تقديم

أعاد الربيع العربي ترتيب العديد من الأشياء وغير الكثير من المسلمات، فكما زعزع عروشا كانت يراها الجالسون عليها حصينة منيعة، فقد كان كذلك محكا لعديد من المشاريع الفكرية والسياسية المطروحة على الساحة العربية والإسلامية لتظهر مدى صدقيتها في الشعارات المرفوعة والأهداف المعلنة. البعض من هذه المشاريع تمكن قبل هذا الربيع من الوصول إلى الحكم وتأسيس أنظمة سياسية قائمة على مذهبها الفكري (الشيعة في إيران، القومية في مصر…)، كما تحالف بعضها مع مصالح سياسية أخرى للوصول إلى الحكم (الوهابية في السعودية)، فيما انتظر البعض الآخر الانفراج الذي أحدثه الربيع المذكور وهزاته الكبرى وارتداداته المستمرة للوصول إلى السلطة في بعض البلاد العربية (الإخوان المسلمون في مصر قبل الانقلاب، النهضة في تونس).

برزت هذه المذاهب الفكرية إلى الساحة بعد ثورات الربيع العربي برؤى مختلفة ومواقف متناقضة، هذه التناقضات كان بالإمكان أن تحتويها كلها الدولة المدنية والعملية الديمقراطية السلمية التي اتفق عليها الجميع كمدخل سليم للتداول السلمي على السلطة التي يمنحها الشعب عبر صناديق شفافة. لكن المسألة تحولت إلى صراع لم يقتصر فقط على “الأسلحة” الديمقراطية بل تعداها إلى الاقتتال الأهلي بين أبناء وطن واحد.

سنحاول في هذه المقالة، بعجالة الكتابة الصحفية التي تختزل العديد من مداخل ومفاصل الدراسة العلمية، الوقوف عند أبرز المشاريع عبر حلقات طارحين عليها سؤالين: سؤال النشأة وسؤال المصداقية.

سؤال النشأة: أجوبة مختلفة لأسئلة تاريخية

عرفت الأمة الإسلامية عامة وأقطارها العربية خاصة، على مرِّ مراحل تاريخية مختلفة على مدى أربعة عشر قرنا- منذ مقتل الخليفة الراشد الرابع علي بن طالب رضي الله عنه وانتهاء زمن الخلافة الراشدة في القرن السابع الميلادي إلى مرحلة ما بعد الجلاء العسكري للاستعمار الغربي لمعظم البلاد العربية خلال القرن العشرين- أحداثا كبيرة شكلت هزات عنيفة أنتجت أجوبة مختلفة اختلاف المنطلقات ومرجعيات التشخيص لأمراض ومشاكل الأمة. هذه الأحداث الكبرى والمشاكل المختلفة ستشكل أرضية لبروز مشاريع فكرية وسياسية تروم كلها تقديم أجوبة تراها مناسبة لتلك الأحداث. ويمكن تصنيف هذه المشاريع إلى صنفين حسب خلفية النشأة: مشاريع أصيلة ومشاريع مستوردة.

– مشاريع أصيلة: نقصد بها التي أنتجت أجوبة من داخل النسق الفكري الإسلامي لمشاكل الأمة، وسنتحدث عن ثلاثة مشاريع تقتسم الحل الإسلامي كمدخل أساسي لنهضة الأمة وهي: المشروع الشيعي، والمشروع السلفي/الوهابي، والمشروع الإخواني/الحركة الإسلامية.

طالع أيضا  مستقبل العالم الإسلامي في ظل التحولات الدولية الراهنة موضوعاً لندوة دولية

– مشاريع مستوردة: وهي التي قدمت أجوبة مستوردة من أنساق فكرية لأمم أخرى، وترى أن الحل لمشاكل التخلف العربي والإسلامي في اقتباس هذه المشاريع وتطبيقها حرفيا أو بمراعاة الخصوصية المحلية، وسنركز على ثلاثة منها يجمعها مشترك العلمانية وهي: المشروع القومي، والمشروع الاشتراكي، والمشروع الليبرالي.

– المشاريع الأصيلة

برزت هذه المشاريع، التي تقتسم الحل الإسلامي لمظاهر انحطاط الأمة بعد توالي انتقاض عرى الإسلام، بعد سلسلة من الحركات الإصلاحية التي تبلورت إلى مشاريع مجتمعية استطاع بعضها الوصول الحكم، في مازال بعضها يواجه هذا المخاض.

– الحركة الشيعية: تحولت هذه الحركة إلى مذهب يمثل ثاني أكبر طائفة من المسلمين، وتعود أصول هذا المذهب إلى مرحلة الفتنة الكبرى التي دبت إلى الجسم الإسلامي الفتي، 30 سنة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وخاصة بعد معركة صفين التي قسمت المسلمين إلى فئتين: فئة تناصر عليا ابن طالب، الذي بايعه الصحابة بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، ضد والي الشام، معاوية بن أبي سفيان الأموي، الذي رفض بيعة الخليفة الرابع حتى يقتص لدم عثمان رضي الله عن الجميع. هذا الصراع أدى في النهاية إلى بروز الدولة الأموية بعد مقتل علي ابن طالب، لكن أنصار الإمام المقتول سيطالبون بعودة الإمامة والخلافة إلى بيته، فسموا “شيعة” لأنهم شايعوا عليا وناصروه.

بَطشُ الدولة الأموية ومن بعدها الدولة العباسية ضد شيعة علي والمجازر التي ارتكبتها الدولتان في حق آل البيت (مذبحة كربلاء أنموذجا) أدت إلى غلو هذه الطائفة في حب علي وأبنائه، حيث هندس العقل الشيعي على مر القرون رؤى وتصورات حول النبوة وآل البيت والصحابة تزداد غلوا كلما ازداد البطش ضد هذه الطائفة، لتنتج في النهاية مشروعا فكريا قائما ذات أبعاد مختلفة من أبرزها أحقية آل البيت أو من ينوب عنهم (ولاية الفقيه) في حكم المسلمين إلى حين عودة الإمام المهدي المنتظر الذي لن يكون سوى من آل البيت حسب عقائد الشيعة.

تمكن الشيعة في الزمن الراهن من الوصول إلى حكم الدولة الإيرانية بعد ثورة الإمام الخميني (1979م)، وتأسيس دولة شيعية تسعى إلى تصدير المذهب الشيعي استعدادا لظهور الإمام المهدي الذي سيحكم الأرض ويملؤها عدلا وتأسيس دولة آل البيت.

طالع أيضا  مستقبل العالم الإسلامي في ظل التحولات الدولية الراهنة موضوعاً لندوة دولية

– الحركة الوهابية: ارتبطت هذه الحركة بمؤسسها محمد بن عبد الوهاب الذي ظهر في منطقة نجد بشبه الجزيرة العربية خلال القرن الثامن عشر الميلادي، وقد تحالف ابن عبد الوهاب مع طامع السلطة وهو محمد بن سعود لنشر السلفية وتأسيس دولة إسلامية بديلة عن الدولة العثمانية التي تعيش مرحلة الضعف والانحطاط.

بايع محمد بن عبد الوهاب الأميرَ النجدي محمد بن سعود على السمع والطاعة مقابل نشر مذهبه “السلفي” إذا استتب له الأمر. فشن التحالف حروبا على خصومه في عدة مناطق (الشام، مكة، المدينة المنورة، كربلاء مناطق في العراق…)، هذه الحروب أدت إلى مقتل عدد كبير من المسلمين، بالمقابل رأى فيها الوهابيون حركة “مباركة” لإقامة دولة “التوحيد” والعقيدة الصحيحة وتطهيرا لأمة الإسلام من “الشرك” والبدع على نهج السلف الصالح.

أسفر هذا التحالف في النهاية بعد كر وفر إلى تأسيس الدولة السعودية القائمة على ثنائية: الحكم بيد آل سعود (ملكية عشائرية) ثم المنهج الوهابي كمذهب رسمي للدولة، والذي سيتم تصديره إلى البلدان الأخرى اعتمادا على المليارات المهمة التي ضخها اكتشاف البترول في الجزيرة العربية.

ورأينا إدراج هذه الحركة، رغم افتقارها إلى أسس المشروع المجتمعي، لما أصبح لها من ثقل ودور في التحولات الإسلامية خاصة بعد حمل قسم مهم منها للسلاح بأسماء مختلفة من أشهرها تنظيم “القاعدة”، ودخول القسم الآخر بعد هبات الربيع العربي إلى المعترك الحزبي والسياسي بعد أن اعتزله زمانا، بل بدَّعه.

– الحركة الإسلامية/الفكر الإخواني: أرجع معظم الدارسين لهذه الحركة تأسيسها إلى لحظة سقوط الدولة العثمانية خلال العقد الثاني من القرن العشرين، وهي الدولة التي كانت بمثابة الشوكة التي حمت بيضة الإسلام، وما نتج عن ذلك من استباحة الاستعمار الغربي لمعظم البلاد الإسلامية والمحاولات اليهودية السيطرة على فلسطين.

ويمكن القول أن الإمام حسن البنا هو ملهم ومؤسس هذه الحركة، إضافة إلى تعبيرات أخرى مثل حركة رجال الدعوة والتبليغ التي أسسها الشيخ محمد إلياس الكاندهلوي، والشيخ بديع الزمان سعيد النورسي أب الحركة الإسلامية في تركيا، وأبو الأعلى المودودي في باكستان والهند… لكن تبقى مدرسة “الإخوان المسلمين” في مصر التي أسسها المجدد حسن البنا سنة 1928م، والمدارس التي انبثقت عنها أو تأثرت بها، متميزة عن الحركات السابقة والتعبيرات السالفة بمحاولة صياغة مفهوم شامل للإسلام من أجل تجاوز التصورات التي تقتصر على جانب من الدين دون جوانب الأخرى (الصوفية التي تركز على البعد الروحي، السلفية التي تركز على العبادات،…)، كما تميزت بإعادة بناء العلاقة بين الدين والسياسة باعتبار هذه الأخيرة جزء من الأول، بعد “فصام نكد” كما عبر بذلك شهيد الإخوان سيد قطب.

طالع أيضا  مستقبل العالم الإسلامي في ظل التحولات الدولية الراهنة موضوعاً لندوة دولية

بعد تجربة الإخوان المسلمين، التي تحولت إلى تنظيم عالمي انضوت تحت لوائه عدة تعبيرات محلية في عدة أقطار عربية وإسلامية، تبلورت عدة مدراس أخرى للحركة الإسلامية تبدو من بينها مدرسة المنهاج النبوي للإمام عبد السلام ياسين بارزة من خلال فقهها التجديدي الذي لامس كل مناحي الحياة الإنسانية وأعاد قراءة التاريخ الإسلامي وواقع الأمة وأسس لمشروع الخلافة الثانية بمنظار قرآني نبوي.

هذا التصور الشامل جعل تعبيرات هذه الحركة تحوله إلى مشاريع مجتمعية جاعلة من الوصول إلى السلطة إحدى الوسائل لتحقيق هذه المشاريع، غير أن هذه الرغبة اصطدمت بعراقيل داخلية وخارجية، قبل وأثناء الربيع العربي، هذه العراقيل مرتبطة بالاضطهاد التي تعرض له معظم فصائلها سواء المنتمية لمدرسة الإخوان (حماس في فلسطين، الإخوان في مصر، جبهة الإنقاذ في الجزائر، النهضة في تونس…) أو المنتمية لمدرسة المنهاج النبوي التي تجسدها العدل والإحسان في المغرب، إما من طرف أنظمة مخالفة لها أيديولوجيا أو متخوفة من تهديدها لمستقبلها، كل ذلك بدعم أنظمة إقليمية ودولية تحاول رصد وضبط انتشار هذه الحركات.

بعد هذه اللمحة عن المشاريع السياسية التي اختارت الحل من داخل البيت الإسلامي والتي أسميناها أصيلة، سنعرض في الحلقة المقبلة بسطا للمشاريع التي أطلقنا عليها مستوردة، والتي ارتمت في أحضان ثقافة “الآخر” اقتفاء لأثره للخروج من قوقعة التخلف، على أن نختم هذه المقالة بطرح سؤال المصداقية على معظم هذه المشاريع في ضوء مواقفها من الربيع العربي في الحلقة الأخيرة بإذن الله.