عام مضى على رحيل الرجل الفذ، والمرشد المربي، والرائد المجدد، الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله.

عام مضى منذ التحاق الإمام بالرفيق الأعلى، بعد سيرة ناصعة وضيئة، ومسيرة جهادية لاحبة، ومسار دعوي حافل، وصفحات حافلة مشرقة، وشهادة على النفس وعلى الناس، عامَّتِهم وخاصتهم، وعلى الأمة وعلى الإنسانية جمعاء… شهادة أداها بإخلاص وتفان ونكران ذات، ولقي بها من لأواء الطريق ومشاقه وعقابيله ما لقي، فواجه كل ذلك متشحا بوشاح الشجاعة في الحق لا تتذبذب، متسلحا باليقين فيما عند الله تعالى لا يتطرق إليه شك، ملتحفا بصبر جميل يذكر بصبر أهل الله السابقين بإيمان وإحسان، ورضى بما كتبه المولى سبحانه وتسليم، مبتسما في وجه عواصف المحنة العاتية ابتسامة العارفين الكمّل.

عام أول مضى، وذكرى أولى نحييها، لا مجرد محطة لتعزية النفس بعد فراق حبيب آلم فراقه القلوب، أو تذكر لرجل كان بالأمس بيننا حيا يرزق، وهو اليوم بين يدي ربه في الحياة الحقيقية الأبدية، فليس هذا الإمام العظيم ممن يسهل أو يجمل المرور أمام نموذجه الحي الذي طبع به تاريخ هذه البلاد المحدودة بهذه الحدود، وتاريخ هذه الأمة الوسط بين الأمم، دون أن يفرض التوقف عنده، بل الجلوس أمام عتباته لاستلهام ما تَمَثَّله من معاني الزهد في الدنيا وفي الجاه والمنصب، والتعلق بالله وبالدار الآخرة، وما مثّله من روح الصمود في وجه الظلم والبغي والفساد والاستبداد، وما لقنه للأجيال من دروس العزة بالله ورسوله، ثباتا على الحق، ووفاء بالعهد، وتعاليا على حظوظ النفس.

لم يكن الإمام رحمه الله، ولن يكون أبدا، مِلكا خاصا بالجماعة التي زرع بذورها بيديه، وسقاها بروحه ومهجته، وتعهدها تحت عينيه، في هذا الزمان وفي هذا المكان. ولم يكن، ولن يكون أبدا، رمزا محدودا لتيار بذاته، أو زعيم فريق من الناس بعينه. لقد كان، من أول يوم خرج فيه إلى الناس بمشروعه التغييري وسيظل دائما، ملكا لكل صاحب حق متشبث به في هذا البلد، ورمزا لكل مترفع على حظوظ الدنيا في هذه الأمة المحمدية، ومثالا رائدا للمستضعفين الموعودين بالوراثة على هذه الأرض.

إن إحياء الذكرى الأولى لرحيل الإمام المرشد، رحمه الله، فرصة سانحة لمدارسة وتأمل ما يحْضُر به بيننا بقوة شخصه وروحه وما أورثَنا وأورث هذه الأجيال المتعاقبة من تراث فقهه الجامع لما تفرق من شأن الأمة، والذي آمن به، وتَمَثَّله في فكره وسلوكه، ودعا إليه بحاله ولسانه وقلمه وحركته.