بعد أن كانت الترقية مضمونة لكل موظف حاصل على شهادة جامعية في وزارة التربية الوطنية قبل سنوات خلت، بات هذا الحق المشروع في خبر كان بعد أن أجهزت عليه الدولة وذلك عبر مراحل، فلكي تخفف من حدة قرار منعها للترقي بالشهادات تم تمريره بالتدريج بإصدار مرسوم استثنائي سنة 2003 يسمح بالترقي لمدة خمس سنوات فقط، لضمان صمت الفئات المعنية بالترقية في تلك الفترة، وحتى يتم تجاوز المرحلة الانتقالية بسلام ودون ضجيج، وبالفعل فقد استغفلت الشغيلة التعليمية بتواطؤ النقابات التعليمية مع الحكومات المتعاقبة، ليضطر رجال التعليم الحاصلون على الشهادات الجامعية بعد ذلك أن يدفعوا ثمنا باهظا ويتحملوا إهانات وأذى قوى القمع المخزني إضافة إلى الأعباء والتكاليف المالية، لقاء نيل حقهم الضائع، وهو ما حصل بالفعل لفئة الأساتذة المجازين أفواج 2008، 2009، 2010، 2011 الذين رقوا إلى السلم العاشر، في حين ينخرط فوجا 2012 و2013 حاليا في نضال مستميت خصوصا مع استفراد المخزن بهم وإلحاق جميع خريجي مراكز التكوين اللاحقين في السلم العاشر مباشرة. فيما يظل ملف أساتذة حملة الماستر هو أيضا معلقا، والذين باتوا يخوضون معارك نضالية موحدة مع الأساتذة المجازين في الآونة الأخيرة للدفاع عن حق الترقية بالشهادة بشكل عام.

قد يبدو مطلب الترقي بالشهادة مطلبا تافها بالمقارنة مع عدد من المطالب الجوهرية التي ينادي بها الشارع المغربي، إلا أن عناد المسؤولين ورفضهم غير المنطقي للاستجابة للأساتذة حملة الشهادات تحت مبررات واهية لا تصمد للنقاش، يظهر أن الأمر يتعلق بخلفيات نفسية تفرض نفسها على المخزن وتوابعه أكثر منها إكراهات مرتبطة بالدولة وميزانيتها، ذلك أن الدولة التي تنظم مهرجانات بحجم موازين وتنفق على كرة القدم أموالا طائلة دون أن يعود عليها كل هذا الإنفاق بأي نفع، ناهيك عن النهب المنظم وغير المنظم الذي ينهجه علية القوم لثرواتها من الفوسفاط ومقالع الرمال والصيد البحري ومناجم الذهب والفضة وغير ذلك، لا يسمح لها أن تتحدث عن الأزمة. أم أن قدر الضعفاء دائما في هذا البلد السعيد أن يسددوا ثمن إسراف وتبذير ورفاهية الكبار؟

إن أساس تعنت الدولة المستمر تجاه المغاربة راجع إلى تعمد إذلالهم لضمان رهبتها وسطوتها عليهم، فالمخزن من الرأس إلى الأذناب لا يقبل من أية جهة شعبية كيفما كانت أن تملي عليه أو تفرض عليه شيئا، فهو من يبادر وهو من يعطي لمن يشاء ما شاء وفي الوقت الذي يريد، لأنه يتعامل مع الشعب على أساس أنه قطيع من العبيد لا حق لهم إلا ما يمن هو به عليهم.

ورغم أن ملف الترقية بالشهادات ليس كبيرا أو معقدا لدرجة تحكم الجهات العليا فيه، فإن المسؤولين عليه يتصرفون بعنجهية المخزن ذاتها في التعاطي مع مطالب الشعب تأسيا منهم بأسيادهم وإشباعا لرغباتهم التواقة لإظهار شيء من الشدة والحزم، وذلك للتعويض النفسي الناجم عن حفلات الإذلال اليومية التي تمارس بحقهم من طرف كهنة المعبد المخزني، والتي تجعلهم يفرغون كبتهم في شكل عنتريات فارغة بحق أبناء الشعب المستضعفين.

وما يؤكد صحة ما قلناه تعامل الحكومة مع ملف فوجي 2012 و2013 من الأساتذة المجازين، حكومة لا يفهم لحد الساعة منطقها الرافض لإلحاقهم بالسلم العاشر، اللهم إلا الرفض من أجل الرفض والتلذذ بقول كلمة لا والإحساس بالنشوة العارمة بممارسة السلطة التي حرموا من معظم صلاحياتها، لذلك فقد تمادت الحكومة في إجراءاتها العدوانية تجاه أساتذة الفوجين، حيث اقتطعت من أجور آلاف المضربين ومارست بحقهم قمعا شديدا في كثير من معاركهم النضالية، وافترت عليهم أمام الرأي العام المحلي حين ادعى وزير التعليم زورا أن حاملي الإجازة حصلوا على شهاداتهم بعد توظيفهم، متغافلا عن كون الغالبية الساحقة منهم لم تلتحق بمراكز التكوين حتى حصلت على الإجازة من الجامعات.

على أن منطق الوفا مرفوض في كل الأحوال، حيث لا فرق يذكر بين الحالتين ما دامت وزارة التربية الوطنية قد أعطت تراخيص لموظفيها بإتمام دراستهم، وما دامت تلك الشهادات المحصل عليها معترف بها من طرف الدولة المغربية، فلم التمييز؟

ولعل ما يثير الدهشة في تعاطي الحكومة مع الملف، ذلك المنطق الغريب الذي تروج له في تبريرها لاستثناء فوجي 2012 و2013 من الترقية بشهادة الإجازة دون الأفواج السابقة واللاحقة، حيث ربطت هذا الموضوع بالظرفية السياسية التي كان يعيشها المغرب والتي حتمت عليه ترقية جميع الأفواج باستثناء الفوجين المذكورين، في ضرب واضح لمبدإ تكافؤ الفرص وفي تكريس لداء المزاجية المستفحل في سائر القطاعات، حتى أضحت حقوق المواطنة في المغرب تنال بالصدفة، كما يحدث بالنسبة للحصول على الوظائف والمأذونيات عن طريق الرسائل الملكية أو بالمحسوبيات. ولأننا نعيش في مغرب القرعة، (بضم القاف وليس بفتحها وإن صح فيها الوجهان) فلن تحظى بحقك إلا بضربة حظ وإلا فـ”هاردلاك”.

ثمة مبدأ آخر يفسر التعرض لحق الترقية بالشهادات، راجع أساسا إلى احتقار المسؤولين لأي شيء مرتبط بالمعرفة، فكما أوصلوا قطاع التعليم إلى الحضيض بإجماع جل التقارير الدولية المختصة، وعملوا على تمييع الثقافة وإفراغها من محتواها وربطها بالعري والابتذال، فإن التبخيس الذي يوجه إلى الشهادات ليس بريئا، فمع المستوى المعرفي الهزيل لكثير من المسؤولين المغاربة خصوصا النافذين منهم، بدأت دوائر في السلطة تروج كلاما يؤدي في النهاية إلى الاستخفاف بحملة الشهادات العليا، وذلك حتى لا يحاسبهم أحد ويطالبهم بالشغل، وإذا ما حظي أحدهم بعمل لا يزاحمهم في المناصب العليا فيكفيه حسب زعمهم أنه نجا من شبح البطالة، وإذا ما طالب بتحسين ظروف عمله المادية يجرم وقد يتهم باللصوصية، لدرجة أنهم في النهاية أوصلوا حملة الشهادات المنتهكة حقوقهم إلى الإحساس بعقدة الذنب، ومما يؤسف له أن هذه الحملات تلقى صدى كبيرا بين فئات واسعة من المجتمع المغربي التي تنخرط دون وعي منها في الأجندة المخزنية.

لا ينكر أحد أن قيمة الشهادات العليا في المغرب قد باتت متدنية نتيجة العبث المخزني المتواصل بقطاع التعليم، لكنها وبكل عيوبها تظل قيمة مضافة يستحق الحاصل عليها أن يميز على الآخرين. ورغم أن الغش قد استفحل لدرجة أعطت الكثيرين فرصة لضرب مصداقية الشهادات واتهام الحاصلين عليها أنهم مجرد غشاشين، فإن المؤكد أنه مع تغول تلك الظاهرة في المجتمع المغربي ككل حتى أنها لم تترك أية مؤسسة تعليمية إلا ونخرت في جسمها من الابتدائي إلى الجامعات، أصبحت للشهادة قيمتها حتى بين الغشاشين، فالغشاش الدكتور أفضل من الحاصل على الماستر وكلاهما أفضل من المجاز الغشاش وهكذا دواليك.

ثم إن على الدولة أن تكون منسجمة مع نفسها، فكيف تكون الشهادات الجامعية معتبرة عندها في طلب التكليف بالإدارة أو بالحراسة العامة أو في تكليفات سد الخصاص في الثانوي التأهيلي أو في غير ذلك من المناصب، وحين يتعلق الأمر بالاستحقاقات المادية تتلكأ وتبحث عن الأعذار للالتفاف على حقوق فئة من الشغيلة التعليمية.

ينبغي الإشارة إلى أن مطلب الترقية بالشهادة دون قيد أو شرط لا ينفي وجود معايير أخرى يجب أن تعتمد بشكل أكثر فعالية في موضوع الترقي مثل الخبرة والتجربة أو المهنية والتفاني في العمل، فلا يجوز أن يتم خلط الأوراق والظن بأن أية استجابة لمطالب المحتجين من طرف الدولة ستتم على حساب أساتذة آخرين.