أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع الأمين العام لجماعة العدل والإحسان الأستاذ محمد عبادي، بمناسبة الذكرى الأولى لرحيل الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله حول الإمام والجماعة.

وقد خُصص الحوار الأول، والذي يتبع بخمسة حوارات أجريت مع قيادات الجماعة، للحديث عن الإمام وعلاقته بالجماعة؛ كيف بدأ منفردا ثم أصبح جماعة تسر الناظرين؟ وكيف عاشت الجماعة هذا العام بعد أن رحل عنها جسده دون أن تغادرها روحه ومشروعه؟ كيف كانت مكانتها في قلبه وفكره؟ وما وصاياه لها؟ كما تطرق الحوار للعديد من الخصال والخلال التي تميز بها الإمام، وقضايا أخرى تجدونها بين ثنايا الحوار.

فإلى نص الحوار:

مر عام كامل على انتقال الإمام والمربي والمؤسس والمنظر الأستاذ عبد السلام ياسين إلى عفو الله ورحمته، كيف عاشت الجماعة هذا الحدث؟

كان الإمام رحمه الله يهيئ الإخوان لهذا المصاب الجلل بكثرة حديثه عن الموت وما بعده، وبتشويقهم إلى لقاء الله وباعتباره الموت بمثابة من انتقل من غرفة إلى أخرى، وكان يكرر على مسامعهم في لقاءاته، وكتب ذلك في وصيته، بأن البرزخ وإن حجب تواصل الأشباح فإنه لا يحجب الصلة بين أرواح المتحابين في الله، لذلك لم يحدث أي ارتباك -والحمد لله- في صفوف الجماعة، بل استقبل الإخوان حدث الموت بالصبر الجميل والرضى بقضاء الله وقدره وتجلى ذلك في السكينة التي خيمت على مشهد الجنازة الرهيب الذي شارك فيه معظم أطياف المجتمع المغربي ووفود من أقطار أخرى.

فكيف مرت هذه السنة؟

مرت كبقية السنوات الخالية، فلم يلاحظ أي تغيير في سير الجماعة وفي أنشطتها والإخوان ما زالوا يستشعرون في مجالسهم كأن الإمام المجدد حاضر بين ظهرانيهم، فالنفحات والرحمات والسكينة التي كانت تغشى مجالسنا في حضرته لازالت هي هي.

هل يمكن أن نقول أن عزاء العدل والإحسان في ما تركه الإمام من جماعة وتصور ورجال؟

يمكن أن نتحدث عن بعض العزاء وليس كل العزاء، إذ الفراغ الهائل الذي تركه لا يمكن أن يسده أي واحد منا على انفراد ولكن تماسكنا ووحدة صفنا والسعي الحثيث لمواصلة مشروع العدل والإحسان قد يسد النقص ويملأ الفراغ إن شاء الله تعالى.

ماذا كانت تمثل الجماعة بالنسبة للإمام رحمه الله؟

كانت الجماعة ثمرة فؤاده وحبيبة قلبه أحاطها بالرعاية والتوجيه والعطف والحنان، يفرح كل الفرح إن وصله خبر بأن أخا أو أختا في الجماعة قد حفظ القرآن أو أنجز مشروعا دعويا أو وقف موقفا شجاعا يجابه الظلم والطغيان. كيف لا يسكن حب الجماعة قلبه وهي من صنع يديه وقد علق عليها الآمال بعد الله تعالى في إنجاز مشروع العدل والإحسان. ألم يقل في كتاب الإحسان أنه سيكون أسعد الناس إن وجد في صحيفته غدا يوم القيامة ثلة من المحسنين قال لهم: من هنا الطريق فلبوا النداء.

ما هي الثوابت التي كان ينصح ألا تحيد عنها العدل والإحسان؟

كان في كل لقاء رحمه الله يوصي الإخوان والأخوات بأن يكون كل واحد منهم مدرسة قرآنية متنقلة عبر الأجيال والأزمان والأمكنة. وكان يذكر بالمواعيد التي تلتقي فيها الأرواح لتتعرض لنفحات الله ومن بينها مجالس النصيحة ودعاء الرابطة وقيام الليل… وكان يحذر من عقوق الوالدين ويأمر بالمبالغة في الإحسان إليهم، وكان يأمر كذلك المتزوجين بالإحسان إلى أزواجهم وينصح المتزوجات بالصبر مع أزواجهم. أما التحريض على الذكر والإكثار منه فكان لازمة عنده في كل لقاء، وكان يحرص كل الحرص على أن تكون العلاقة بين المومنين قائمة على الصفاء والمحبة والتراحم والتكارم. هذه بعض التوجيهات الثابتة الني كانت تتكرر في معظم المجالس وقد أتت -والحمد لله- أكلها في حياته وبعد مماته إن شاء الله تعالى.

المعروف أن الإمام بدأ مساره الدعوي بمفرده فصار جماعة تضم الآلاف بحمد الله. كيف كان قيامه بأمر الدعوة وجديته فيها وصبره وتحمله لمشاقها وتبعاتها؟

تعرض الحبيب المرشد في مساره الدعوي لابتلاءات متعددة وأذى بالغ في نفسه وعرضه وعقيدته، ابتدأت هذه المحن مع رسالته الشهيرة “الإسلام أو الطوفان” التي كادت أن تفضي به إلى الإعدام لولا حفظ الله ولطفه، فأودع في مستشفى أمراض السل ثم مستشفى المجانين لإيهام الناس أن هذا الرجل فقد عقله، وقضى بين جدرانيهما أكثر من ثلاث سنوات. وبمجرد خروجه ولج بيت الله ليدل الناس على الله، وبعد منعه فتح بيته للدعوة إلى الله، ثم حكم عليه بسنتين سجنا قضاهما في سجن لعلو في أسوإ الظروف، ثم حصر في بيته عشر سنوات، واستؤجرت أقلام بعض الإعلاميين وديدان القراء لتشويه سمعته وتنفير الناس من دعوته، وعُرضت عليه إغراءات وتعرض لمساومات، فما وهن وما ضعف وما استكان، بل ظل كالجبل الشامخ يصدع بالحق ويدفع الباطل، ويؤلف طليعة جند الله لتتسلم المشعل من بعده فجزاه الله عنا وعن الإسلام أفضل الجزاء.

عُرف الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله بتعدد جوانب شخصيته، ما هي أهم هذه الجوانب؟ وكيف استطاع الجمع بينها؟

أهم ما يميز شخصيته هو كونه ربانيا مربيا عالما مجاهدا مفكرا منظرا مثقفا، مؤسسا لجماعة تحمل مشروع العدل والإحسان، خبيرا بأدواء النفوس والأمم وعلاجها، محللا لوقائع التاريخ سابرا لأغوارها، ملما بعدد من اللغات، مطلعا على الفلسفات والإديولوجيات، متتبعا لمجريات الأمور داخليا وخارجيا. ولائحة مميزات شخصيته طويلة. أما كيف استطاع الجمع بينها فلا يمكن تفسيره إلا بعزوه إلى فضل الله ورحمته “والله يختص برحمته من يشاء”.

ما حظ الكسب في شخصيته وما حظ الهبة الربانية؟

حظ الكسب لا يخرج عن دائرة الوهب فالكسب وهب كذلك. قل كل من عند الله، “أعطاك ونسب إليك”.

هل لك أن تقربنا من بعض خصاله كرِفقه وعفة لسانه وتجاوزه لأذى الخصوم؟

من صفات العارفين بالله أن يستوي عندهم المدح والذم والإمام رحمه الله كان كذلك يتصدق بعرضه على الناس يعفو عمن ظلمه وآذاه ويوصي إخوانه بأن يحذو حذوه، فأول لقاء جمعه مع من قضوا في السجن ثمانية عشر عاما ظلما وعدوانا طلب منهم أن يعفوا ويصفحوا عمن ظلمهم، وأبلغ أن أحد “العلماء” رحمه الله سماه الخبيث فقال إني أتصدق عليه بها، ورفقه تعدى من الإنسان إلى الكائنات الحية وإلى النباتات، فقد رأى ذات يوم حشرة في البيت فأخذها بلطف في ورقة ووضعها في حديقة الدار لتكون في أمن أن تدوسها الأحذية.

تحدث لنا عن حسن تواصله مع الناس على اختلاف مستوياتهم؟

كان رحمه الله ينزل الناس منازلهم. يستقبل الكل بوجه باش ويبالغ في الترحيب والإكرام، وإذا تحدث إليه جليسه يصغي إليه بكل اهتمام، يستفسر دائما زواره عن أحوالهم وأحوال ذويهم قبل الخوض في مواضيع أخرى، يوزع نظراته على كل الحاضرين. زاره مرة مجموعة من التلاميذ ونحن معه، أعني مجلس الإرشاد، في جلسة عمل فبدأ يسألهم واحدا تلو الآخر، فلما خرجوا قال لنا: “إني أسألهم لأتعلم منهم”. يلاعب الصبيان من أحفاده ويتصابى معهم ويعلمهم الآداب بأسلوب حواري شيق يستهوي أفئدتهم أو في قالب قصصي أو إنشادي. كان يباسط جلساءه ويمازحهم أحيانا حتى تزول الكلفة ويقع الأنس. فكان إنسانا بكل ما تحمله الكلمة من الكرامة الآدمية.

في تاريخ الأمة رجال كان لهم أثر كبير على توجيه مسارها؛ ما مدى أثر الإمام في مسار نهضة الأمة؟

سيكون لمدرسة الإمام إن شاء الله تعالى أثر بالغ ومساهمة فعالة في النهوض بالأمة والدفع بها إلى استرجاع عزتها وسيادتها، بما بثه من روح إيمانية جديدة في قلوب إخوانه وبما سطره من نظرية شمولية ترسم طريق الخلاص الفردي والجماعي، مستوحاة ومتساوقة مع ما قام به النبي صلى الله عليه وسلم من خطوات لتوطيد أركان الإسلام. وهذا الإشعاع بدأت تباشيره تظهر في الأفق من خلال مؤتمر تركيا ومن خلال ما يصرح به قادات الدعوة الإسلامية ممن كتب لهم أن يطلعوا على تراث الإمام من ثناء عطر على المدرسة وتشوف للاستفادة منها وتبني بعض أفكارها.

على الرغم من حجم شخصية الإمام ومن العمق والقوة والجدة التي يتميز بها مشروعه التغييري، هناك انطباع عام بأنه لم ينل من الاهتمام الإعلامي ومن النخب الفكرية ما يستحقه، ما السبب في ذلك؟

السبب هو الحصار المضروب على شخصه الكريم وعلى فكره وجماعته أثناء حياته وحتى بعد وفاته، فما طبع من كتبه خارج أسوار المغرب استخرج من بين فرث ودم وبعد التي واللُتَيَّا، أضف إلى ذلك ما تعرض ويتعرض له هذا الفكر من تشويه وتزييف، ولكن الشمس لا يمكن أن تغطى بالغربال، وإذا ظهرت الشمس تبدد الظلام، وما ذلك اليوم على الله ببعيد.