لا تعطني سمكة، بل علمني كيف أصطاد) (حكمة صينية)

قد تنحو بنا رؤى الخير وفضائل الأعمال التي تشغف القلوب الرحيمة بها إلى تسخير الجهد والوقت والمال بغير قصد في خدمة معالم الضرر والخلل الذي تعاني الأمة العربية الاسلامية من ويلاتها، فتنتشي بذلك الرأسمالية المستبدة التي كرسها سوء توزيع الثروات والتي يرعاها الاستبداد، والتي تجعل من الفقر والحرمان موضوعا تقاضي به العالم لأجل نفوذها وانتشارها على حساب الشعوب الضعيفة والمقهورة.

العطاء المادي والمدخل الخطأ

كثيرا ما تمتد الأيادي الرحيمة التي تمثلها جمعيات ومنظمات المجتمع المدني إلى الناس بالخير وتسعى في خدمة الفقراء والمساكين والمحتاجين بتقديم مساعدات إنسانية وإعانات مادية وعينية، من كسوة أو طعام أو علاج، لتعين السائل ساعات من يومه فقط، ولتبقى بعد ذلك إلحاحية الخدمة وضرورة المساعدة في عاتق الجمعية التي تجهد في السعي بين خدمة المحتاج وإعادة خدمته دون قطف ثمار ملموسة، تغني الجمعية من الدوران حول حالة مركبة من الفقر لا تنقضي.

وعلى عكس الجمعيات الخيرية والمجتمعية، تعمل المؤسسات الرأسمالية المانحة والمنظمات العالمية على رسم مخططات بعيدة المدى في تعاملها مع المنظمات المحلية وجمعيات المجتمع المدني، والتي تسطر لها وتفرض عليها نقيض مخططاتها، وذلك بدفع الجمعيات المحلية نحو الاشتغال الآني واللحظي والاستجابة المباشرة لاحتياجات المجتمعات دون مخطط بعيد المدى ودون النظر في الاحتياجات المستقبلية الحقيقية الكفيلة بنهوض الأمة واستلامها زمام القيادة من جديد. وللأسف نجد أن العمل الجمعوي في عالمنا العربي والإسلامي لا يخرج من هذا الإطار المرسوم بعناية. فغالبية الفعل الجمعوي يتجه نحو الخدمات المادية أو العطاء المباشر الذي يذكي السلبية في الناس ويربيهم على عقلية الانتظارية والاتكالية، فتجتهد الجمعيات في كل مناسبة بتنظيم أنشطة خيرية لمساعدة المحتاجين وتبذل الجهد المضاعف في جزئيات صغيرة قد تغدو في عين الجمعية للأسف هدفا أو إنجازا في حد ذاته. وبذلك تخطئ الجمعيات والعمل الجمعوي عامة المدخل الصحيح نحو أدواره المطلوبة والملحة في مجتمعاتنا التي تعاني من أمراض موروثة، تكبل الناس في قيود من القعود والأنانية والانتظارية، وتكون قد كرست في المجتمع سلبية عامة، وأنتجت جيلا لا يعطي ولا يبادر ولا يعرف معنى للتضحية.

المدخل السليم للفعل الجمعوي في ضوء المثال الصيني الشهير

فعوض الاستثمار في المحاربة الانتقائية للفقر والجوع والحرمان، وفي التنفيس الغير المباشر على الأنظمة المستبدة المتقاعسة، المخلة بأدوارها تجاه المجتمع، وعوض التركيز على تنظيم أنشطة خيرية موسمية فلسفتها العطاء المادي، وجب على عملنا الجمعوي أن ينحو نحو نهج مقاربتين أساسيتين:

أولا: الاستثمار في الإنسان نفسه، تعليما وتوجيها وإشراكا في المسؤولية، وذلك بالانتقال من العمل الجمعوي الخدماتي إلى العمل الجمعوي التنموي بمفهومه العام، الذي ينمي في الإنسان وعيه، ويعطي له معنا لعمله وسعيه، ويحثه على خدمة مجتمعه، مساهما في بناء أمته، بجهده وفعله، حتى يغدو رقما إيجابيا مثمرا، يزهر في المجتمع بتفاعله الإيجابي وبنفسه التشاركي التنموي الذي يحرض المجتمع بدوره حتى يحدو الآخر حدوه، ويغدو القريب والبعيد مثله، في متتالية تحريضية عامة، لا يزال سهمها يتألق من سالب إلى موجب كلما امتدت أيادي المتطوعين بالخير، تحنو بعضها على بعض.

ثانيا: ضرورة التركيز في العمل الجمعوي على الذات الكفيلة بتنزيل هذه الأفكار وهذا النهج، من خلال الانتقال من منطق تنظيم الأنشطة العامة إلى الاستثمار في تقوية القدرات الذاتية للجمعيات، وتنمية مهاراتها الإدارية والتواصلية، وفسح المجال للجمعيات لخوض غمار تجربتها الخاصة في المجتمع حتى تصير إطارا مجتمعيا منفتحا على قلوب الناس، تنمي فيهم حب العطاء وتدفعهم للمشاركة بعضهم في خدمة بعض، إلى أن يبادر من اشتد عوده منهم وآمن بجدوى فعله إلى خوض تجارب مشابهة أخرى، من خلال تأسيس جمعيات خيرية، تنموية واجتماعية، تتكامل في أدوارها لتؤسس جميعها مجتمعا متراحما متعاونا فلسفته الأساسية لا تعطني سمكة، بل علمني كيف أصطاد).