السؤال

هل يمكن أن تتحرك المنظومة التربوية في الاتجاه الصحيح في دولة متخلفة بمعيار مؤشرات الفساد الذي ينخر الحياة السياسية والمجتمعية؟ وهل يمكن أن تكون هذه المنظومة رافعة أساسية للنهضة ضد هذا التخلف؟

إن الفشل الذريع الذي عرفته كل محاولات إصلاح منظومة التربية والتعليم في المغرب، والذي أقر به الخطاب الرسمي في أكثر من مناسبة، مع الوعي بخطورته على الإنسان والمجتمع في الحاضر والمستقبل، يجعل وجودنا على الهاوية على الرغم من كل شكليات التقدم الذي يُسوِّق لها الرسميون، ذلك أن التقدم الحقيقي تعكسه مؤشرات حقيقية على تحسن الأوضاع النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية لدى المواطن بما يضمن له المستقبل؛ مستقبل الأمن والاستقرار والاطمئنان، خاصة فئة الشباب التي تشكل قاعدة الهرم الاجتماعي.

التخلف والتعليم

تُقدم لنا تجارب الأمم أن حركة منظومة التربية والتعليم يمكنها أن تخترق واقع التخلف وتصبح أداة التنمية الحقيقية، لكن لذلك شروط حاسمة تدور كلها على الإرادة السياسية المتأسسة على توفير مناخ الحرية الضامن للمشاركة العامة الواعية، ذلك أننا لم نعثر على تعليم ناجح داخل دولة متخلفة فضلا عن سيادة التبذير المالي ومافيا الربح ولا شيء غير الربح المادي. وهو ما يعني أن المدخل لنجاح حركة منظومة التربية والتعليم مرتبط بالقطع مع التخلف ومصادره، لأن فشل المنظومة هو الوجه الآخر لواقع التخلف مهما صُرفت من موارد بشرية ومادية ومالية، بل كلما تعقد الوضع السياسي وهيمنت عليه السلبية والغموض كلما تقهقر واقع التربية والتعليم إلى حد الانهيار.

فكيف تكون حركة هذه المنظومة مساهمة في دفع التخلف؟

التعليم والتحرير

في مقالنا المنشور على شبكة الأنترنيت تحت عنوان “عوامل فشل إصلاح التعليم في المغرب، نحو مدخل حقيقي للإنقاذ” ميزنا بين العامل والسبب في فشل الإصلاحات المتتالية، لأن الأسباب، في هذه الحالة، مختلفة من مرحلة إلى أخرى، لكن العوامل راسخة، إذ دون الوقوف عليها يبقى اشتغالنا بالأسباب وانشغالنا بها دوران في الحلقة المفرغة على حافة الهاوية السحيقة.

فالعوامل العاملة في صيرورة الفشل ملخصة في ثلاثة:

الأول: أن هم المنظومة ترسيخ قواعد الاستبداد المطلق، ومعلوم أنه مصدر الفساد المطلق، إذ كل مداخل ومخارج حركتها خادمة لهذه المعضلة العقبة.

الثاني: ترسيخ واقع التبعية للغرب، ومعلوم أن منظومة لا تتحرك في اتجاه التحرر ولا في واقع الحرية إنما هي أداة لتكريس الواقع المعيش وتثبيت أركانه حتى نبقى لقمة سائغة لغيرنا يفعل ما يشاء متى شاء وكيف شاء.

الثالث: أن النخبة القائدة لعملية الإصلاح تشتغل عند ترتيب مضامين المنظومة ومناهجها على وهم خطير، في بناء المواقف النفسية والمجتمعية للمتعلم، يتجلى في بناء صراع غير واقعي وغير حقيقي بين مفهوم التقليد ومفهوم الحداثة، إذ بحضور هذا الوهم عبر تاريخ منظومة التربية والتعليم جعلها غير منسجمة لا مع الواقع الذي تتحرك فيه ولا مع المستقبل الذي يتحرك في اتجاهه المجتمع، وبهذا نرسخ واقع الانهيار الشامل لهذه المنظومة، لأن استدعاء هذا الصراع الوهمي لم يسمح بتكريس المفاهيم الحداثية كما هي في التجربة الغربية، ولا بتكريس المفاهيم التقليدية على صورتها الأصلية، مما نُتج عنه صياغة واقع مرتبك جدا في تحديد المضمون القيمي والحركي البنائي للمنظومة؛ أي سيادة الغموض الفظيع على غايات ومقاصد أهم أداة في حياة المجتمعات والأمم؛ التربية والتعليم.

ومن هنا يجوز الربط عندنا بين التخلف وبين التعليم من جهة، وبين التحرير والتعليم من جهة أخرى لتظهر لنا طبيعة المعادلة الحقيقية المؤسسة للإصلاح الحقيقي والمصيري لواقعنا التربوي التعليمي؛ معادلة ترسم نوع التحرك المرحلي للخروج من مساق الانهيار الشامل لهذه المنظومة، وهو العنوان الأبرز للانهيار السياسي والمجتمعي الشامل الذي يتهددنا بوضوح، كما ترسم نوع التحرك الاستراتيجي لإنجاز واقع الاستقرار على قواعد الحرية الكاملة؛ إذ لا تربية شاملة ولا تعليم جامع دون الاستقرار الكامل.

أهم عناصر استراتيجية إصلاح منظومة التربية والتعليم

العنصر الأول: نقل قضية التربية والتعليم من الاحتضان الرسمي إلى لاحتضان الشعبي

فالواقع الذي عليه منظومة التربية والتعليم لا يقبل مجرد النوايا الحسنة في الإصلاح، بل يتجاوز ذلك إلى الاعتراف بأن القيادة التقليدية لحركة المنظومة عبر تاريخها لم تفلح في الإصلاح ولا في الحفاظ على العناصر الإيجابية القليلة فيها، مما ضيع فرصا حقيقية للخروج من النفق.

ومن ثمت فتشكيل اللجان الرسمية بالطريقة السائدة لم يعد ذي جدوى بقدر ما هو تكريس للواقع المعيش وإصرار على هدر المال العام، لذلك يقتضي الأمر نقل قضية التربية والتعليم من الاحتضان الرسمي إلى الاحتضان الشعبي من خلال عملية سياسية ومجتمعية واعية لا معنى للبرلمانات الشكلية فيها كما أصبح اللامعنى للجان الرسمية.

وهنا يجب التأكيد على أن النقابات كثيرا ما فوتت الفرص الضاغطة لانتزاع مواقع مفيدة للمشاركة الحقيقية للفئات المعنية أساسا بالقضية.

ومن دلالات هذا العنصر الاستراتيجي أن قضية التربية والتعليم لا تكون فيها الدولة وأجهزتها إلا أداة تدبير وتنظيم يومي في حين تكون الصياغة الكبرى للمنظومة من وظيفة الأمة عبر مؤسساتها المجتمعية الحقيقية.

إننا تخوض معركة الإصلاح في غير مكانها المناسب، وبغير أداتها الأصلية.

العنصر الثاني: وضوح المرجعية الإسلامية في بناء المنظومة

إن نقل قضية التربية والتعليم إلى الاحتضان الشعبي يعني أن صياغتها وتطويرها يجب أن يتم بناء على وحدة المرجعية ووضوحها تفاديا لواقع الارتباك والغموض الذي هيمن عليها طيلة حياتها فيما بعد خروج الاستعمار.

ولا شك أن هذه قضية معقدة للغاية خاصة أن هيمنة النخبة المغربة على الإدارة والدولة شكل انفصالا في الحركة العامة للشعب المغربي؛ إذ أن اتجاه النخبة ليس هو اتجاه حركة المجتمع في حقيقة الأمر، ولذلك هناك تعارض جوهري بين إرادة النخبة والدولة وبين إرادة المجتمع، خاصة مع بروز تيارات الحركة الإسلامية في الحياة السياسية والمجتمعية على الرغم من تحالف النخبة مع النظام السياسي لتأصيل مشروع مجتمعي مبني على معاني الديمقراطية والحداثة بطريقة مشوهة.

إن الحرص على الحفاظ على هذا التعارض منعكسا من خلال منظومة التربية والتعليم إصرار على جعل هذه الأخيرة في دائرة التوظيف السياسوي، ولذلك لا نستغرب أن تكون لكل وزير استراتيجيته ضمن الخدمة العامة في المرحلة للتوجيه السياسي الرسمي ذي البعد الأمني.

وما ينبغي التنبيه إليه أن اعتماد المرجعية الإسلامية المتجددة في بناء منظومة التربية والتعليم لا يعني تجاهل الواقع التنوعي للمناطق وما تزخر به الحياة المغربية من ثقافات متعددة، إلا أن الجامع هو الإسلام بما أن الشعب اختاره طوعا لا كرها.

وإذا كان هناك من يرغب في غير منظومة إسلامية المعنى والمبنى فليعرض على وضوح مشروعه أمام الأمة لا عبر كواليس السياسية والتوافقات، ذلك أن قضية التربية والتعليم لا تقبل التوافق السياسي لأنها عمق استراتيجي مصيري للأمة من حيث معنى وجودها وقوتها.

العنصر الثالث: الميثاق المرجعي

وحدة المرجعية ليست كلاما نظريا ولا خطابا فئويا يبحث عن التموقع في سوق السياسة والحراك المجتمعي بقدر ما هي أداة مصيرية تعني مستقبل الأجيال.

ولذلك لا بد من سيادة الروح الميثاقية عند التصدي لقضية التربية والتعليم، علما أن هناك فرقا جوهريا بين الروح الميثاقية والروح التوافقية السياسية، فهذه الأخيرة تشتغل على تمريض مرحلة زمنية محددة للخروج من الأزمة في شقها السياسي، أما الروح الميثاقية فهي أداة مجتمعية كلية تتحرك وفق إرادة الشعب بناء على اختياره المرجعي يكون هدفها المباشر فرض واقع الحرية الحقيقي. وهو ما يعني أننا في حاجة إلى بناء ميثاق مرجعي ينظم كليات العلاقات وفق إرادة الشعب وعلى مرأى ومسمع منه تكون قضية التربية والتعليم من أهم محاوره ثم بعد ذلك تأتي الإجراءات التنفيذية من خلال المؤسسات المعنية مع القطع مع كل امتدادات الاستبداد والفساد في الحركة الجديدة للمنظومة.

العنصر الرابع: توظيف الخبرة المحلية

حينما يصاغ الميثاق المرجعي الجامع مستندا إلى الخبرة المحلية المبعثرة اليوم بسبب المنطق التوافقي السياسوي سنكون أمام مرحلة تقطع مع عقلية استيراد الخبير الخارجي الذي كان مستعمرا للأرض في القريب من التاريخ، لأن القول بالعجز الداخلي عن حل معضلة التربية والتعليم ومن ثمت حتمية استيراد عامل خارجي للحل ، إنما هو إقرار رسمي بالفشل من طرف الجهات القابضة على حركة المنظومة لقبضتها الحديدية على حركة المجتمع، وهو ما يعني أن فشلها هذا لا يقتضي تسليم القضية للخارج سواء من جهة الخبرة أو التمويل، بل عليها بعد إقرار الفشل أن تسلم القضية للأمة التي لا تعوزها الخبرة والمال بقدر ما يعوقها الاستبداد والفساد الممسك بتلابيب كل شيء حتى فقدت الأمة الثقة في كل شيء.

فكل المؤشرات تدلل على أننا نمتلك خبرة هائلة في الباب تمكننا من السير إلى المصير أحرارا لا عبيدا. لكن أي سياق سيجمع هذه الخبرة المبعثرة اليوم؟

إنه سياق الثقة، ولا ثقة من دون حرية، ولا حرية من دون القطع مع الاستبداد والتبعية، ودون هذا القطع امتلاك الشعب زمام المبادرة، أي إخراج حركة منظومة التربية والتعليم من كواليس السياسة إلى سياق حركة المجتمع عبر قوته المجتمعية التي يكون فيها السياسي مستمعا لنبضات ونداءات الأمة لا إلى نزوته ونزعته تجاه الحكم والكرسي في أسوأ الأحوال وفي أحسنها غيرة تستند إلى غموض شديد في الغاية والهدف.

وختاما لا مستقبل مضيئا لمنظومتنا التربوية التعليمية إلا عبر عملية مجتمعية سياسية واضحة تدار مراحلها عبر ميثاق جامع واضح المبنى والمعنى، ودون ذلك ضياع للجهد وصناعة للخراب وتأبيد للاستبداد والفساد.