عن منشورات “منار الهدى” سنة 2009 م، وعن مطبعة دار النشر المغربية / عين السبع _ الدار البيضاء، صدرت رواية “عطش الليل” لصاحبها عبد القادر الدحمني، سنعمد إلى قراءة هذه الرواية على ضوء الثنائية الضدية الضياع / النجاة لاعتبارات كثيرة أهمها أن هذه الثنائية تعتبر محور أحداث هذه الرواية، كما تشكل بؤرتها ومحرق تركيزها بامتياز. فما هي مظاهر ومعالم وصور الضياع في الرواية؟ وما هي أبعاد وأسباب هذا الضياع الذي يعتبر سمة مشتركة بين أغلب إن لم نقل كل شخصياتها؟ وماذا عن النجاة؟ هل التمست هذه الشخصيات لنفسها خلاصا مما كانت تعانيه؟ أم أنها عثرت على الخلاص عن طريق الصدفة، وبدون بحث سابق ولا رغبة أكيدة؟ ثم هل كان خلاصها خلاصا فرديا أوكان خلاصا جماعيا؟

1- بين يدي العنوان

أولت الدراسات النقدية الحديثة مسألة العناوين أهمية بالغة، لأن العنوان يعتبر تكثيفا وتلخيصا للنص، كما يعتبر دليلا عليه وسبيلا إلى ولوج عوالمه، واستنطاق المسكوت عنه فيه.

– تركيبيا: يتكون عنوان الرواية من خبر لمبتدإ محذوف تقديره هذا “عطش”، وهومضاف “الليل” مضاف إليه مجرور.

– دلاليا: العطش: عَطِشَ، يَعْطَشُ عَطَشاً: ضد روي. وعَطَّشَهُ: أظمأه.

الليل: من مغرب الشمس إلى طلوع الفجر أو إلى طلوع الشمس. ج الليالي بزيادة الياء على غير قياس.

– إيحاءات العنوان: يعتبر العنوان بمثابة الوجه الذي نتعرف به على النص. ويتخذ العنوان أهميته عندما نربطه بالنص، فتصبح له دلالات وإيحاءات تفسيرية وتعليلية لوجود العلاقة الجدلية بينه وبين هذا النص، بل هو نص واصف للنص (نص مواز paratexte) ما دام يحكي عنه بطريقة إيحائية ودلالية. إن العلاقة الوثيقة الرابطة بين العنوان والرواية تتمثل في أنه لا يمكن فهم هذا العنوان إلا بعد قراءتها، حيث يتضح لنا جليا أن الأمر يتعلق بعطش من نوع خاص، يتجاوز حدود العطش المعهود والمعروف، إنه العطش لإشباع رغبات النفس الأمارة وشهواتها التي تكاد لا تنتهي (الزنى وشرب الخمر)، أما الفضاء الزمني الذي يؤطر هذا “العطش” المتميز فهو “الليل” بكل ما يوحي به من تخف واستتار وتوار عن الأنظار، وبكل ما يوحي به أيضا من هدوء وسكينة وصمت. الليل: للعابدين المتبتلين فضاء لإخلاص العبادة لله بعيدا عن الرياء والسمعة، إنه فضاء لمناجاة الخالق البارئ المصور من له الأسماء الحسنى، فضاء لسكب دموع الندم والألم من أجل توبة صادقة نصوح، فضاء لتفجير آهات الشوق والعشق ولاستمطار شآبيب الرحمات إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا المزمل/6، ومن الليل فتهجد به نافلة لك الإسراء/79، وللعاشقين فضاء لتبادل الهمسات والنظرات واللمسات ولسكب العبرات، وللزناة والسكارى فضاء لإشباع الرغبات بعيدا عن أنظار ومسامع الرقباء والوشاة والعذال…

أسئلة كثيرة تطرح نفسها انطلاقا من هذا العنوان المثير: ما نوع العطش الذي تشعر به شخصيات الرواية؟ وما حجم هذا العطش؟ وما دلالات اقتران هذا العطش بالليل؟ وما المآلات التي آلت إليها أحوال المصابين بهذا العطش؟

2- صورة الغلاف

سيادة اللون الأسود القاتم على الغلاف، وتنبعث من الأعلى إشراقات ضوء لامعة، وفيما كُتب عنوان الرواية بلون أحمر محاط بلون أبيض “عطش الليل” كُتبَتْ مجموع المؤشرات الخاصة بالرواية بلون أبيض (منشورات/ رواية/ عبد القادر الدحمني)، وهي مؤشرات تهم جهة النشر “منار الهدى”، والتعيين الجنسي للإبداع “رواية “، واسم المؤلف “عبد القادر الدحمني”.

إن سيادة اللون الأسود توحي بعالم الرواية الغارق في الظلام، فأغلب شخصيات الرواية تعيش في عالم الضلال والغواية والانحراف والغفلة عن الله عز وجل، إنها مستسلمة تماما لوساوس الشيطان الرجيم، ولإغراءات النفس الأمارة بالسوء، ولذلك وجدت نفسها غارقة في دنيا الانحراف والفسق والفجور: الخيانة الزوجية، الخمر، ترويج المخدرات… ولكن إشراقة الأمل تبقى متألقة رغم كل شيء، الأمل يتجسد من خلال الإشراقات الضوئية التي تخترق السواد القاتم، الأمل تجسده في الرواية شخصية فاطمة المرأة المؤمنة الورعة التقية المحتسبة، التي شكلت المنارة التي أضاءت عتمات هذا العالم الذي تتقاذفه أمواج العبث والضياع واللامعنى…

3- بين البداية والنهاية

بين البداية والنهاية دلالتان: الحياة والموت، نقرأ في بداية الرواية: توقفت السيارة أمام الباب، هبت مسرعة لتطل من النافذة، رمقت الساعة بنصف استدارة، ومالت قليلا بجسدها على حافة النافذة، وبقلب يرفرف أشارت إليه، وعادت مسرعة، أطفأت الفرن، ثم فتحت الباب… أخذته بالأحضان، كان بإمكانها أن ترى فرحا عارما يطل من عينيه…) ص 7، حيث يكفي أن نتأمل عبارات مثل: هبت، مالت، يرفرف، عادت مسرعة، أخذته بالأحضان… للوقوف على معاني القوة والنشاط والسعادة والإقبال على الحياة التي كانت أهم السمات المميزة لشخصية فاطمة.

وفي النهاية نقرأ: أغمضت عينيها، وابتسمت، ورفعت سبابتها، ونطقت بكل ثقة وثبات: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله). وهي نهاية تدل على “الموت”، وإذا علمنا أن ضمير المؤنث الغائب المفرد يعود على فاطمة، أدركنا أنها تعتبر الشخصية المحورية في الرواية، مما يعني أن أحداث الرواية تنتهي بانتهاء حياة هذه البطلة. وعبر رحلة حياتها تتشعب أحداث الرواية، وتبرز على ساحة السرد مجموعة من الشخصيات التي ترتبط بها بشكل أو بآخر، ولعل بطولة فاطمة نابعة أساسا من السمات المميزة التي وسمت حياتها من جهة، وموتها من جهة أخرى، إنها بطولة روحية تمتح مقوماتها من مدرسة ربانية قوامها صحبة صالحة علمتها الارتباط المتواصل بالله عز وجل عبر رسائل الصلاة والدعاء والذكر والصدق والصبر على البلاء والاحتساب.

4- الضياع والنجاة من خلال محكيات الرواية

أ- شخصيات الرواية وتيمة الضياع

يتضح من خلال تأمل البناء العام لرواية “عطش الليل” أن نسيجها الحكائي يتشكل من مجموعة من المحكيات، ذلك أن لكل شخصية حكايتها الخاصة التي تصب أحداثها في المجرى العام الذي تتحرك فيه أحداث الحكاية الأصل، وبديهي جدا أن تكون ثمة خيوط رابطة بين الحكايات الفرعية والحكاية الأصل، وهي خيوط لا تتضح معالمها وحدودها إلا باكتشاف الحبكة التي تعتبر رصدا للمبادئ والعوامل المتحكمة في تنامي الأحداث (دينامية النص) أو تغير الوضعيات (وضعية الشخصيات) أو تطور مسار السرد.

لعل القاسم المشترك بين شخصيات الرواية هو شعورها بالضياع والعبث واللاجدوى، والمقصود بالضياع هو الغفلة عن الله عز وجل، والانحراف عن جادة الهدى، والابتعاد عن طريق الاستقامة التي تعني امتثال أوامر الله عز وجل واجتناب نواهيه، إن الضياع في الرواية يعني الاستجابة لوساوس الشيطان، والخضوع لنوازع النفس الأمارة بالسوء، بكل ما يعنيه ذلك من انغماس في مستنقع اللذات والشهوات، ومن إطلاق تام لعنان الهوى الذي أصبح إله يتبتل عباده في محرابه آناء الليل وأطراف النهار.

إن لكل شخصية حكايتها الخاصة التي تصب أحداثها في مجرى الحكاية الأصل، هكذا يجد القارئ نفسه أمام حكايات ضياع تختلف وتتعدد باختلاف وتعدد الشخصيات، بدءا بحكاية رشيد وفاطمة التي تعتبر الحكاية المحورية التي تدور في فلكها حكايات باقي الشخصيات: حكاية مسعود وعزيزة، حكاية الأستاذ سليم وزوجته وابنته عواطف، وحكاية سناء، وحكاية أحمد السليكي والد سناء، وحكاية البرلماني… وهكذا يمكن تتبع ملامح ومظاهر الضياع من خلال تتبع أحداث كل حكاية من هذه الحكايات:

– حكاية رشيد وفاطمة:

تعتبر هذه الحكاية محور الرواية بامتياز، ليس فقط بحكم حضور شخصيتي فاطمة ورشيد على امتداد صفحات الرواية بدءا بالصفحة الأولى (ص 7) وانتهاء بالصفحة الأخيرة منها (ص 134)، وإنما لأن كل أحداث الحكايات الأخرى ترتبط بهذه الحكاية بشكل أو بآخر، هكذا يتضح جليا من خلال تتبع أحداث هذه الحكايات أنها تصب في مجرى الحكاية الأصلية بحكم العلاقات التي تربط رشيد وفاطمة بباقي الشخصيات.

ولعل ما يميز هذه الحكاية المحور أنها تجسد ثنائية “الضياع/الخلاص التي اعتبرناها بوصلة يمكن قراءة الرواية على ضوئها، ذلك أن أحد طرفيها يجسد حد الضياع، في حين يمثل الطرف الآخر حد الخلاص، والمثير للانتباه أن الطرفين معا على اختلافهما الذي يصل حد التناقض، وعلى تنافر طباعهما، وتباعد نظرتيهما للحياة، وعلى الغياب شبه التام الذي لأي نقطة من نقط التقاطع بين دائرتي اهتماميهما، فإنهما يرتبطان بميثاق الزوجية الذي سماه الله عز وجل “ميثاقا غليظا”، ومعنى ذلك أنهما ملزمان بأن يعيشا في فضاء واحد (فضاء الأسرة)، بل ملزمان بأن يوثقا علاقتهما الزوجية أكثر وأكثر خاصة وأن زواجهما أثمر فتاة يمكن اعتبارها نقطة التقاطع الوحيدة التي تجمع بينهما (الطفلة آمال).

ولعل ما يثير الانتباه أكثر أن تناقض وتنافر طباع الزوجين وتباعد نظرتيهما للحياة لم يؤد إلى زعزعة أركان هذه الأسرة، ولا إلى انقطاع عرى العلاقة الزوجية، رغم التوتر الذي يطبعها، وذلك لأن “فاطمة” كانت تستقبل كل رعونات زوجها رشيد، وكل حماقاته وكل سلوكاته المنحرفة بإيمان وثبات وصبر جميل، كانت تستقبل كل إساءاته بإحسان وتكتم وكظم للغيظ، بل إنها كانت تدعو له بالهداية والتوبة، وكانت تصر على تربية طفلتها آمال تربية ربانية صحيحة دون أن تشعرها بتقصير والدها الذي جرفته لجة الشهوات، وضاع في مستنقع الحياة الدنيا وزينتها وغواياتها، فأنساه الله نفسه إذ نسي ربه.

إن ضياع رشيد يأخذ أبعادا خطيرة ومتشعبة ومتعددة:

– معاقرته وإدمانه على الخمر، وفي فضاء حانة الجوزاء تعرف على ثلة من الرواد المدمنين الذين ربطتهم به علاقات حميمية عمقت من مأساة ضياعه.

– وقوعه في شرك الخيانة الزوجية تارة مع سناء الساقية، التي ساقتها ظروف القهر والضياع إلى العمل في مستنقع الضياع هذا، وتارة أخرى مع عزيزة زوجة مسعود الذي يعبر من أقدم رواد هذه الحانة.

– انخراطه في شبكة/عصابة تتاجر في المخدرات، مما جعل أمر تجارته والأموال الطائلة التي يجنيها مشبوهة ومشكوكا في أمرها، حتى من طرف زوجته فاطمة التي كانت تفضل من فرط طيبوبتها وإيمانها واستقامتها أن لا تحشر أنفها في كل شيء، ولا يعجبها أن تكون الزوجة عينا راصدة على الدوام لكل حركات الزوج وسكناته). ص 8.

ورغم لحظات الضعف التي كانت تنتاب فاطمة خاصة بعدما اكتشفت أمر وقوعه في مستنقع الخيانة، ورغم الهواجس والوساوس التي كانت تسيطر عليها، فإنها سرعان ما كانت تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وسرعان ما كانت تردع نفسها الأمارة بالسوء، وتلتجئ إلى باب الله عز وجل تستمطر مغفرته ورحمته، وتسأله الهداية والتوبة النصوح، وهذا ما يجعلنا نتردد كثيرا في اعتبار هذه اللحظات التي كانت تجتاحها بين الفينة والأخرى دليلا على شعورها هي أيضا ب “الضياع”، ذلك أن هذه اللحظات الحرجة تعبر على أن فاطمة المؤمنة الصابرة المحتسبة ليست ملاكا مجردا من الرغبات والحاجات، بل هي إنسان تحتاج لكل ما تحتاجه النساء المتزوجات من حب ووفاء وتقدير واحترام، ولعل هذا ما يشكل نقطة قوة شخصيتها، هذه القوة تتمثل أساسا في تغلبها المستمر حتى على الميولات الفطرية التي فطرها الله عليها كسائر النساء، كانت بقوة إيمانها تكبح زمام الغيرة التي كانت تنهشها نهشا، وكانت تطارد وساوس وهواجس نفسها، وهذا دأب الصالحين والمؤمنين والأولياء العارفين بالله الذين أجمعوا على أن أعدى عدو للإنسان نفسه التي بين جنبيه)، ولعل ما يزيد فاطمة تألقا وقوة كونها تعايش “الضياع” وتتعايش معه يوميا، دون أن ينال ذلك من ايمانها، ودون أن يتسرب شك إلى يقينها، فقد كانت موقنة بأن دعاءها وصلاتها وتضرعها والتجاءها المستمر الصادق إلى باب المولى عز وجل لن يضيع سدا، والأكيد أنها كانت تستمد هذه القوة وهذا اليقين من صحبة شيخ صالح (سيدي فاتح) من خلال “جمعية الهدى” التي شكلت الإطار التربوي الرباني الصادق الذي يحتضنها، ويمدها بالزاد المناسب لمواجهة كل الشدائد والأهوال والعقبات…

– حكاية مسعود وعزيزة:

في فضاء حانة “الجوزاء” تعرف رشيد على مسعود الذي شكلت الخمر والحانة بالنسبة إليه متنفسا ومهربا في الوقت نفسه، وقد اختلف الناس حوله اختلافا كبيرا حتى كادت تكون فتنة، فبعضهم يجزم بأنه سياسي مفلس، كفر بالسياسة وأهلها، وتنحى ليعيش بعيدا عن الضوضاء، وبعضهم يقول بأنه كان مناضلا قد تعرض للسجن والتعذيب، ثم بعد مدة أعطوه بعض التعويضات ثمنا لسكوته، وكانت الحانة ثمنا بخسا للهروب.. ويذهب ثلة منهم إلى أنه مجرد نديم مخلص للاستعمار، أهداه هذه الحانة عندما أزمع الرحيل…) ص 42، لقد أمضى مسعود حياة جامعية غارقة في النزوات والشهوات البويهيمية، ووجد نفسه بعد موت صديقه الإسباني بيدور في هذه الحانة غارقا في دنيا الخمر وسط ثلة من الندماء الذين ألفوا أن يتحلقوا حوله ينشدهم ما حضره من محفوظه الشعري، ذلك أنه كان مولعا بالشعر التقليدي يحفظ منه الكثير.

أول مظهر إذا من مظاهر ضياع مسعود يتمثل في إدمانه شرب الخمر مما جعله يشعر بأنه فقد كل شيء: مروءته، نخوته، كرامته، اعتزازه بنفسه، قوة شخصيته… ومما يعمق مأساته، ويزيد جرحه نزيفا استهتار عزيزة زوجته بميثاق الزوجية، وسقوطها في بركة الخيانة ضاربة عُرض الحائط كل القيم النبيلة يا لمسعود المسكين! لم يعد سوى خشبة مسندة، ربما عقله الذكي الموسوعي قرر أن يهجر ذلك الجسم العاجز، ربما قرر أن ينتقم من الضعف الجسدي المهين… وربما علم بخيانة عزيزة له…) ص 76، وبلغ من استهتارها وتهتكها أن تخلت عنه بعدما ألم به المرض ولم تتوان زوجته المتعجرفة عن إظهار قرفها واشمئزازاها من حاله، بل إنها لم تسمح له منذ أن عرفت حاله أن يقاسمها الفراش، وتركت له غرفة صغيرة يظل فيها طوال النهار وحيدا، ثم تشغل التلفاز كي يغطي على همهماته واعتذاراته وبكائه…) ص 73-74 ولعل ما يعمق هذه الأحاسيس تلك المقارنات التي كان يعقدها أحيانا بينه وبين أبيه بوشتة أبوك؟ لا ينبغي أن تذكره بشيء، ما للوحل اللزج والذهب الخالص! كان مقاوما شهما، لا تتحدث عنه أرجوك، فإنك تزعج الأرواح الطاهرة وتؤذي التاريخ، ما ينبغي للجرذان أن تتحدث عن النظافة، بوشتة كان قمة، كان علما، كان في الثريا، وأنت… صه…) ص 68، إنه اختلاف جوهري بين جيل الرجولة الكاملة ممثلا في الأب بوشتة، وجيل الضياع والخراب ممثلا في الابن مسعود، تلك الرجولة لم تنبع من فراغ بل كانت ثمرة التربية الإيمانية القوية التي كانت تشرف عليها الزوايا، فقد كان بوشتة مريدا في الزاوية، ذكر الله مع الذاكرين، لكنه هب للجهاد وترك القعود والتقوى العاجزة، انخرط في كتائب المقاومة وعمره لا يزيد عن السابعة والعشرين، أتذكر كيف كان يعود؟! أتذكر حرصه على الوضوء والصلاة وأكل اللقمة الحلال، تلك كانت القضية يا مسعود، عينه كانت على الآخرة ولم تثره الدنيا الحقيرة في شيء، همة سامقة، وإرادة فولاذية… أما أنت، رفات موات، خسارة وعجز فاضح…). ص: 68-69، وفي مقابل فضاء الزاوية العبق بروائح الذكر والوضوء والصلاة والقرب من الله تعالى، ينتصب فضاء الجامعة المفعم بمختلف التيارات الفكرية الهدامة، وبشتى ألوان الفوضى والعبث واللهو والهوى والبعد عن الله عز وجل… إنه الفضاء الذي احتضن مسعود الذي وجد نفسه أخيرا غارقا في مستنقع الضياع… إن المقابلة بين بوشتة وبين أبيه مقابلة بين جيل قاوم الاستعمار بكل غال ونفيس، جيل استشهد وهو يجاهد الكفار الظالمين… وجيل باع كل القيم، وداس كل المقدسات، وخان دينه ووطنه ومبادئه، لينخرط في مسلسل الرذيلة والفجور والفاحشة، الرجال حرروا البلاد، وأمثالك يعيثون فيها فسادا، أرادوها طاهرة يملأها العدل، فملأتموها فجورا وظلما…) ص 72، إن مأساة مسعود مأساة جيل سحقته طاحونة العنف الرهيب، جيل أدى ثمن رفعه الرأس أمام دكتاتورية متمرسة بالتاريخ والدين والحديد والنار.. انتكاسة مبكرة، وهروب أقبح في اتجاه خاطئ..) ص 70.

ومن مظاهر الضياع في هذه الأسرة افتقادها إلى الأبناء، فعزيزة امرأة عاقر، ورغم ذلك فإن مسعود لا يستطيع فراقها لشدة حبه لها، وتعلقه بها، ولأنها زوجة خائنة غارقة في دنيا الخيانة والضياع، فإنها استجابت لنداء نفسها الأمارة بالسوء، فتنكرت لكل العهود والمواثيق الزوجية، لتقبل على قتله أخيرا… حاولت عبثا التنصل من المسؤولية، ولكنها اعترفت أخيرا بجريمتها الشنيعة… ليزج بها في السجن عقابا دنيويا معجلا…

– حكاية ضياع سناء:

ستاء ساقية الحانة، شابة جميلة فاتنة وضائعة تماما، ولعل حضورها في فضاء الحانة يشكل تجسيدا حيا لهذا الضياع، تحكي لمسعود قصة ضياعها بمرارة لا تعادلها مرارة، كانت البداية بحدث الطلاق الذي كان نهاية لعلاقة زوجية بطعم الشك والتهديد والضرب، وبعد أشهر قليلة ماتت الأم، تزوج الأب امرأة أخرى… وفي شرك علاقة غرامية غير محسوبة العواقب مع أحد الشبان، وقعت سناء ضحية لحظة ضعف جارفة سمحت لنفسها بكل شيء معه… باءت كل محاولات إصلاح الخطأ القاتل بالفشل الذريع… وجدت نفسها أخيرا في شارع الضياع والعبث فتناولتها كلاب الليل، وأفضى بها ليل إلى ليل بين أنياب الذئاب الجائعة) ص 23-24، حتى عثر عليها مسعود على قارعة المقبرة بين الحياة والموت… حملها في سيارته وأخذها إلى بيته، وعملت بعد ذلك ساقية في هذه الحانة حيث ستصبح موضع إعجاب، ومبعث لذة، ومهوى أفئدة الرواد المدمنين… ورغم انخراطها المطلق في عالم النشوة واللذة والمتعة المدنسة العفنة… فإن الشعور بالضياع كان لا يكاد يفارقها قيد شعرة، وهذا ما يتجسد في رغبتها الملحة في الخلاص بالموت اللي مات تهنا، الميت هو اللي مقطوع الجذور وخا واقف) ص 47.

– أسرة السيد سليم والضياع:

يتخذ الضياع مع أفراد هذه الأسرة أبعادا متعددة ومختلفة ومتداخلة في الوقت نفسه، فربها الأستاذ سليم المحامي يرى أن الحياة لا تعني شيئا سوى اللهاث المتواصل لجمع المال والتبجح بربح القضايا الشائكة في المحاكم) ص 59، ومن أجل المال ينخرط في شبكة لترويج المخدرات، ما الذي جعل الشاحنة تسقط في يد البوليس هذه المرة بالضبط؟) ص 63، أما عواطف فهي وحيدة أبويها، فتاة جعلها دلالها تتيه في دروب الضياع بلا حسيب ولا رقيب، فأبوها لا هم له سوى كيف تسعد هذه الفتاة وتتألق وتنجح… هي الأمل، ومشروع العمر، هي الهدف والحقيقة واللوعة… هي لب الحياة وعقدها الفريد… هي عقل السيد سليم وجوهر حياته…) ص 82. لذلك فإنها تطلق العنان لأهوائها ورغباتها الجامحة، تعيش حياتها بكامل الحرية والطلاقة، بشكل يثير حسرة الأم وحنقها وغيظها، لذلك فإنها لا تملك إلا أن تتحسر على زمن الحياء) ص 83 بعدما تأكد لها بأن هذه الفتاة لا تشبهها في شيء، وبأن هذه الدنيا غزاها المسخ حقا، وأن السيد سليم هو المسؤول عن هذا العبث المشرع على الهباء والخيبة..) ص 82.

إن دلالات الضياع مع عواطف ابنة السيد سليم تتخذ أبعادا خطيرة، إذ لم يعد الأمر مقتصرا على انحراف في السلوك، أواسترسال مع هوى النفس، بل تجاوز ذلك إلى الخروج التام عن الملة وتغيير العقيدة، فبعدما سافرت إلى ألمانيا لاستكمال دراستها، جاءه أحد معارفه على مكتبه، وأخبره بأن ابنته عواطف قد تنصرت وخرجت عن ملتها، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تزوجت شابا يهوديا…). ص 131، وهذا ما شكل صدمة نفسية خطيرة بالنسبة للسيد سليم وزوجته، فقد أصيبت هذه الأخيرة بأزمة قلبية حادة فارقت الحياة على إثرها، أما السيد سليم فقد ضاع تماما إذ فقد عقله، وتاه في الدروب والأزقة، لا يتحدث إلى أحد، يتضور جوعا، فيطعمه من يعرفه…) ص 132.

– ضياع البرلماني:

في فضاء الحانة يجد البرلماني كل ما تهفو إليه نفسه الأمارة بالسوء، يرتمي في أحضان اللذة والشهوات بلا هوادة: المرأة والخمرة، يقبل على شرب الخمر إلى حد الثمالة، حيث يفقد السيطرة على نفسه لكن القرد الهرم أصبح يتمايل كأنه مصنوع من العجين، مجرد حيوان لا فقري رخو، يمشي حاملا بطنا تتقدمه كجسم وقائي…) ص 26. القرد أمامك لازال يعب كؤوسه وعيناه لا تكادان تفارقان سناء وهي تنتقل بين السكارى كفراشة زاهية…) ص 25.

– ضياع أحمد السليكي:

أحمد السليكي هو والد سناء، كان ضياعه سببا في ضياع كل أفراد أسرته، رغم طلاقه أم سناء فقد أحس بصدمة قوية بعد وفاتها، طرد من عمله، زاد إقباله على شرب الخمر، أخذ يذيق ابنه زهير وزوجته الجديدة شتى ألوان العذاب، أخذ يبيع أثاث البيت من أجل إشباع نهمه إلى الخمر، لم يجد زهير من حل إلا الهجرة عبر شاحنة إلى إسبانيا، أما الزوجة فقد غادرت البيت وتركته وحيدا يتجرع مرارة الندامة والوحدة والألم… انتهى به الأمر إلى بيع البيت، فوجد نفسه أخيرا شريدا ضائعا، لم يجد من حل إلا الرحيل مشيا إلى مدينة أخرى، وهناك وجد في المقبرة ملاذا وملجأ استأنس برجل عجوز طيب يعمل حفارا للقبور، مات ذات يوم فلم يملك إلا أن يبكيه معترفا له بضياعه التام، وبمسؤوليته عن ضياع كل أفراد أسرته: أعترف لك يا صديقي أنني حثالة طارئة، نعم أنا المسؤول عن كل شيء، هروب سناء، وموت الزوجة، وضياع الابن، وضياع المنزل، كل شيء، لا شك أنني سأحفر عنك ذات يوم وأرقد بجنبك، هذا هو الحل، هل تقبلني معك هناك؟). 107.

ب- الشيخ “سيدي فاتح” وتيمة النجاة

وسط هذا العالم المصبوغ بشتى ألوان الضياع، والمحاصر بكل أمواج الشهوات والرعونات، والمكبل بكل الأهواء والانحرافات، ينتصب “سيدي فاتح” طوقا للنجاة، والحقيقة أننا لا نتعرف على هذه الشخصية إلا من خلال بعض شخصيات الرواية التي شكلت استثناء في خضم هذا الضياع الهائل الجارف، فسيدي فاتح هذا هو شيخ فاطمة في التربية الإيمانية، فاطمة التي وقفت بصبر وثبات ويقين لا يعادله يقين في وجه كل رياح الفساد والضياع.

فاطمة الزوجة المؤمنة التي ظلت تقابل كل رعونات زوجها رشيد بصبر واحتساب، كانت تستمد يقينها هذا من دوام اتصالها بربها عز وجل يجب أن أتوضأ، الصلاة ملجأ الحائرين، سأخرج حقائبي وأرحل إلى بابه، أطرق وأنتظر، باب الكرم لابد يفتح)، وكل الولاء بالبلاء يا من يدعي الإيمان! ها هو الصيرفي!) 64، الصلاة والدعاء والذكر أسلحة لم تتخل عنهما إطلاقا وهي تواجه أصعب الأزمات، إنها تواجه استهتار زوجها وفجوره وتهتكه وخيانته وغدره بإحسان وكرم نفس، إنها تحارب بقوة الحب والخير مجسدة أعلى مقامات الإحسان، دون أن تفقد الأمل قيد شعرة في رحمة الله تعالى سوف تعمل جاهدة كي تزهر الأيام في هذا البيت من جديد، هي لا تستسهل الأمر، ولكم من يملك قوة يقين لا يتزعزع تهون أمامه كل الصعاب “اليقين الحقيقي يصمد في وجه العقبات والأهوال”) ص 76، ورغم أن هواجس الانتقام/ والضياع كانت تنتابها أحيانا إلا أنها سرعان ما كانت تطردها طردا هل تأخذ الفتاة وترحل إلى المجهول؟ هل تبدأ لعبة الخيانة بدورها وتسير هي أيضا على حافة السكين فتمزق روحه كما مزق روحها؟ هل تصمد إلى ما لا نهاية وتتسلح بصبر أسطوري؟… تستفيق قليلا من هواجسها، وتطرد الأفكار الشوهاء، تلعن الشيطان وتستغفر الله قليلا، ثم تتوضأ لصلاة العشاء…). ص 80 _ 81، تفر إلى الله، معرضة عن كل هذه الهواجس الهدامة، والوساوس المدمرة، تناجي ربها بحب صوفي عميق وعبق الجئي إلى الباب، ما أوحشك من خلقه إلا لتعرفي الطريق إليه، وما ألجأك إلى بابه إلا لأنه يحبك، ما قيمة الحياة بدون معرفته؟ ما معناها بعيدا عن عبادته وتوحيده والخضوع له والتدلل بين يديه؟… ينادي عليك كي تقبلي، كي تفوزي به، “ومن مات ولم يفز بالله فلا نهاية لحسرته”) ص 81، وما عمق من مأساة فاطمة أنها ابتليت بمرض سرطان الثدي الذي لم تزدها المعاناة منه إلا إيمانا ويقينا وقربا من حضرة المولى العظيم الذي يختبر كل من ادعى الإيمان، ليميز الصادق من الكاذب، فمن وجد في دينه صلابة زاد بلاؤه، وإن من أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل والأمثل…) ص 111 كما جاء على لسان فاطمة متحدثة إلى سناء.

أما سناء فقد بدأت يقظتها القلبية بعد زيارتها قبر مسعود، – الذي أوصى لها بالبيت قبل موته – اهتز كيانها أيما اهتزاز، تذكرت بأنها ستموت يوما ما هي كذلك، وتذكرت بأن حياتها ضاعت في لجة الحياة الفانية، وأنها نسيت ربها تماما، وأنها سترحل إليه خاوية الوفاض، لذلك فقد قررت أن تودع حياة العبث والتفاهة واللامعنى) ص 98 وأن تتوب إلى الله عز وجل، كانت فاطمة الصدر الدافئ الحنون الذي احتضنها بكل حب وبكل يقين التقى القلبان: قلب فاطمة المفعم بالإيمان والحب، وقلب سناء المتعطش إلى ربه، المستفيق لتوه من سبات عميق، خفق اللقاء بقوة، والتقت الأرواح جنودا مجندة، تعارفت فائتلفت وتحابت بروح الروح…) ص 102، أحست سناء بندم شديد لمشاركتها في خيانة هذه المرأة الطاهرة وأعجبت أيما إعجاب بصبرها وثباتها على المرض العويص، بكلامها العذب، بنورانيتها الخاصة، بإشعاعها الروحي الآسر… علمتها الوضوء والصلاة، وضربت لها موعدا آخر، سيتكرر مرات ومرات…) ص 103… توطدت العلاقة بين التائبة، الوافدة الجديدة على الله وفاطمة التي كانت تحدثها دائما عن سيدي فاتح، شيخها في التربية الإيمانية، تسهب في تعداد مناقبه وإظهار فضله عليها، “صحبته بلسم، صحبته نور، صحبته حياة…”) ص 112 بل إنها لا تفتأ توجه اهتمام سناء إلى هذا الشيخ المجاهد، “رجل آية في الصدق والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، رجل كله رحمة ورفق وعمق، رجل آية في بساطته وقوته، في يقينه وبعد نظره”) ص 113، وعندما تحاول سناء التعبير عن إعجابها بأخلاق ونورانية فاطمة، تعترف هذه بالفضل لأصحاب الفضل بفضل سيدي فاتح، هو صاحب الفضل، فمن يده نأخذ اللقمة، ومن قلبه الكبير نروي عطشنا) ص 113، وبعدما اشتدت وطأة المرض الخبيث على فاطمة كانت سناء لا تكف عن زيارتها وخدمتها، صارت كممرضة لها) ص 115، وحتى في أحلك اللحظات وأشدها حرجا لم تنس أمر الدعوة إلى الله عز وجل، لذلك فقد اقترحت على سناء أن تجعل من الحانة مسجدا يحفظ فيه كتاب الله تعالى، وطلبت من رشيد زوجها أن يساعدها في هذا الأمر. وقد أثار بناء هذا المسجد معركة ضارية بين أصحاب المشروع وبين العلمانيين الذين رأوا في بناء المسجد تعديا صارخا على رمز من رموز التراث المعماري للمدينة، وبعد سنة من الصراع والمواجهة استطاع الأستاذ سليم أن ينتزع حكم حرية التصرف في ملك خصوصي من المحكمة، ولأنها قد أصبحت عضوا في جمعية الهدى، فقد اختارت لهذا المسجد اسم “سيدي فاتح”، وصارت تكرس كل وقتها لحفظ القرآن الكريم ولأمور الدعوة إلى الله تعالى. أما رشيد الذي مكث إلى جوار فاطمة خلال مدة مرضها، فقد أدرك أخيرا أنه كان زوجا لامرأة من معدن نفيس رأى صفاءها وطهارتها، رأى قلبها الكبير وهمتها السامقة، رأى سمو روحها وتجردها، رأى زهدها في المتاع الفاني وتعلقها بالجناب العالي، رأى صبرها وثباتها، رأى يقينها ورضاها عن ربها، وعرف درجة الغبن التي كان غارقا فيها…) ص 114، طاف بها على الأطباء في محاولة يائسة لاستدراك ما فاته، ولكن دون جدوى… وكانت أجمل هدية قدمها لها هي إخبارها بأنه بدأ يصلي، وأنه قرر الامتناع عن الخمر والتدخين، وأنه قرر التوبة إلى الله عز وجل، فرحت أشد الفرح، وأيقنت أن الله تعالى استجاب دعاءها الصادق أخيرا، وعندما أيقنت باقتراب أجلها طلبت من رشيد أن يتزوج من سناء، وحثت سناء على ذلك لا تخجلي ليس عيبا، لقد تبت إلى الله، والتوبة تجب ما قبلها…) ص 128، لذلك فإنها لم تملك إلا أن توصيها خيرا بابنتها آمال وبرشيد أوصيك بآمال، لا تعانديها، أبوها دللها، ولكنها طيبة القلب، أما رشيد، فكونا لبعضكما سندا وعونا، الدنيا إلى زوال، موعدنا هناك، عند الله، في الجنة إن شاء الله) ص 133… وتوجه آخر كلماتها لسناء … لا تفكري في ترك جمعية الهدى، هي رفقتك وسندك، هي رهطك الذي تتمنعين به على الأعداء والخصوم، وحب سيدي فاتح هو السر، هو الدواء، هو حادي السير، صحبته هي الكنز العظيم، به تعرفين الله تعالى، )الرحمن فاسأل به خبيرا، صدق الله العظيم) ص 134.

كما نجد حضورا للرؤيا كقارب للنجاة من حياة العبث والضياع، فأحمد السليكي الذي امتلأت بالضياع أشكالا وألوانا يعيش تجربة توبته عبر رؤيا رآها ذات ليلة، إذ بينما كان ينام في عشه القصديري، مسجى بأغطيته البالية، وقف عليه في منامه سيدي فاتح… جاءه بسطل ماء، ونهره قائلا: “نوض ها الما، إيوا سير مع هاذ الخط”، وأشار بيده إلى خط ضوء أخضر صاعد في السماء، فأخذ يبكي بكاء شديدا حتى استفاق وهوعلى تلك الحال، يحس بقلبه كأنه مبلل، أخذه خوف شديد وفهم أن عليه أن يتبع وصية سيدي فاتح، حتى تمر الأمور على خير…) 108. ومنذئذ ذاق حلاوة التوبة وعظمة الإيمان فزاد إقباله على الله تعالى… ولم تكن الرؤيا الوحيدة التي رأى فيها هذا الولي فقد رآه مرات أخرى في منامه، جاءه مبتسما وأخذ يرقبه في صمت…) ص 108.

خلاصة القول إن رهان “عطش الليل” هو أن واقع الضياع والعبث الذي ينخر مجتمعنا نخرا، لم يأت من فراغ بل هو واقع صنعه الغرب الحاقد الذي خلف بعد رحيله عن أقطارنا وكلاءه الذين عاثوا في الأرض فسادا، والذين لم يدخروا جهدا في تخريب عقول وأخلاق شباب الأمة… فحانة “الجوزاء” التي شكلت فضاء الضياع في الرواية ليست إلا واحدا من مخلفات الاستعمار، الذي عمل بشكل منهجي على نشر أوكار الدعارة والخمر والقمار…). ص 85. وازدادت البلايا بعد جلائه، … حيث تم اللجوء إلى تجارة المخدرات والتهريب كعمل يدر الكثير على أصحابه) ص 85… غير أن هذا الضياع وإن ملأ البر والبحر كما يقال لا ينبغي أن يكون مدعاة للاستسلام، والركون، والانسياق مع التيار الجارف، والهروب من المواجهة… إن شعلة الأمل لا بد أن تبقى متقدة أبدا، وإن آخر الأمة لن يصلح إلا بما صلح به أولها، لابد أن تتصالح الأمة مع ماضيها، مع تاريخها، مع جذورها… لا بد من عودة إلى الأصول، والثوابت… كيف يجب أن يتم ذلك؟ عبر أي فهم؟ وفق أي منظار؟ وفق أي طريق؟… هذا ما تجيب عنه البطلة الصابرة المحتسبة فاطمة، التي لا تعبر في نهاية المطاف إلا عن وجهة نظر شيخها العالم الولي المربي سيدي فاتح…

إن سيدي فاتح الذي أنار سبيل فاطمة، ما هو إلا اسم فني مستعار لشيخ مجدد مرب وفق لتقديم مقترح واضح للعمل، مضبوط الخطة، واضح العالم، يخاطب شعور الأمة ويوقظ وعيها، مقترح عماده: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستطاع – عبر هذا المقترح – أن يبني مدرسة ربانية أساسها الصحبة والجماعة والذكر والصدق، وبرنامجها التربية، والتربية، والتربية، وصواها منهاج نبوي راشد، وأهدافها خلاص فردي وخلاص جماعي معا… خلاص فردي يهتم بمصير الفرد: ما اسمه في الملكوت الأعلى؟ ما مصيره بعد الموت؟ ما حظه من الله؟… وخلاص جماعي يهتم بمصير الأمة جمعاء: كيف تتحرر من الاستبداد السياسي المتحكم في أعناق وأرزاق البلاد والعباد؟ كيف تستعيد حرماتها التي مزقت وانتهكت تباعا من طرف حكام الجبر الظالمين المتجبرين الطغاة؟ كيف تسترجع كينونتها ومكانتها وقوتها بين الأمم؟… ولعل ما عرفته بعض الدول العربية إبان موسم الربيع العربي يشكل بداية الإجابة عن بعض هذه الأسئلة…