وخير أبنائها: المستضعفون الوارثون!

تبين لنا كيف ومن أين يبدأ العمل الإسلامي على يد أنبياء الله المرسلين وأوليائه المجددين، بساطة في المنطلق، وتجرد من كل جاه ظاهر ثم يأتي تأييد الله تعالى وفتحه لعباده طورا بعد طور، ومرحلة بعد مرحلة، متى استفرغوا الجهد ووفوا الشرط!

وهكذا كان في أم الدنيا، فقد ظهر في أرض مصر منذ نيف وأربعين سنة شاب نشأ في عبادة اللّه، شاب تربى في أحضان الذاكرين، وجالس الأولياء والصالحين، فأعطاه اللّه نوراً وتوفيقا. وشع هذا النور في قلوب جماعة من المومنين لما قام الداعي إلى اللّه الشهيد الشيخ حسن البناء يبلغ رسالة ربه) 1 .

ردا على الهجمة الاستعمارية وإسقاط الإمبراطورية العثمانية التي كانت توحد المسلمين في إطار واحد، ثم الهجوم القومي العلماني على الدين ورموزه من قبل أتاتورك ونظرائه من العرب قام في كل بلاد الإسلام دعاة إلى الله يحاولون الإصلاح ما أمكن، كل حسب فهمه وإمكانه، ويبقى الإمام البنا غُرَّةً في جبين الدعوة بما جمع الله فيه من خصال الخير. فإن نظرت إلى خشوعه وتبتله وروحانيته فهو قبَسٌ من المشكاة النبوية. وإن نظرت إلى علمه وسَعَةِ أفُقِهِ فهو إمام سنيٌّ ومعلم عبقريٌّ. وإن نظرت إلى شجاعته في الحق وهيبته في صدور من عاشروه فهو أسد من أُسْدِ الله. ناهيكَ عن فصاحته وحكمته وأدبه وصبره. رحمه الله رحمة واسعة) 2 .

فقد تميز الشيخ رحمه الله إضافة إلى خصائصه الشخصية المؤثرة، بهذا التنظيم الجديد الذي أعطى للجماعة فاعلية بزت الأحزاب المترهلة وما زالت بقدرتها على استغلال كل أبواب الخير للتمكين للدعوة الوليدة وخلق حركية إيمانية لا قبل بها لدهاقنة السياسة وتجار الوعود، وإنما تتحرك الأمة وتشارك في البناء مع من تثق به، مع من له بصدقه هيبة أخلاقية، وبشواهد فعله حرمة. إنما تحب من يبرهن بأعماله الصالحة أنه من الأمة وإليها، وتتحرك مع من يخف إلى مساعدة الشعب، ويقاسمه آلامه كما يقاسمه عقيدته وآماله. وقد شهد الخلق أجمعون كيف خف الإسلاميون بعد زلزال الجزائر وزلزال القاهرة عندما اثاقل الآخرون، وقدروا عندما عجز الآخرون. أكان إسراعهم لإغاثة الملهوف “استثمارا” انتخابيا؟ كلا والله! بل أسرعوا وبذلوا الجهد لأن إغاثة الملهوف من لوازم الإيمان.)شاخت الأحزاب اللاييكية في بلاد المسلمين، وأنهك سمعتها فعلات بنيها، وتعاطيها للرشوة والكذب. ترشي الشعب بالوعود فتخلف، وتكذب فلا تصدق، وتتحمل الأمانة فتخون) 3 .

وبتلك الدفعة الربانية الأولى، وذلك الإبداع التنظيمي كانت حركة الإخوان المسلمين أعظم حركة إسلامية في تاريخنا منذ قرون كثيرة. وربى الشيخ رضي اللّه عنه شبابا طاهرين ضربوا للناس مثالا حيا للتبتل والإيمان والعمل، فكانوا في محاريبهم زهادا وعبادا، وعلى المنابر خطباء وفصحاء. وفي المعمل والمدينة أيد طاهرة نشيطة، وضمائر حية نظيفة، في وسط مجتمع خائر مفتون، وترف يلعنه الفقر والعري والجهل والمرض العائثة في صفوف الأمة المستعبدة) 4 .

ولم يكن أصناف المفسدين الراتعين في هذا الجو من الإفساد في البلاد، واستعباد العباد ليرتاح إلى هذا الوليد المبارك، وسنة المفسدين -بعد إمامهم فرعون- تذبيح كل ابن مبارك للأمة حتى لا يظهر في الأرض الفساد. والفساد في عرفهم هو كل سعي لتغيير الأوضاع القائمة، وفاروق فرعون مصر طغى وبغى، وسرح في مسارح الفساد، واستعبد المسلمين. وكان ولي الله تعالى سيدي حسن البنا أيده الله بنصره فبنى جماعة من المؤمنين برهنت عن فعالية المسلمين حين يكون الموت في سبيل الله أحب إليهم من الحياة. فلما أصبح للبنا شأن خافه الفرعون واغتاله فلم تمض ثلاث سنوات حتى سلط الله عليه فرعوناً أطغى وأبغى…) 5 .

التهمة الفرعونية: الإرهاب والفساد!

لن يستطيع البغاة والمفسدون تبديل هذه النغمة البئيسة، لأنهم لا حجة لهم. فحينما يلقي حملة الرسالة بكلمة الله فتؤتي أكلها بإذن ربها، استجابة من القلوب المتعطشة للطهر بعدما عم الرجس، وللصلاح بعد أن طم الفساد، يجيب الفراعنة صغارا وكبارا بالجواب التاريخي لإمامهم: وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ 6 .

ولأن الشعوب لم تتحرر بعد كليا من آثار الدعاية القرونية “للوضع القائم”، ولأنه لا يزال في نسيجنا الغثائي العميق عمائم عششت فيها عناكب التقليد يجب أن نحارب، نحن الإسلاميين، قبل التحرر وبعده، محاولات التعتيم على فكرنا ونوايانا، وفهمنا للواقع، وخطتنا لتغيير العالم، يجب أن نحارب التهميش والتخويف اللذين يريدان منا أن نبقى في الحركية السرية العنيفة لينقض علينا الحكام، فإن كان في يدنا عصا دسوا فيها مسدسا ليلصقوا بنا تهمتهم المنطلية على الناس، تهمة الصهاينة المبيتة: “إخوان مسلمون = إرهابيون قتالون رجعيون) 7 .

وبين يدي الخلافة الثانية على منهاج النبوة يفتح الله جل جلاله هذا الفيض من وسائل التواصل مما سحب البساط من تحت أقدام أبواق الدعاية الرسمية، ويتيح فرصا أكبر لكسر التعتيم الإعلامي وفرض الرأي الواحد الوارد في البيان الفرعوني: قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ 8 .

فتح، بل فتوحات تيسر التمكين لجند الله متى استوفوا شروط العبودية لله تعالى فإن الله تعالى لا يخلف وعده، وإن القوة التي اندفعت بها حركة الإسلام على عهد البنا رحمه الله وبعده، ثم الابتلاءات التي توالت على الحركة الوليدة تركت السير يميل يمينا وشمالا 9 ، ليس المجال اليوم مجال توجيه النقد للمجاهدين المظلومين، المغتصبة حقوقهم وكرامتهم وحرياتهم، لكن نثبت هذا الأمر حتى لا يختلط ازدراؤنا ورفضنا للبغي والبغاة بنوع من إطراء الذات.

ويبقى أن للمومنين بالله مخرجا من كل الورطات لا قبل لغيرهم به، ألا وهو باب التوبة إلى الله تعالى والاستغفار من كل ضعف هو جبلة بشرية لا مفر منها. عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لَوْ أَنَّ الْعِبَادَ لَمْ يُذْنِبُوا لَخَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَلْقًا يُذْنِبُونَ ثُمَّ يَغْفِرُ لَهُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ” 10 .

ويبقى الأفق غير الأفق، أفق الظالمين سوء الأحدوثة في الدنيا، والخزي والندامة في الآخرة، عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لن يزال المؤمن في فسحة من دينه، ما لم يصب دما حراما” 11 .

وأفق المومنين المجاهدين، المذنبين التائبين المستغفرين نصر وتأييد وتمكين، قال الله تعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ 12 .

شروط هذه الإمامة المؤهلة لهؤلاء الأئمة الوارثين، في كتاب الله وسنة رسوله نبأها اليقين، وفي مجموع الكتابات المنهاجية للإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله تفصيلها المبين، وهذه مباحث أخرى يسر الله تناولها في مستقبل الأيام فبنعمته تتم الصالحات، وبتوفيقه تحل المعضلات، والحمد لله رب العالمين.


[1] عبد السلام ياسين رحمه الله: الإسلام بين الدعوة والدولة، ص 158، مطبعة النجاح.\
[2] عبد السلام ياسين رحمه الله: رجال القومة والإصلاح، ص 114- 115، دار لبنان للطباعة والنشر.\
[3] عبد السلام ياسين رحمه الله: حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 78، مطبوعات الأفق.\
[4] عبد السلام ياسين رحمه الله: الإسلام بين الدعوة والدولة، ص 159، مطبعة النجاح.\
[5] عبد السلام ياسين رحمه الله: رسالة: الإسلام أو الطوفان، منشورة على الموقع: siraj.yassine.net.\
[6] سورة غافر: الآية 26.\
[7] الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: المنهاج النبوي، ص 27، الطبعة الثانية.\
[8] سورة غافر: الآية 29.\
[9] للأستاذ منير الركراكي كتاب قيم في الموضوع تحت عنوان: حسن البنا بين ظلم حساده وسهو أحفاده.\
[10] المستدرك على الصحيحين، ص 377 ط دار الحرمين.\
[11] صحيح البخاري، ص 265 الجزء الرابع، المطبعة السلفية ومكتبتها.\
[12] سورة غافر: الآية 26.\