراءات الالتفافية التي التجأ إليها المخزن لمواكبة هذه الأجواء، من مثل دستور 2011 وما تلاه من انتخابات وتكوين حكومة “سياسية”، وغيرها.

وقد أوضحنا موقفنا من هذه الحكومة بشكل جلي وصريح علني وأخوي في رسالتنا التي وجهناها للإخوة في العدالة والتنمية، وحليفهم الدعوي في حركة التوحيد والإصلاح، ورد هؤلاء الإخوة على رسالتنا بالدفاع عن الموقف الذي اختاروه بكل أخوة أيضا.

لكننا مع كل هذه التأكيدات، لا نخجل أن نعلن بأن ما انطلق منه إخواننا من رغبة أكيدة -بلا شك ـ في الإصلاح من داخل المؤسسات المخزنية أو ما يسمونه بمقاربة الإصلاح مع المحافظة على الاستقرار، لن تجدي في تحقيق الشعار الانتخابي الواعد بمحاربة الفساد، وكيف يمكن أن يجدي ذلك والسيد رئيس الحكومة يؤكد بمناسبة وبغير مناسبة أن جبهة العفاريت والتماسيح تتصدى بالمرصاد لكل محاولة في التغيير، ولا أريد أن أطيل بإعطاء الأمثلة الدالة على ذلك مثل دفتر التحملات المشؤوم الذي داسته الآلة المخزنية الفتاكة وأحنثت وزير الإعلام الذي أكد أن رفضه سيؤدي به للاستقالة، ورخص المقالع ومحاكمة كبار ناهبي الأموال العامة…

دعنا من هذه التفريعات التي ننأى بأنفسنا عن الانشغال بها عن جوهر قضية المغرب، وهي الفساد والاستبداد المستشريان في كل أوصال البلاد بحيث لا تجدي كل المحاولات الجزئية التي نعتبرها مجرد مسكنات، رغم صدق نيات أصحابها ونزاهتهم وكفاءتهم.

ولست أدري هل قدر الشعب المغربي أن ينتظر تكرار مثل هذه المحاولات مرة أخرى بعد ستة عقود من التجربة المريرة ليتأكد ألا جدوى ترجى من مثل هذه المقاربات، وأنها لا تزيد المخزن إلا تحكما في شرايين البلاد، وأن الجهود يجب أن تتضافر للتأسيس للتغيير الحقيقي المنشود.

هل يمكن للجماعة أن توجه رسائل للسلطات المغربية العليا على غرار الرسالتين السابقتين اللتين كان الشيخ عبد السلام ياسين قد أرسلهما إلى الملك الراحل الحسن الثاني والملك محمد السادس؟

عليهم أولا تطبيق مضمون الرسالتين السابقتين. أعتقد أن مصداقية الرسالتين ما زالت قائمة، ومطالبهما ما زالت ملحة، والجماعة لا تكرر نفسها. وأبلغ رسالة نوجهها للحاكمين في هذه المناسبة وفي كل مناسبة، هي إصرارنا على المضي على درب التغيير الشامل المنشود، ومطالبتنا بحقوقنا المشروعة في الدعوة إلى الله تعالى بكل حرية ومسؤولية ووضوح، وفي الإسهام في التأطير والبناء، واقتراح مشروعنا على الناس وشرحه وبسطه، وفي الدفاع عن حقوق شعبنا وقضايا أمتنا، ورفع الحصار عن دعوتنا، والوصاية عن شعبنا.

ختاما، ماهي تطلعات الجماعة للمرحلة المقبلة؟ وما هي آمالها وأجندتها لقادم السنوات؟

تطلعات الجماعة فيما تستقبله من سنوات، أمد الله في عمرها، هو المضي على درب مشروعها الذي يلخصه شعارها ” العدل والإحسان” والذي يجمع بين الاهتمام بالخلاص الفردي تربية للفرد على الترقي في مدارج القرب من الله تعالى، والاهتمام بالخلاص الجماعي إسهاما في بناء المجتمع العمراني الأخوي القائم على العدل والشورى والحرية واستشراف الأمة لأفق الخلافة على منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن أجل ذلك سنمضي بحول المولى الكريم في مشروعنا التربوي الدعوي من أجل توسيع دائرة التفاعل والتأثير التربوي والدعوي داخل المجتمع من خلال التجديد المستمر لآليات العمل.

كما سنمضي بإذن الله تعالى في الإلحاح على المقاربة الجماعية والشمولية ومد جسور التواصل والتعاون مع كل الفاعلين، من أجل التأسيس الجماعي التوافقي للتغيير المنشود. ولن نتوانى بحول الله في المطالبة بكل حقوقنا في التنظيم والإعلام وتوسيع دائرة الانخراط في المؤسسات المجتمعية.