إن مشروع الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله مشروع تجديدي غايته الإنسان؛ يروم تجديد إيمانه ومختلف مناحي حياته. وحتى يشمل الدين مناحي حياة الإنسان كان لا بد من الاجتهاد. وهذا الأخير بحاجة اليوم أيضا إلى تجديد نظر حتى لا يؤول إلى جمود وانحسار كما هو الشأن عند كثيرين.

إن الاجتهاد خير دليل على مرونة الشريعة وسعتها ومناسبتها لكل الأزمان والأمكنة وقدرتها على حل مشكلات الإنسان أيا كان نوعها، كما أنه دليل على حرية الفكر، بل وجوبها. فكيف نظر الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله إلى الاجتهاد؟ وما هي مكانة الاجتهاد عنده؟ وكيف يقرأ تراث المجتهدين؟ وما هو الاجتهاد المطلوب اليوم؟

1- الاجتهاد مطلب إنساني

تحدث العلماء والمفكرون عن ضرورة الاجتهاد وأجمعوا كلهم على أن الحياة المعاصرة، بما تتطلبه من أحكام لقضايا مستجدة، تفرض وجود مجتهدين. لكن الإمام ياسين رحمه الله يرى إضافة إلى ذلك أن عزم العاملين للإسلام على الحكم لا يكفي معه القول إن الإسلام هو الحل لمشكلات الإنسان، بل يجب أن نعرض تصورنا للحكم الإسلامي، والاقتصاد الإسلامي، والحل الإسلامي لمشكلات المجتمعات المسلمة في إطار الشريعة، وفي أفق المستقبل، وعلى نطاق الإنسانية جمعاء) 1 .

وما يلفت إليه رحمه الله انتباهنا هو أن الاجتهاد ليس شأنا خاصا بمشكلات المجتمعات المسلمة فقط، وإنما هو ممتد إلى الإنسانية جمعاء، لكونها هي المستهدفة من رسالة الإسلام ودعوته. إن هذه الإنسانية في أمس الحاجة إلى معرفة أحكام الإسلام ومقاصده في كثير من المجالات حتى تتخذه شريعة لها وحتى يخرجها من براثن الشرائع الظالمة.

وهكذا يجمل الأستاذ المجدد رحمه الله هدف الاجتهاد في:

الأول: مسؤوليتنا عن إعادة شرع الله لعزته، لتسود كلمة الله العالم.

الثاني: صياغة بديل إسلامي حتى لا تلجأ الأمة إلى البحث عن بدائل أخرى لا تنسجم مع روح الدين ومقاصده.

2- تراث المجتهدين مفخرة لعبقريتنا… ولكن!

لا يمكن بناء نظرية للاجتهاد المعاصر دون دراسة تاريخ الاجتهاد وفحص تراث المجتهدين. وهذه خطوة أولى عند الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله نجدها في كتابه نظرات في الفقه والتاريخ الذي صدر بداية التسعينات، حيث يؤكد أن الاجتهاد تأثر تأثرا كبيرا بالتحولات السياسية التي عرفها تاريخ المسلمين، وأن التفكير بشروط تلك العصور لن ينتج إلا الجمود ولو سمي ذلك اجتهادا!

نعم، في عهد النبوة وعهد الخلافة الراشدة حيث اجتمعت الدعوة والدولة في أياد أمينة، والدعوة محمية من قبل الدولة، ازدهر الاجتهاد الذي كان جماعيا، وخلف أصولا استطاع اللاحقون تطويرها والبناء عليها. وكانت للصحابة رضي الله عنهم معالم واضحة في ذلك، لا يشوبها تعقيد، تستقي من معين الوحي مباشرة، معتمدة في ذلك على صحبتها وتتلمذها على يد سيد الأنام محمد عليه الصلاة والسلام. لقد كان اجتهادهم شاملا لجميع المجالات، حتى إننا نستطيع أن نخلص بذلك إلى تصور عام عن نظام مجتمع الخلافة الراشدة. ولم يكن الاجتهاد مقصودا لذاته، وإنما كان من أجل العمل وبيان رأي الإسلام فيما يعرض للمسلمين من قضايا، ولا يجتهدون إلا في القضايا التي تقع. لكن بفصل الدولة عن الدعوة، واضطهاد الأولى للثانية، عرف الاجتهاد تحولا خطيرا كان بداية لسلسلة من الأزمات.

يقف المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله في جل كتبه وكلامه عند هذه النقطة، نقطة تحول الخلافة إلى ملك، أو الانكسار التاريخي، لما نتج عنه من فصل الدعوة عن الدولة، وغياب الشورى وحلول الاستبداد، وظهور طوائف وعصبيات ومذاهب… وهذا التحول تأثرت به حياة المسلمين كما تضرر به فكرهم واجتهادهم.

وهكذا اتخذ الاجتهاد وجهة مغايرة لما كان عليه الأمر من قبل، وبتنا نفتقر إلى تلك المعالم الواضحة التي كان يسير عليها اجتهاد الصحابة والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وكان لتدخل مؤسسة الحكم النصيب الأوفر في ذلك، فلم نعد نرى إلا اجتهاد الفرد، ولا ينظر إلا في قضايا فرعية مكررة، على حساب قضايا الأمة الكبرى. يقول رحمه الله مثلا: نقارن بين البحار الزاخرة من فقه الفروع التي كانت ضرورية ومسموحا بها، وبين المقالة في حقوق الله وحقوق الأمة في الشورى والعدل، فنجد هذه نزرا يسيرا خجولة ساكتة عن كثير من الحق، ناطقة ببعض الباطل كالفتوى بإمامة المستولي بالسيف) 2 .

وهذا لا يعني أن الأستاذ المجدد يحتقر ما خلفه العلماء من اجتهاد، كلا! إنه رحمه الله يمجد تراث المجتهدين بمختلف مجالاته، ويعتبره مفخرة لعبقريتنا، ولكن يؤكد أنه لا ينبغي أن يحجب عنا بتلافيفه وكثافة خلافاته تلك البساطة التي نشأ عليها الإسلام، وتلك التربية التي صاغت جند الله المهاجرين والأنصار، وتلك القوة الجهادية التي اندفعوا بها لتحرير العالم. وإلا خرجنا عن البيضاء الواضحة السالكة وتهنا في المذاهب والفروع. وهنا يردنا إلى المعين الذي نستقي منه تربية الرجال وتأهيل جند الله. وهذا أيضا من الاجتهاد، بل من أولوياته اليوم.

إن مجالات الفقه المعروفة من عبادات ومعاملات أغناها علماؤنا بالبحث والتأثيل، وهي مجالات اجتهاد فروع تشكل تراثا فقهيا ضخما نحتاجه أيام الحكم والدولة حيث سيكون العمل منصبا على تدوينه وترتيبه لتجديد النظر الاجتهادي فيه؛ ذلك أنه لا يفيدنا إلا قليلا، نظرا لارتباطه بواقع يختلف كثيرا عن واقعنا المعاصر. إن علماءنا السالفين لم يعرفوا مشاكل مثل مشاكلنا المتعددة والمتنوعة، كما أن منهاجهم في الاجتهاد لا تفيدنا إلا قليلا، وذلك لأن أغلب مدارس الاجتهاد، في نظره رحمه الله، كانت تعتمد على الاستدلال التفصيلي للنوازل منفصلا بعضها عن بعض.

أما كليات الاجتهاد في التربية والتنظيم والزحف إلى الحكم فلا يمكن أن نعتمد فيها على فقه من سبقنا من السلف الصالح ما دون عهد النبوة، وما دون الاتصال المباشر بالكتاب والسنة) 3 .

3- المطلوب اجتهاد كليات

هناك ذهنيتان بخصوص الاجتهاد:

الأولى: الذهنية اللائكية، ويمثلها المائلون مع تيار الفرنجة المنحرفون فيه بحمود الفكر، ويرددون عجز المسلمين عن الاجتهاد…

الثانية: الذهنية الفروعية، ويمثلها من يتصور الاجتهاد المطلوب لإحياء الأمة اجتهادَ الفروع، وإحياء سنة السواكن وتحقيق الحكم في صلاة المسبوق.

فما هو الاجتهاد المطلوب إذن؟

إن الاجتهاد المطلوب في نظر الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله نوعان:

– الاجتهاد في كيفية تربية جند الله، وتنظيمهم، ثم في وسائل زحفهم لتسلم إمامة الأمة فالوصول إلى الحكم… إنه اجتهاد كليات. وهذا الاجتهاد، كما رأينا، لا يسعف فيه التراث الفقهي الضخم.

– الاجتهاد اللازم بعد ذلك هو الاجتهاد في تطويع الواقع المعاشي، والسلوكي، والاجتماعي، وخاصة السياسي، لمعايير الإسلام وأحكامه. وعلى هذا يبقى كل تغيير لواقع المسلمين اجتهادا لا يلزم إلا أصحابه.

من هنا، يرى الإمام المجدد رحمه الله أنه لا بد من اجتهاد في السياسة الشرعية، لأنه وحده القادر على ضمان كمال تطبيق الشريعة. والسياسة الشرعية في تعريف الفقهاء هي الاجتهاد في الأمور التي لم يرد فيها نص، اجتهاد لا يصطدم بالنصوص الموجودة. وإن عماد الاجتهاد في السياسة الشرعية هي المصلحة. وتعتبر المصالح المرسلة مجالا واسعا لها. والبحث عن المصلحة ووسائل تحقيقها يتطلب حرية.

وقد شدد الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله على الحرية والاستقلال في الاجتهاد، لكن هذه الحرية تبقى حلما إن بقي الحكم في أيد غير معترفة بأن الحكم ليس إلا لله، ومستبدة بالكلمة والقرار، غير مستعدة لإشراك أحد من علماء الأمة فيه) 4 . ويشهد التاريخ أنه لما غابت الحرية غاب الإبداع؛ ذلك أن الإبداع لا ينبت في أرض القمع والاستبداد. وأخطر أنواع الاستبداد ما كان متدثرا بدثار الدين.

وحتى لا يتكرر ما وقع في الماضي البعيد من جمود وتحجر لا بد من التحرر من تقليد لما دون الأصول العليا للاجتهاد، وهي: كتاب الله وسنة رسوله، وقياس العقل التقي المتخصص، وإجماع علماء الأمة المتحررين من ربقة الحكم الجبري. ويؤكد الإمام المجدد رحمه الله دائما أنه لا بد من اجتهاد جماعي، يجمع العلماء ذوي الاختصاصات المتعددة (العارفون والعلماء والخبراء).

في ظل هذه الشروط يجتهد العلماء في تشريع يضمن استقرارَ الحكم على قواعد النبوة والخلافة، ويضمن العدل، والشورى، وأمانةَ الحاكم، وواجبَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحقَ المسكين والضعيف، وازدهارَ الاقتصاد وتطهيرَه من الربا والاستغلال والتبذير، والتعليم، والرخاء، والتصنيع، والاستقلالَ بعلوم الصناعة، والأمنَ الغذائي، والخروجَ من التبعية لقوى الاستكبار، والتصرفَ الحكيم في المجتمع الدولي بما يؤدي لعزة الأمة) 5 ، تلك العزة التي كانت حجر الزاوية في المشروع التجديدي للإمام المجدد رحمه الله، قوامها الإنسان المؤمن الساعي إلى رضى خالقه.


[1] عبد السلام ياسين، إمامة الأمة ص 210-211.\
[2] عبد السلام ياسين، نظرات في الفقه والتاريخ ص 19.\
[3] عبد السلام ياسين، إمامة الأمة ص 212.\
[4] نفسه ص 214.\
[5] نفسه ص 230.\