شمعة أخرى من شموع الحكمة الإنسانية الوضاءة تنطفئ، وشمس ثانية من شموس إفريقيا تأفل، مانديلا ضمير إفريقيا الحي الحر، يغادر عالمنا بعد أن ترك بصمته في تاريخ البشرية، وشهادة مدوية في سجل الإنسانية أن التضحيات تصنع الأوطان وأن الرجال يغيرون مجرى التاريخ ويرسمون المستقبل بصمودهم وثباتهم على المواقف.

لا تذكر إفريقيا إلا ويطل وجه هذا الزنجي بابتسامته المميزة ليلخص معاناة قارة سوداء -وفي الوصف كثير من العنصرية والتمييز- بدأت منذ وطئت قدما الرجل الأبيض أديمها مبشرا بالحضارة والتقدم والرقي، لكن سرعان ما تكشف الواقع عن همجية وبربرية القادم من الضفة الأخرى فكان الفقر والتهميش والاستعمار ونهب الثروات، وصارت إفريقيا حقل تجارب للأدوية والأسلحة، ومسرحا للحروب والمجاعات، ومدفنا لنفايات الغرب المتحضر حتى النووي منها، ومكبا لأدويته وأسلحته وغذائه المنتهي الصلاحية، وقبلة لنزوات مرتزقته وصيادي الكنوز والمتعة، ومدرسة لمبشريه يجربون فيها أساليب التنصير وطرقها المستحدثة.

يطل هذا “الحبشي” بوجهه البشوش ليكون شهادة حية على جبروت الإنسان حين يفقد آدميته وتسوغ له الإيديولوجيا و”الديانة” والمصلحة هدر الكرامة الإنسانية ودوسها. نعم قد كان رجلا استثنائيا في طريق التحرر الإفريقي ومناهضة الاستعمار، فإذا كان زعماء إفريقيا فرحات حشاد والمهدي ابن بركة وباتريس لومومبا وعبد الكريم الخطابي حاربوا الاستعمار وكلمة الاستعمار كافية لتستدعي كل مشاهد البشاعة والوحشية والهمجية والاستغلال والعبودية، فإن مانديلا قاوم أبشع أنواع هذا الاستعمار، الاستعمار القائم على الفصل بين البشر والتمييز بينهم، واعتبار الزنوج كائنات أوضع من الكلاب والجرذان.

عاش “روليهلاهلا” عظيما ومات عظيما. عظيما حين قاوم سياسة الميز العنصري “الأبارتيد” زهاء نصف قرن، عظيما حين دعا شعبه إلى طي صفحة الماضي وتناسي الأحقاد وإلى مصالحة وطنية تضع حدا لأجيال من الكراهية والظلم والأحقاد والصراع. عظيما حين زهد في الزعامة والرئاسة لأن العظماء يعلمون أن الكراسي لا تضمن المجد ولا تصنع الزعامة ولكن حب الناس والانتصار للمبدإ وللقيم الإنسانية هي من يصنع الخلود. عظيما حين دعا إلى محاربة الفقر والجوع والمرض والجهل في إفريقيا لأنه يعلم أن الفقر قيد وأن المرض أسر وأن الجهل سجن.

مات مانديلا ومازال الأمل معقودا على الأفارقة في أن يصنعوا عالما بلا حرب بلا مجاعة بلا مرض بلا جهل. مات مانديلا وما زال الأمل كبيرا في أن تستكمل إفريقيا مسيرة التحرير والكرامة الإنسانية تحرير الإنسان بعد تحرير الأوطان.