انقسم الناس في بلدنا الحبيب حول معضلة فشل التعليم مذاهب وشيعا في تشخيص مكمن الداء وأنسب دواء٬ واهتدى أمثلهم طريقة إلى التسليم بحتمية الإخفاقات التي تترى بسبب طبيعة الإصلاحات وكيفية تطبيقها وتوقيت اللجوء إليها وهذا أمر ظاهر الصحة والصواب، ولكن المطلب الملح هو تقديم البدائل الحقيقية بالتعاون مع ذوي المروءات الذين يؤنس منهم العقل والرأي، ممن لم يصيبوا حظوة لدى الجهات الرسمية بسبب مواقفهم المبدئية ولأنهم لم يركنوا إلى الباطل والفساد شيئا كثيرا أو قليلا، ولم يرضهم هوان أمتهم على الناس.

أكبر مشكلة وأعظم بلية تواجه قطاع التعليم في المغرب هي تصنيفه ضمن القطاعات غير المنتجة، تبريرا للتقشف في الإنفاق على هذا القطاع والتقزيم المطرد لميزانية التعليم، واستماتة الدولة في التخلص التدريجي من هذا القطاع في الوقت الذي تعمل فيه الدول المتقدمة على الرفع من نسبة الإنفاق على التعليم الذي يرفع الدول التي لا عماد لها ويهوي بدول لها كل الثروات عداه في غيابات التخلف وبراثن التبعية.

وقد عرف المغرب إصلاحات متعاقبة وقياسية بالنظر إلى الفترة الزمنية التي حدثت فيها هذه الإصلاحات (إصلاح سنة 1957 – إصلاح 1960/1964 – إصلاح 1966 – الإصلاح الذي انطلق سنة 1985 في إطار سياسة التقويم الهيكلي منذ 1983 – الميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي انطلق سنة 2000 – البرنامج الاستعجالي 2009 / 2012) ولكن حال التعليم في بلادنا لم ينصلح بل ازداد تأزما وكارثية مما يبرهن على قصور هذه الإصلاحات في إدراك المشاكل الحقيقية أو تجاهلها ومن ثم عدم بلورة الحلول المناسبة التي من شأنها إنقاذ المجتمع من خلال إنقاذ التعليم وهو قضيتنا الاجتماعية الأولى.

وفي غياب الشروط الذاتية والموضوعية اللازمة لا يمكن للتعليم في المغرب إلا أن يتأرجح بين النكبات والنكسات إلى حين التعامل معه باعتباره مشروعا مجتمعيا يساهم الجميع في صياغته وتنزيله بعد اتخاذ الأسباب الضرورية وتجاوز المعيقات التي تحول دون بلوغ المرام. ومن بين الأسباب التي يمكن أن تساهم في إنجاح الإصلاحات:

– انتخاب مؤسسة متخصصة ومستقلة بصلاحيات كاملة لصياغة مشروع تعليمي مجتمعي ينبع من احتياجات المجتمع ويصب في غاية إصلاح أفراد الأمة وانعتاقهم من أغلال الجهل والفقر والتخلف والتبعية، وبعد ذلك متابعة تنزيل هذا المشروع على الوجه المطلوب، لعل الله يري هذا الشعب منها ما تقر به عينه، وغير ذلك يكون بناء على غير قاعدة.

– ضمان مشاركة كل الأطراف ذوي الصلة بالتعليم نظرا لثقل ميراث الإخفاقات وعظم التحدي الذي لا يستطيع طرف واحد النهوض به بعد طول تعاقب المصلحين-المفسدين الذين يخسرون الميزان ويطففون في المكيال، وهذا يضمن إشراك عموم الشعب في ورش التعليم الكبير لإنجاحه في مختلف مراحله بدءا بالاقتراح مرورا بالنقاش وانتهاء بالنقد والتقويم. وهذا يقتضي طبعا وجود مجتمع واع يعري ويحارب المؤامرات التي تتربص بالتعليم والتي تقودها جهات خارجية تابعة لقوى الاستكبار العالمي ممثلة بشكل عام في صندوق النقد الدولي ومن ينوب عنه، ومن يدور في فلكه ممن يحمون ويذودون عن معاقل التبعية للأجنبي، وجهات داخلية يمثلها أصحاب المصالح المستفيدين من الأوضاع المتردية للتعليم ومن ورائه المجتمع الذي ينوء كاهله بهموم وأزمات لا تنتهي.

– تجديد الأمل وبعث الثقة ومحاربة اليأس بين أفراد المجتمع عموما والمتدخلون المباشرون على وجه التحديد وذلك من خلال تبديد البدهيات والحتميات التي تحكم نظرتنا إلى هذا القطاع الحيوي والتي تقود إلى الفشل والى تثبيط العزائم التي تسعى إلى إصلاح التعليم، وهذا التجديد يتطلب الاعتماد على المخلصين الذين لم تنل كثرة النكبات من عزمهم شيئا، ولم يضعف توالي النكسات لهم همة.

– المكاشفة والشفافية والوضوح في وضع هذا المشروع المجتمعي للتعليم وذلك على مرأى ومسمع من الناس عبر وسائل الإعلام، وليس في غرف مغلقة ومظلمة وعبر حوار وطني مستفيض من خلال الندوات والمؤتمرات والبرامج والورشات، ثم تعرض النتائج على الأمة للحسم في الخيارات الإستراتيجية.

– تنزيه المشروع المجتمعي للتعليم عن مستنقع السياسة الذي تتصيد فيه الأحزاب الانتهازية الأرباح السياسية الآنية غير مبالية بمصير الأمة على المدى البعيد، ولا بدفع الأذى الذي حاق بأهل هذا الوطن.

– الإرادة الصادقة والحقيقية التي من شأنها تيسير الوصول إلى كلمة سواء بين الفرقاء والمتدخلين في هذا الورش الكبير بعد حوار حكيم بعيدا عن الجدل والتصلب في الرأي والتنابز بألقاب الخيانة والنفاق والعمالة للغير، حتى يكون المنطلق سديدا، فمن صحت بدايته أشرقت نهايته.

– احترام حرية الاقتراح وعدم مصادرة الآراء لجمع أكبر قدر ممكن من الاقتراحات والأفكار، وانتخاب الأنسب منها وتمحيص البعض الآخر واتخاذه قاعدة لصياغة مقترحات جديدة، وذلك من أجل التخلص من الغزو الأجنبي والثقافة المادية اللذين يكتنفان الجهاز التعليمي المغربي.

– إقامة الحجة وتبرئة الذمة من خلال استدعاء أولي العلم والخبرة والاختصاص وتقديم أهل الكفاءات العلمية والخبرات الميدانية ممن لهم فضل وأياد بيضاء، وممن لا يطغيهم إطراء ولا يستميلهم إغراء مما يسعف في اقتصاد بعض الجهد وطي المسافات الزمنية في صياغة بنود مشروع التعليم، مع ضرورة الاستفادة من التجارب العالمية الناجحة في هذا المجال مما يتناسب وخصوصيات واقعنا، وليس نسخها وإلصاقها كما هي، فلا عيب ولا غضاضة في ذلك فكلنا عيال على من سبق والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها.